إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قصص الانبياء

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • #31
    قصة زكريا ويحيى عليهما السلام



    قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل: زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود ابن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ياخور بن شلوم بن بهفاشاط ابن إينامن بن رخيعم بن سليمان بن داود، أبو يحيى عليه السلام، من بني إسرائيل. دخل البثنة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى، وقيل: إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى، والله أعلم. وقد قيل غير ذلك في نسبه، ويقال فيه زكريا بالمد والقصر، ويقال: زكرى أيضاً.
    والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقص على الناس خبر زكريا عليه السلام، وما كان من أمره حين وهبه الله ولداً على الكبر، وكانت امرأته مع ذلك عاقراً في حال شبيبتها، وقد أسنت أيضاً، وحتى لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى، فقال تعالى: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا * إذ نادى ربه نداء خفياً). قام من الله فنادى ربه مناداة أسرها عمن كان حاضراً عنده مخافته، فقال: يا رب، يا رب. فقال الله: لبيك لبيك لبيك، (قال: رب إني وهن العظم مني) أي: ضعف وخار من الكبر، (واشتعل الرأس شيباً)، استعارة من اشتعال النار في الخطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبه، وهكذا قال زكريا عليه السلام:
    {إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً} (سورة مريم:4)
    وقوله:
    {ولم أكن بدعائك رب شقياً}
    أي: ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة، وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان، وكن كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أوانها ولا أوانها، وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولداً، وإن كان قد طعن في سنه
    {هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء} (سورة آل عمران:38)
    وقوله:
    {وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً}
    قيل: المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته، فسأل وجود ولد من صلبه يكون برأ تقياً مرضياً، ولهذا قال: (فهب لي من لدنك) أي: من عندك بحولك وقوتك (وليا يرثني) أي: في النبوة والحكم في بني إسرائيل (ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) يعني: كما كان آباؤنا وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياء، فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتها بها من النبوة والوحي، وليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة.
    فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد له والحالة هذه (قال رب أني يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً) أي: كيف يوجد ولد من شيخ كبير، قيل: كان عمره إذ ذاك سبعاً وسبعين سنة، والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك وكانت امرأتي في حال شبيبتها عاقراً لا تلد، والله أعلم. وهكذا أجيب زكريا عليه السلام، قال له الملك الذي يوحي إليه بأمر ربه: (كذلك قال ربك هو على هين) أي: هذا سهل يسير عليه (وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً) أي: قدرته أوجدتك بعد أن لم تكن شيئاً مذكوراً، أفلا يوجد منك ولد وإن كنت شيخاً؟!
    وقال تعالى:
    {فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه، إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً، وكانوا لنا خاشعين} (سورة الأنبياء:90)
    ومعنى إصلاح زوجته: أنها كانت لا تحيض فحاضت، وقيل: كان في لسانها شيء، أي بذاءة. (قال رب اجعل لي آية) أي: علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به، (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً) يقول: علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزاً، وأنت في ذلك سوي الخلق صحيح المزاج معتدل البينة، وأمر بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشر بهذه البشارة خرج مسروراً بها على قومه من محرابه، (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا).
    وفي قوله: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبياً) يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا عليه السلام، وأن الله تعالى علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه. قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا، قال: وذلك قوله: (وآتيناه الحكم صبياً). وأما قوله: (وحناناً من لدنا) فروي ابن جرير عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان. ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولاسيما على أبويه، وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما. وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل، والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره.
    ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمراً ونهياً، وترك عقوقهما قولاً وفعلاً فقال: (وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً) ثم قال: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً)، هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلي عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه، ويصير إلي الآخر ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخاً إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها، وينتقل إلي هذه الدار ليكابد همومها وغمها. وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد، قال: فقد زكريا ابنه ثلاثة أيام، فخرج يلتمسه في البرية، فإذا هو قد احتفر قبراً وأقام فيه يبكي على نفسه، فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه؟ فقال: يا أبت ألست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مقام لا يقطع إلا بدموع البكائين؟ فقال له: أبك يا بني، فبكيا جميعاً.
    وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه. وذكروا في قتله أسباباً من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها، فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك، فبقى في نفسها منه، فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى، فوهبه لها، فبعثت إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلي عندها، فيقال أنها هلكت من فورها وساعتها. وقيل: بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك، فتمنع عليها الملك، ثم أجابها إلي ذلك، فبعث من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طست. ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان بالمسجد الأقصى أم بغيره على قولين. فقال الثوري عن الأعمش عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبياً منهم يحيى بن زكريا عليه السلام. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى ابن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: قدم بختنصر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فسأل عنه فأخبروه، فقتل على دمه سبعين ألفاً فسكن.
    [rainbow]
    تحياتي


    المراقب العام
    :rose::rose::rose:
    [/rainbow]

    تعليق


    • #32
      قصة سليمان عليه السلام



      قال الحافظ ابن عساكر: هو سليمان بن داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون ابن نخشون بن عمينا اداب بن إرم بن حصرون بن قارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أبي الربيع، نبي الله ابن نبي الله. جاء في الآثار أنه دخل دمشق، قال ابن ماكولا: فارص بالصاد المهمة، وذكر نسبه قريباً مما ذكره ابن عساكر.
      قال الله تعالى:
      {وورث سليمان داود، وقال يا أيها الناس علمناه منطق الطير وأوتينا من كل شيء، إن هذا لهو الفضل المبين} (سورة النمل:16)
      أي: ورثه في النبوة والملك، وليس المراد ورثه في المال؛ لأنه قد كان له بنون غيره، فما كان ليخص بالمال دونهم، ولأنه
      قد ثبت في الصحيح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"
      وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات، والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات: (وأوتينا من كل شيء) أي: من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين والسارحات والعلوم والفهم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات، ثم قال: (إن هذا لهو الفضل المبين) أي: من بارئ البريات وخالق الأرض والسماوات، كما قال تعالى:
      {وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون * حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} (سورة النمل:17ـ19)
      يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد، وذلك أن الطيور كانت على كل صنف منها مقدمون، ويقومون بما يطلب منهم، ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك. وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره أنهم كانوا إذا أعوزوا الماء في القفار في حال الإسفار يجئ فينظر لهم هل بهذه البقاع من ماء، وفيه من القوة التي أودعها الله تعالى فيه، أن ينظر إلي الماء تحت تخوم الأرض، فإذا دلهم عليه حفروا عنه، واستنبطوه وأخرجوه واستعملوا لحاجتهم. فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته (فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين) أي: ما له مفقود من هاهنا، أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي؟ (لأعذبنه عذاباً شديداً)، توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه، والمقصود حاصل على كل تقدير، (أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين) أي بحجة تنجيه من هذه الورطة.
      قال الله تعالى: (فمكث غير بعيد) أي: فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة، ثم قدم منها (فقال) لسليمان (أحطت بما لم تحط به) أي: طلعت على ما لم تطلع عليه (وجئتك من سبأ بنبأ يقين) أي: بخبر صادق (إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم) يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين، وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلي امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم. وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلاً فعم بعد الفساد، فأرسلت إليه تخطبه فتزوجها، فلما دخلت عليه سقته خمراً ثم حزت رأسه ونصبته على بابها، فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد. وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرج بن الحارث بن قيس بن سيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكان أبوها من أكابر الملوك، وكان قد تأبى أن يتزوج من أهل اليمن، فيقال: إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانه بنت السكن، فولدن له هذه المرأة واسمها تلقمة، ويقال لها: بلقيس.
      وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن النضر، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كان أحد أبوي بلقيس جنيا" وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف.
      وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"
      ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله وإضلال الشيطان لهم وصده إياهم عن عبادة الله تعالى وحده لا شريك له الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون، أي: يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) أي: له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات.
      فعند ذلك بعث سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلي طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والإذعان إلي الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه، ولهذا قال لهم: (ألا تعلوا علي) أي: لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري (وائتوني مسلمين) أي: واقدموا على سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة، فلما جاءها الكتاب مع الطير، ومن ثم اتخذ الناس البطائق ولكن أين الثريا من الثرى! تلك البطاقة كانت هي طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له، فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب، وجاء إلي قصرها، فألقاه إليها وهي في خلوة لها، ثم وقف إلي مشورتها (قالت: يا أيها الملأ إني ألقى إلي كتاب كريم) ثم قرأت عليهم عنوانه أولاً: (إنه من سليمان) ثم قرأته: (وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين) ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها، وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون (قالت: يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون) تعني: ما كنت لأبت أمراً إلا وأنتم حاضرون (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد) يعنون: لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال، فإن أردت منا ذلك فإنا عليه من القادرين (و) مع هذا فـ (الأمر إليك فانظري ماذا تأمرين) فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة، وفوضوا إليها ذلك الأمر، لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم.
      فكان رأيها أتم وأشد من رأيهم، وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع (قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون) تقول برأيها السديد: إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إلي، ولم تكن الحدة الشديدة والسطوة البليغة إلا على (وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها، ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صرفا ولا عدلاً، لأنهم كافرون، وهو وجنوده عليهم قادرون. ولهذا لما (جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما أتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون) هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة، كما ذكره المفسرون.

      ثم قال لرسولها إليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون: (ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون) يقول: ارجع بهديتك التي قدمت بها إلي من قد من بها، فإن عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا، وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه (فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها) أي: فلأبعثن إليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا ممانعتهم ولا قتالهم، ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة (وهم صاغرون) عليهم الصغار والعار والدمار. فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة، فبادروا إلي إجابته في تلك الساعة، واقبلوا بصحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين، فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم إليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن:
      {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين * قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك، فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم * قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون * فلما جاءت قيل أهكذا عرشك، قالت كأنه هو، وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين * وصدها ما كانت تعبد من دون الله، إنها كانت من قوم كافرين * قيل لها ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، قال إنه صرح ممرد من قوارير، قالت ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين} (سورة النمل:38ـ44)
      لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس، وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها، قبل قدومها عليه (قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) يعني: قبل أن ينقضي مجلس حكمك، وكان فيما يقال من أول النهار إلي قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال (وإني عليه لقوي أمين) أي: وإني لذو قوة على إحضاره وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك: (قال الذي عنده علم الكتاب) المشهور أنه آصف بن بزخيا وهو ابن خالة سليمان، وقيل: رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم، وقيل: رجل من بني إسرائيل من علمائهم، وقيل: إنه سليمان، وهو غريب جداً، وضعفه السهيلي بأنه لا يصح في سياق الكلام، قال: وقد قيل فيه قول رابع وهو جبريل، (أنا آتيك بما قبل أن يرتد إليك طرفك) قيل: معناه قبل أن تبعث رسولاً إلي أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود إليك.
      (فلما رآه مستقر عنده) أي: فلما رأى عرش بلقيس مستقراً عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلي بيت المقدس في طرفة عين (قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) أي: هذا من فضل الله علي وفضله على عباده ليختبرهم على الشكر أو خلافه (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) أي: إنما يعود نفع ذلك عليه (ومن كفر فإن ربي غني كريم) أي: غني عن شكر الشاكرين، ولا يتضرر بكفر الكافرين. ثم أمر سليمان عليه السلام أن تغير حلي هذا العرش وتنكر لها ليختبر فهمها وعقلها، ولهذا قال: (ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون * فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت كأنه هو) وهذا من فطنتها وغزارة فهمها؛ لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحداً يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب، قال الله تعالى إخباراً عن سليمان وقومه: (وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين * وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين) أي: ومنعتها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتباعاً لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلي ذلك ولا حداهم على ذلك.
      وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء، وجعل عليه سقفاً من زجاج، وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه: (فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) وقد قيل: إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليهما من الشعر فينفره ذلك منها وخشوا أن يتزوجها؛ لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه. يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان عليه السلام، ثم أثنى عليه تعالى فقال: (نعم العبد إنه أواب) أي: رجاع مطيع الله، ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات، وهي التي تقف على ثلاثة وطرف حافر الرابعة، والجياد وهي المضمرة السراع.
      قال الله تبارك وتعالى:
      {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} (سورة سبأ:14)
      عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان سليمان نبي الله عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء أنبتت فبينما هو يصلي ذات يوم إذا رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عليها حولاً والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين". قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء
      كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفى فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها، ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء لكذا وكذا، فيجعلها كذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، فقال: ولأي شيء نبت؟ فقالت: نبت لخراب هذا المسجد، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه فمات، ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول ألست جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلي سليمان عليه السلام وهو في المحراب إلا احترق، فلم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق ونظر إلي سليمان عليه السلام قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة، ثم حبسوا ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولاً كاملاً، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله عز وجل: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين) يقول: تبين أمرهم الناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلي الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشيطان تشكراً لها. وهذا فيه من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.
      عن عثمان بن أبي شيبة أن سليمان بن داود عليهما السلام قال لملك الموت: إذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني قال: ما أنا أعلم بذلك منك، إنما هي كتب تلقى إلي فيها تسمية من يموت. قال سليمان لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشيطان فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متوكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله دابة الأرض يعني إلي منسأته فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر، فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا، قال: قوله: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين).
      عن ابن عباس أن ملكه كان عشرين سنة وكان عمر سليمان بن داود عليهما السلام نيفاً وخمسين سنة وفي سنة أربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر، ثم ملك بعده ابنه رخعيم مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير، وقال: ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل.
      [rainbow]
      تحياتي


      المراقب العام
      :rose::rose::rose:
      [/rainbow]

      تعليق


      • #33
        قصة أيوب عليه السلام



        قال ابن إسحاق: كان رجلاً من الروم، وهو أيوب بن موصى بن رازخ بن العيص ابن إسحاق بن إبراهيم الخليل. وقال غيره: هو أيوب بن موصى بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب، وقيل غير ذلك في نسبه. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام، وقيل: كان أبوه ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم ألقى في النار لحرقه.
        والمشهور الأول؛ لأنه من ذرية إبراهيم، كما قررنا عند قوله تعالى:
        {ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون} (سورة الأنعام:84)
        ومن أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام. وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى:
        {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلي نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب} (سورة النساء:163)
        فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحاق، وامرأته قيل اسمها: "ليا" بنت يعقوب، وقيل: رحمة بنت أفراثيم، وقيل: ليا بنت منسا بن يعقوب. وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا. ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.
        قال تعالى:
        {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين} (سورة الأنبياء:83ـ84)
        وقال تعالى في سورة ص:
        {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم ومعهم رحمة منا وذكرى لأولى الألباب * وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به، ولا تحنث، إنا وجدناه صابراً نعم العبد، إنه أواب} (سورة ص:41ـ44)
        وروي ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال: أول نبي بعث إدريس، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم إسماعيل، ثم إسحاق، ثم يعقوب، ثم يوسف، ثم لوط، ثم هود، ثم صالح، ثم شعيب، ثم موسى وهارون، ثم إلياس، ثم اليسع، ثم عرفي بن سويلخ بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، ثم يونس بن متى من بني يعقوب، ثم أيوب بن رازخ بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هوداً وصالحاً: المشهور أنهما بعد نوح وقبل إبراهيم. والله أعلم.
        قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم: كان أيوب رجلاً كثير المال من سائر صنوفه وأنوعه؛ من الأنعام والعبيد والمواشي؛ والأراضي المتسعة بأرض الثنية من أرض حوران. وحكى ابن عساكر: أنها كلها كانت له، وكان له أولاد وأهلون كثير. فسلب منه ذلك جميعه، وابتلى في جسده بأنواع من البلاء، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر الله عز وجل بهما، وهو في ذلك كله صابر محتسب، ذاكر الله عز وجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه.
        وطال مرضه حتى عافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس، ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته، وضعف حالها وقال مالها، حتى كانت تخدم الناس بالأجر؛ لتطعمه وتقوم بأوده، رضي الله عنها وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة بالزوج، وضيق ذات اليد وخدمة الناس، بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة. فإنا لله وإنا إليه راجعون!.
        وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل"
        وقال: "يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه"
        ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام، ويضرب المثل أيضاً بما حصل له من أنواع البلايا. وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل؛ في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده، والله أعلم بصحته. وعن مجاهد أنه قال: كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري.
        وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال: فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص. وقال أنس: ابتلى سبع سنين وأشهراً، وألقى على مزبلة لبنى إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن الثناء عليه. وقال حميد: مكث في بلواه ثماني عشرة سنة.
        وقال السدي: تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب، فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته، فلما طال عليها، قالت: يا أيوب، لو دعوت ربك لفرج عنك، فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحاً، فهل قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجزعت من هذا الكلام، وكانت تخدم الناس بالأجر، وتطعم أيوب عليه السلام.
        ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها؛ لعلمهم أنها امرأة أيوب، خوفاً أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته، فلما لم تجد أحداً يستخدمها، عمدت فباعت لبعض بنات الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير، فأتت به أيوب، فقال: من أين لك هذا؟ وأنكره، فقالت: خدمت به أناساً. فلما كان الغد لم تجد أحداً فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به، فأنكره أيضاً، وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين هذا الطعام؟ فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه: (ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين).
        وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب أخوان، فجاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد. قال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع مثله من شيء قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: الله إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عار فصدقني. فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم بعزتك، وخر ساجداً، فقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبداً حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
        وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً: حدثنا يونس، عن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول؟ غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلي بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكر الله إلا في حق".


        قال: "وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلي أيوب في مكانه، أن
        {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} (سورة ص:42)
        فاستبطأته فتلقته تنظر، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك! هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً، قال: فإني أنا هو، قال: وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض"
        لفظ ابن جرير، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة، عن حرملة، عن ابن وهب به. وهذا غريب رفعه جداً، والأشبه أن يكون موقوفاً.
        وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أنبأنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: وألبسه الله حلة من الجنة، فتنحى أيوب وجلس في ناحية، فجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت: يا عبد الله، أين ذهب هذا المبتلى الذي كان هاهنا؟ لعل الكلاب ذهب به أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك أنا أيوب‍ قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي.
        قال ابن عباس: ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم، ومثلهم معهم.
        وقال وهب بن منبه: أوحى الله إليه: قد رددت عليه أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك، وقرب عن صحابتك قرباناً، واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم.
        وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا همام، عن قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذه بيده ويجعل في ثوبه، قال فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: يا رب ومن يشبع من رحمتك"
        وهكذا رواه الإمام احمد عن أبي داود الطيالسي، وعبد الصمد، عن همام، عن قتادة به، ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي، عن إسحاق ابن راهويه، عن عبد الصمد به، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب، وهو على شرط الصحيح، فالله أعلم.
        وقال الإمام احمد: حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب، فجعل يقبضها في ثوبه، فقيل: يا أيوب، ألم يكفك ما أعطيناك؟ قال: أي رب ومن يستغني عن فضلك؟. هذا موقوف. وقد روى عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعاً.
        وقال الإمام احمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه عز وجل: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكني لا غنى لي عن بركتك". رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به
        وقوله:
        {اركض برجلك} (سورة ص:42)
        أي: اضرب الأرض برجلك، فامتثل ما أمر به، فأنبع الله عيناً باردة الماء، وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها، فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى، والسقم والمرض، الذي في جسده ظاهراً وباطناً، وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة، وجمالاً تاماً ومالاً كثيراً؛ حتى صب له من الماء صباً، مطراً عظيماً جراداً من ذهب.
        وأخلف الله له أهله، كما قال تعالى: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) فقال: أحياهم الله بأعيانهم، وقيل: آجره فيمن سلف، وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم، وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة. وقوله: (رحمة من عندنا) أي: رفعنا عنه شدته وكشفنا ما به من ضر، رحمة منا به ورأفة وإحساناً.
        {وذكرى للعابدين} (سورة الأنبياء:84)
        أي: تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده، فله أسوة بنبي الله أيوب؛ حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب؛ حتى فرج الله عنه.
        ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال: هي "رحمة" من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع. وقال الضحاك عن ابن عباس: رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرين ولداً ذكراً. وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية، ثم غيروا بعده دين إبراهيم. وقوله:
        {وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب} (سورة ص:44)
        هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام، فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط، فقيل: حلف ذلك لبيعها ضفائرها، وقيل: لأنه عارضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب، فأتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان، فحلف ليضربنها مائة سوط. فلما عافاه الله عز وجل أفتاه أن يأخذ ضغثاً، وهو كالعثكال الذي يجمع الشماريخ، فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة، ويكون هذا منزلاً منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ،ولاسيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة، رضي الله عنها.
        ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله: (إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب) وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الإيمان والنذور، وتوسع آخرون لها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الإيمان، وصدروه بهذه الآية الكريمة، وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب، وسنذكر طرفاً من ذلك في كتاب "الأحكام" عند الوصول إليه إن شاء الله.
        وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ: أن أيوب عليه السلام لما توفى كان عمره ثلاثاً وتسعين سنة، وقيل: إنه عاش أكثر من ذلك. وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه: أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الأغنياء، وبيوسف عليه السلام على الأرقاء، وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء. رواه ابن عساكر بمعناه.


        وأنه أوصى إلي ولده "حومل" وقام بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب، وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه "ذو" الكفل" فالله أعلم، ومات ابنه هذا وكان نبياً فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمساً وسبعين. ولنذكر هاهنا قصة ذي الكفل؛ إذ قال بعضهم: إنه ابن أيوب عليهما السلام، وهذه هي:
        [rainbow]
        تحياتي


        المراقب العام
        :rose::rose::rose:
        [/rainbow]

        تعليق


        • #34
          قصة ذي الكفل
          الذي زعم قومه أنه ابن أيوب

          قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الأنبياء:
          {وإسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا، إنهم من الصالحين} (سورة الأنبياء:85ـ86)
          وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضاً في سورة ص:
          {واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار * إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا من المصطفين الأخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل، وكل من الأخيار} (سورة ص:45ـ48)
          فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقروناً مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي، عليه من ربه الصلاة والسلام، وهذا هو المشهور. وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبياً، وإنما كان رجلاً صالحاً، وحكماً مقسطاً عادلاً، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم. وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد: أنه لم يكن نبياً وإنما كان رجلاً صالحاً، وكان قد تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم، ويقضي بينهم بالعدل فمسي ذا الكفل.
          وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند، عن مجاهد أنه قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى انظر كيف يعمل؟. فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث استخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب.
          قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فرده ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا، فاستخلفه.
          قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة، فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، قال: فقام ففتح الباب فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فإني آخذ لك بحقك.
          فانطلق وراح فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع لى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فائتني؟ فقال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك، وإذا نمت جحدوني. قال: فانطلق فإذا رحت فائتني.
          قال: ففاتته القائلة، فراح ينتظر فلا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم، فلما كان تلك الساعة جاء، فقال له الرجل: وراءك وراءك. فقال: إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري. فقال: لا والله، لقد أمرنا أن لا ندع أحداً يقربه، فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، قال: فاستيقظ الرجل، فقال: يا فلان ألم آمرك؟ قال: أما من قبلي والله فلم تؤت، فانظر من أين أتينا؟.
          قال: فقام إلي الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل في البيت فعرفه، فقال: أعدو الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء ففعلت كما ترى لأغضبك. فسماه الله ذا الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به. وقدر روى ابن أبي حاتم أيضاً عن ابن عباس قريباً من هذا السياق، وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الأكبر، وغيرهم من السلف نحو هذا.
          وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، أنبأنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن كنانة بن الأخنس، قال: سمعت الأشعري ـ يعني أبا موسى رضي الله عنه ـ وهو على هذا المنبر يقول: ما كان ذو الكفل نبياً ولكن كان رجلاً صالحاً يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فمسي ذا الكفل. ورواه ابن جرير عن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال: قال أبو موسى الأشعري، فذكره منقطعاً.
          فأما الحديث الذي رواه الإمام احمد: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن عبد الله، عن سعد مولى طلحة، عن ابن عمر قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين ـ حتى عد سبع مرات ـ لم أحدث به، ولكني قد سمعته أكثر من ذلك قال: "كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال لها: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملتني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط، ثم نزل وقال: اذهبي بالدنانير لك، ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبداً، فمات من ليلته فأصبح مكتوباً على بابه: قد غفر الله للكفل"
          رواه الترمذي من حديث الأعمش به، وقال: حسن، وذكر أن بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر. فهو حديث غريب جدا‍ً، وفي إسناده نظر، فإن سعداً هذا قال أبو حاتم: لا أعرفه إلا بحديث واحد. ووثقه ابن حبان، ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازي هذا، فالله أعلم. وإن كان محفوظاً فليس هو ذا الكفل، وإنما لفظ الحديث الكفل من غير إضافة، فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن. فالله تعالى أعلم.
          [rainbow]
          تحياتي


          المراقب العام
          :rose::rose::rose:
          [/rainbow]

          تعليق


          • #35
            يوشع بن نون عليه السلام


            نبذة:

            ورد أنه الفتى الذي صاحب موسى للقاء الخضر. وهو النبي الذي أخرج الله على يديه بني إسرائي من صحراء سيناء، وحاربوا أهل فلسطين وانتصروا عليهم.


            سيرته:

            لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى. سوى اثنين. هما الرجلان اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بدخول قرية الجبارين. ويقول المفسرون: إن أحدهما يوشع بن نون. وهذا هو فتى موسى في قصته مع الخضر. صار الآن نبيا من أنبياء بني إسرائيل، وقائدا لجيش يتجه نحو الأرض التي أمرهم الله بدخولها.

            خرج يوشع بن نون ببني إسرائيل من التيه، بعد أربعين سنة، وقصد بهم الأرض المقدسة. ,كانت هذه الأربعين سنة -كما يقول العلماء- كفيلة بأن يموت فيها جميع من خرج مع موسى عليه السلام من مصر، ويبقى جيل جديد تربى على أيادي موسى وهارون ويوشع بن نون، جيل يقيم الصلا ويؤتي الزكاة ويؤمن بالله ورسله. قطع بهم نهر الأردن إلى أريحا، وكانت من أحصن المدائن سورا وأعلاها قصورا وأكثرها أهلا. فحاصرها ستة أشهر.

            وتأتي بعض الروايات لتخبرنا بأنه في المعركة الأخيرة التي بدأت في يوم الجمعة، أوشك اليهود على تحقيق الانتصار، لكن الشمس قاربت على المغيب -وكان اليهود لا يعملون ولا يحاربون يوم السبت- فخشى يوشع بن نون أن يذهب النصر. فنظر يوشع إلى الشمس وقال: "إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي". فتوقفت الشمس مكانها، وظلت واقفة إلى أن فتح بيت المقدس ودخله.

            يرى البعض أن هذه الرواية لا يمكن تصديقها. فالشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يتوقفان لموت أحد ولا لحياته، ورغم عظمة الخوارق والمعجزات التي وقعت لبني إسرائيل، فقد كانت كلها معجزات لا تتعارض مع ناموس الكون ونظامه.. لم تكن هناك معجزة تتعلق بالشمس والقمر.. لم تجاوز المعجزات أديم الأرض أو البحر أو الجبل.

            صدر الأمر الإلهي لبني إسرائيل أن يدخلوا المدينة سجدا.. أي راكعين مطأطئي رءوسهم شاكرين لله عز وجل ما من به عليهم من الفتح. أمروا أن يقولوا حال دخولهم: (حِطَّةٌ).. بمعنى حط عنا خطايانا التي سلفت، وجنبنا الذي تقدم من آبائنا.

            إلا أن بني إسرائيل خالف ما أمرت به قولا وفعلا.. فدخلوا الباب متعالين متكبرين، وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم.. فأصابهم عذاب من الله بما ظلموا. كانت جريمة الآباء هي الذل، وأصبحت جريمة الأبناء الكبرياء والافتراء.

            ولم تكن هذه الجريمة هي أول جرائم بني إسرائيل ولا آخر جرائمهم، فقد عذبوا رسلهم كثيرا بعد موسى، وتحولت التوراة بين أيديهم إلى قراطيس يبدون بعضها ويخفون كثيرا. حسبما تقتضي الأحوال وتدفع المصلحة المباشرة، وكان هذا الجحود هو المسؤول عما أصاب بني إسرائيل من عقوبات.

            عاد بنو إسرائيل إلى ظلمهم لأنفسهم.. اعتقدوا أنهم شعب الله المختار، وتصوروا انطلاقا من هذا الاعتقاد أن من حقهم ارتكاب أي شيء وكل شيء.. وعظمت فيهم الأخطاء وتكاثرت الخطايا وامتدت الجرائم بعد كتابهم إلى أنبيائهم، فقتلوا من قتلوا من الأنبياء.

            وسلط الله عليهم بعد رحمة الأنبياء قسوة الملوك الجبارين، يظلمونهم ويسفكون دمائهم، وسلط الله أعدائهم عليهم ومكن لهم من رقابهم وأموالهم.

            وكان معهم تابوت الميثاق. وهو تابوت يضم بقية مما ترك موسى وهارون، ويقال إن هذا التابوت كان يضم ما بقي من ألواح التوراة التي أنزلت على موسى ونجت من يد الزمان. وكان لهذا التابوت بركة تمتد إلى حياتهم وحروبهم، فكان وجود التابوت بينهم في الحرب، يمدهم بالسكينة والثبات، ويدفعهم إلى النصر، فلما ظلموا أنفسهم ورفعت التوراة من قلوبهم لم يعد هناك معنى لبقاء نسختها معهم، وهكذا ضاع منهم تابوت العهد، وضاع في حرب من حروبهم التي هزموا فيها.

            وساءت أحوال بني إسرائيل بسبب ذنوبهم وتعنتهم وظلمهم لأنفسهم. ومرت سنوات وسنوات. واشتدت الحاجة إلى ظهور نبي ينتشلهم من الوهدة السحيقة التي أوصلتهم إليها فواجع الآثام وكبائر الخطايا
            [rainbow]
            تحياتي


            المراقب العام
            :rose::rose::rose:
            [/rainbow]

            تعليق


            • #36
              قصة شمويل عليه السلام



              هو شمويل، ويقال: له أشمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا. قال مقاتل: وهو من ورثة هارون، وقال مجاهد: هو أشمويل بن هلفاقا، ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا، فالله أعلم. حكى السدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة والثعلبي وغيرهم أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وسبوا من أبنائهم جمعاً كثيراً، وانقطعت النبوة من سبط لاوي ولم يبق إلا امرأة حبلى فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها ولداً ذكراً، فولدت غلاماً فسمته أشمويل، ومعناه بالعبرانية إسماعيل، أي: سمع الله دعائي.
              فلما ترعرع بعشته إلي المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته، وكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد، فانتبه مذعوراً، فظنه الشيخ يدعوه فسأله: أدعوتني؟ فكره أن يفزعه فقال: نعم نم، فنام. ثم ناداه الثانية فكذلك ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه، فجاءه فقال: إن ربك قد بعثك إلي قومك. فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه.
              {ألم تر إلي الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً تقاتل في سبيل الله، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا، قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، والله عليم بالظالمين * وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، قالوا أتي يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال، قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم * وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين * فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا منه إلا قليلاً منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} (سورة البقرة:246ـ251)
              قال أكثر المفسرين: كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل وقيل: شمعون، وقيل: هما واحد. وقيل: يوشع، وهذا بعيد لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثه شمويل أربعمائة سنة وستين سنة، فالله أعلم.
              والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب، وقهرهم الأعداء، سألوا نبي الله في ذلك الزمان، وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكاً يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ومعه ومن بين يديه الأعداء، فقال لهم:
              (هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله) أي: وأي شيء يمنعنا من القتال (وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) يقولون: نحن محروبون موتورون فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم.
              [rainbow]
              تحياتي


              المراقب العام
              :rose::rose::rose:
              [/rainbow]

              تعليق


              • #37
                يتبع قصة شمويل عليه السلام :



                قال الله تعالى:
                {فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، والله عليم} (سورة البقرة:246)
                كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل، والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال. وقال لهم نبيهم:
                {إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} (سورة البقرة:246ـ251)
                قال الثعلبي: وهو طالوت بن قيش بن أنيال بن صرار بن لحوب بن أفيح بن أريش ابن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. قال عكرمة والسدي: كان سقاءً، وقال وهب بن منبه: كان دباغاً، وقيل غير ذلك، فالله أعلم. ولهذا (قالوا أتي يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال)
                ولقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوي، وأن الملك كان في سبط يهوذا، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه، وطعنوا في إمارته عليهم، وقالوا: نحن أحق بالملك منه، وقد ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه، فكيف يكون مثل هذا ملكاً؟. (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)
                قيل: كان الله قد أوحي إلي شمويل أن أي بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا، وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم، فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا، فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت، ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه وعينه للملك عليهم، وقال لهم (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم) قيل: الطول، وقيل: الجمال، والظاهر في السياق أنه كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه السلام (والله يؤتي ملكه من يشاء) فله الحم وله الخلق والأمر (والله واسع عليم).
                (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين)
                وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد الله عليهم التابوت الذي كان سلب منهم وقهرهم الأعداء عليه، وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه (فيه سكينة من ربكم) قيل: طست من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء. وقيل: السكينة مثل الريخ الخجوح. وقيل: صوتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) قيل: كان فيه رضاض الألوح وشيء من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه (تحمله الملائكة) أي: باهرة على صدق ما أقوله لكم، وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم، ولهذا قال: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين).
                وقيل: إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة، وقيل: كان فيه التوراة أيضاً، فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم، فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته"، فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم، فلما تكرر هذا علموا أن هذا الأمر من الله تعالى، فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم، فأخذهم داء في رقابهم، فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما، فيقال: إن الملائكة ساقتها حتى جاءوا بها ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة، والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم من الآية، والله أعلم. وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم.
                (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده)
                قال ابن عباس وكثير من المفسرين: هذا النهر هو نهر الأردن، وهو المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختباراً وامتحاناً: أن من شرب من هذا النهر اليوم فلا يصحبني في هذه الغزوة، ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة في يده. قال الله تعالى: (فشربوا منه إلا قليلاً منهم).
                قال السدي: كان الجيش ثمانين ألفاً، فشرب منه ستة وسبعون ألفاً، فبقى معه أربعة آلاف كذا قال. وقد روي البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل وزهير والثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلثمائة مؤمن.
                وقول السدي: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفاً فيه نظر؛ لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أنه يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفاً، والله أعلم قال الله تعالى: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) أي: استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلي قلتهم وكثرة عدد عدوهم.
                (قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)
                يعني: ثبتهم الشجعان منهم، والفرسان أهل الإيمان والإيقان، الصابرون على الجلاد والجدال والطعان. (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) وطلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر، أي: يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق، وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب، ومعترك الأبطال، وحومة الوغي، والدعاء إلي النزال، فسألوا التثبيت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلي ما سألوا، وأنالهم ما إليه فيه رغبوا. ولهذا قال: (فهزموهم بإذن الله).
                أي: يحول الله وقوته لا بحولهم، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم، مع كثرة أعداءهم وكمال عددهم، كما قال تعالى:
                {ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} (سورة آل عمران:123)
                وقوله تعالى:
                {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء}
                فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام، وأنه قتله قتلاً أذل به جنده وكسر جيشه، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة، ويأسر الأبطال الشجعان والأقران، وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان، ويدال لأولياء الله على أعدائه، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه.
                وقد ذكر السدي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه، وكانوا ثلاثة عشر ذكراً، كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول: من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته في ملكي، وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة وهو المقلاع رمياً عظيماً، فبينما وهو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فإن بي تقتل جالوت؛ فأخذه، ثم حجر آخر كذلك ثم آخر كذلك، فأخذ الثلاثة في مخلاته، فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا إلي نفسه، فتقدم إليه داود فقال له: ارجع فإني اكره قتلك، فقال: لكني احب قتلك.
                وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة، ثم أدارها فصارت الثلاثة حجراً واحداً، ثم رمى بها جالوت فلق رأسه وفر جيشه منهزماً، فوفى له طالوت بما وعده فزوجه ابنته، وأجرى حكمه في ملكه، وعظم داود عليه السلام عند بني إسرائيل وأحبوه، ومالوا إليه أكثر من طالوت. فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله، واحتال على ذلك فلم يصل إليه، وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود، فتسلط عليهم فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، ثم حصل له توبة وندم وأقلع عما سلف منه، وجعل يكثر من البكاء، ويخرج إلي الجبانة فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه، فنودي ذات يوم من الجبانة: أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموت؛ فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله، ثم جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة، فقيل له: وهل أبقيت عالما؟! حتى ذلك على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلي قبر يوشع عليه السلام، قالوا: فدعت الله، فقام يوشع من قبره فقال: أقامت القيامة؟ فقالت: لا، ولكن هذا طالوت يسألك: هل له من توبة؟ فقال: نعم: ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل. ثم عاد ميتاً.
                فترك الملك لداود عليه السلام، وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا، قالوا: فذلك قوله: (وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء). هكذا رواه ابن جرير في تاريخه من طريق السدي بإسناده، وفي بعض هذا نظر، ونكارة والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب حكاه ابن جرير أيضاً.
                وذكر الثعلبي أنها أتت به إلي قبر شويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور، وهذا أنسب، ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حياً، فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي، وتلك امرأة لم تكن نبية، واله أعلم. قال ابن جرير: وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلي أن قتل مع أولاده أربعون سنة، فالله أعلم.
                [rainbow]
                تحياتي


                المراقب العام
                :rose::rose::rose:
                [/rainbow]

                تعليق


                • #38
                  قصة مدين قوم شعيب عليه السلام



                  كان أهل مدين قوماً عرباً يسكنون مدينتهم "مدين" التي هي قريبة من أرض معان من أطراف الشام، مما يلي ناحية الحجاز قريباً من بحيرة قوم لوط، وكانوا بعدهم بمدة قريبة. ومدين قبيلة عرفت بهم المدينة، وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل. وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل بن يشجن، ذكره ابن إسحاق.
                  قال: ويقال له بالسريانية يترون، وفي هذا نظر، ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي ابن يعقوب، ويقال: شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم، ويقال: شعيب ابن ضيفور بن عيتا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم، وقيل غير ذلك في نسبه. وقال ابن عساكر: ويقال جدته، ويقال أمه، بنت لوط. وكان ممن آمن بإبراهيم، وهاجر معه، ودخل معه دمشق.
                  وعن وهب بن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار، وهاجر معه إلي الشام، فزوجهما بنتي لوط عليه السلام. ذكره ابن قتيبة. وفي هذا كله نظر أيضاً. والله أعلم.
                  وذكر عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" في ترجمة سلمة بن سعدي العنتري: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلي عنزة، فقال: "نعم الحي عنزة مبغي عليهم، منصورون، رهط شعيب وأختان موسى"
                  فلو صح هذا لدل على أن شعيباً صهر موسى، وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة، لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، فإن هؤلاء بعده بدهر طويل، والله أعلم. وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الأنبياء والرسل قال: "أربعة من العرب: هود، وصالح، وشعيب، ونبيك يا أبا ذر".
                  وكان بعض السلف يسمي شعيباً خطيب الأنبياء، يعني لفصاحته وحلاوة عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلي الإيمان برسالته.
                  وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعبياً قال: "ذاك خطيب الأنبياء"
                  وكان أهل مدين كفاراً يقطعون السبيل ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة، وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها. وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان، ويطففون فيهما، يأخذون بالزائد، ويدفعون بالناقص.
                  فبعث الله فيهم رجلاً منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام، فدعاهم إلي عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم، حتى أحل بهم الله البأس الشديد، وهو الولي الحميد.
                  كما قال تعالى:
                  {وإلى مدين أخاهم شعيباً، قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم} (سورة الأعراف:85)
                  أي: دلالة وحجة واضحة، وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وأنه أرسلني، وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلاً، وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالاً.
                  {فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم في الأرض بعد إصلاحها} (سورة الأعراف:85)
                  أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، وتوعدهم على خلاف ذلك فقال:
                  {ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين * ولا تقعدوا بكل صراط}
                  أي: طريق.
                  {توعدون} (سورة الأعراف:85ـ86)
                  أي: تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل. قال السدي في تفسيره عن الصحابه: (ولا تقعدون بكل صراط توعدون) أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة.
                  وقال إسحاق بن بشر بن الضحاك، عن ابن عباس قال: كانوا طغاة بغاة يجلسون على الطريق، يبخسون الناس؛ يعني يعشرونهم، وكانوا أول من سن ذلك.
                  {وتصدون عن سبيل الله من آمن وتبغونها عوجاً} (سورة الأعراف:86)
                  ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة، وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه. كما قال لهم في القصة الأخرى:
                  {ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخيرٍ وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط} (سورة هود:85)
                  أي: لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه، فيمحق الله بركة ما بأيديكم؛ ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم. هذا مضاف إلي عذاب الآخرة، ومن جمع له هذا وهذا، فقد فاز بالصفقة الخاسرة!. فنهاهم أولاً عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف، وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم، وعذابه الأليم في أخراهم، وعنفهم أشد تعنيف.
                  ثم قال لهم آمراً بعد ما كان عن ضده راجزاً:
                  {ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ} (سورة هود:85ـ86)
                  قال ابن عباس والحسن البصري: (بقية الله خير لكم) أي: رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس. وقال ابن جرير: ما فضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف، قال: وقد روي هذا عن ابن عباس.
                  وهذا الذي قاله وحكاه حسن، وهو شبيه بقوله تعالى:
                  {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث} (سورة المائدة:100)
                  يعني: أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير الحرام، فإن الحلال مبارك وإن قل، والحرام ممحوق وإن كثر. كما قال تعالى:
                  {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} (سورة البقرة:276)
                  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الربا وإن فإن مصيره إلي قل". رواه احمد
                  أي: إلي قلة
                  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"
                  والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام لا يجدي وإن كثر. ولهذا قال نبي الله شعيب:
                  {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} (سورة هود:86)
                  وقوله:
                  {وما أنا عليكم بحفيظ} (سورة هود:86)
                  أي: افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه، لا لأراكم أنا وغيري.
                  {قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، إنك لأنت الحليم الرشيد} (سورة هود:87)
                  يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم: أصلاتك هذه التي تصليها؛ هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد إلا إلهك؟ ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافا الأولون؟ أو أنا لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت، ونترك المعاملات التي تأباها إن كنا نحن نرضاها؟.
                  (إنك لأنت الحليم الرشيد) قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وزيد ابن أسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء.
                  {قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاً حسناً، وما أريد أن أخالفكم إلي ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب} (سورة هود:88)
                  هذا تلطف معهم في العبارة، ودعوة إلي الحق بأبين إشارة. يقول لهم: (أرأيتم) أيها المكذبون (إن كنتم على بينة من ربي) أي: على أمر من الله تعالى أنه أرسلني إليكم (ورزقني منه رزقاً حسناً) يعني: النبوة والرسالة، يعني وعمى عليكم معرفتها، فأي حيلة لي بكم؟. وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء.
                  وقوله: (وما أريد أن أخالفكم إلي ما أنهاكم عنه) أي: ليست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له، وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه. وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة، وضدها هي المردودة الذميمة، كما تلبس بها علماء بني إسرائيل في آخر زمنهم، وخطباؤهم الجاهلون. قال الله تعالى:
                  {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون} (سورة البقرة:44)
                  وذكرنا عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يؤتي بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه ـ أي: تخرج أمعاؤه من بطنه ـ فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى: كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه"
                  [rainbow]
                  تحياتي


                  المراقب العام
                  :rose::rose::rose:
                  [/rainbow]

                  تعليق


                  • #39
                    يابع قصة مدين قوم شعيب عليه السلام :





                    وهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء، فأما السادة من النجباء، والألباء من العلماء، الذين يخشون ربهم بالغيب، فحالهم كما قال نبي الله شعيب: (وما أريد أن أخالفكم إلي ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) أي: ما أريد في جميع أمري إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي.
                    (وما توفيقي) أي: في جميع أحوالي (إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) أي: عليه أتوكل في سائر الأمور، وإليه مرجعي ومصيري في كل أمري. هذا مقام ترغيب. ثم انتقل إلي نوع من الترهيب فقال:
                    {ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوحٍ أو قوم هودٍ أو قوم صالح، وما قوم لوط منكم ببعيد} (سورة هود:89)
                    أي: لا تحملنكم مخالفتي ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم، فيحل الله بكم من العذاب والنكال، نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم؛ من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين.
                    وقوله: (وما قوم لوط منكم ببعيد)، قيل معناه: في الزمان، أي: ما بالعهد من قدم؛ مما بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم، وقيل معناه: وما هم منكم ببعيد في المحلة الكبرى. وقيل: في الصفات والأفعال المستقبحات؛ من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات. والجمع بين هذه الأقوال ممكن؛ فإنهم لم يكونوا بعيدين لا زماناً ولا مكاناً ولا صفات.
                    ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال:
                    {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} (سورة هود:90)
                    أي: أقلعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إلي ربكم الرحيم الودود، فإنه من تاب إليه تاب عليه، فإنه (رحيم) بعباده، أرحم بهم من الوالدة بولدها، (ودود) وهو المجيب ولو بعد التوبة على عبده، ولو من الموبقات العظام.
                    {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً} (سورة هود:91)
                    روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا: كان ضرير البصر. وقد روي في حديث مرفوع: "أنه بكى من حب الله حتى عمي، فرد الله عليه بصره، وقال: يا شعيب أتبكي خوفاً من النار؟ أو من شوقك إلي الجنة؟ فقال: بلى من محبتك، فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي، فأوحى الله إليه: هنيئاً لك يا شعيب لقائي، فلذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي".
                    رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي، عن علي بن الحسن بن بندار، عن أبي عبد الله محمد بن إسحاق الرملي، عن هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن شداد بن أوس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. وهو غريب جداً، وقد ضعفه الخطيب البغدادي.
                    وقولهم:
                    {ولولا رهطك لرجمناك، وما أنت علينا بعزيزٍ} (سورة هود:91)
                    وهذا من كفرهم البليغ، وعنادهم الشنيع، حيث قالوا:
                    {وما نفقه كثيراً مما تقول} (سورة هود:91)
                    أي: ما نفهمه ولا نعقله، لأنا لا نحبه ولا نريده، وليس لنا همة إليه، ولا إقبال عليه. وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
                    {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا حجاب فاعمل إننا عاملون} (سورة فصلت:50)
                    وقولهم: (وإنا لنراك فينا ضعيفاً) أي: مضطهداً مهجوراً، (ولولا رهطك) أي: قبيلتك وعشيرتك فينا (لرجمناك وما أنت علينا بعزيز).
                    {قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله} (سورة هود:92)
                    أي: تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونني بسببهم، ولا تخافون جنب الله، ولا تراعوني لأني رسول الله؟ فصار رهطي أعز عليكم من الله
                    {واتخذتموه وراءكم ظهرياً} (سورة هود:92)
                    أي: جعلتم جانب الله وراء ظهوركم
                    {إن ربي بما تعلمون محيط} (سورة هود:92)
                    أي: هو عليم بما تعلمونه وما تصنعونه، محيط بذلك كله، وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه.
                    {ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل، سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب، وارتقبوا إني معكم رقيب} (سورة هود:93)
                    هذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد، بأن يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم، فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار، ومن يحل عليه الهلاك والبوار (من يأتيه عذاب يخزيه) أي: في هذه الحياة الدنيا (ويحل عليه عذاب مقيم) أي: في الآخرة (ومن هو كاذب) أي: مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر. (وارتقبوا إني معكم رقيب) هذا كقوله:
                    {وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين} (سورة الأعراف:87)
                    {قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} (سورة الأعراف:88ـ89)
                    طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلي ملتهم، فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه فقال: (أو لو كنا كارهين؟) أي: هؤلاء لا يعودون إليكم اختياراً، وإنما يعودون إليكم ـ إن عادوا ـ اضطراراً مكرهين؛ وذلك لأن الإيمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد، ولا يرتد أحد عنه، ولا محيد لأحد منه.
                    ولهذا قال:
                    {قد افترينا على الله كذبا إن عنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً على الله توكلنا} (سورة الأعراف:89)
                    أي: فهو كافينا، وهو العاصم لنا، وإليه ملجأنا في جميع أمرنا. ثم استفتح على قومه، واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال:
                    {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} (سورة الأعراف:89)
                    أي: الحاكمين، فدعا عليهم، والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون، وبه متلبسون:
                    {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون} (سورة الأعراف:90)
                    قال الله تعالى:
                    {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} (سورة الأعراف:91)
                    ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي: رجفت بهم أرضهم، وزلزلت زلزالاً شديداً أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جاثية؛ لا أرواح فيها، ولا حركات بها، ولا حواس لها.
                    وقد جمع الله عليهم أنواعاً من العقوبات، وصنوفاً من المثلات، وأشكالاً من البليات، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات، وسلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات، وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات، وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات.
                    ولكن تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها؛ في سياق قصة الأعراف أرجفوا بنبي الله وأصحابه، وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم، أو ليعودون في ملتهم راجعين. فقال تعالى:
                    {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} (سورة الأعراف:91)
                    فقابل الإرجاف بالرجفة، والإخافة بالخيفة، وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق.
                    وأما في سورة هود؛ فذكر أنهم أخذتهم الصيحة في ديارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص:
                    {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} (سورة هود:87)
                    فناسبان يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح، فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكتنهم.
                    [rainbow]
                    تحياتي


                    المراقب العام
                    :rose::rose::rose:
                    [/rainbow]

                    تعليق


                    • #40
                      وأما في سورة الشعراء؛ فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة، وكان ذلك إجابة لما طلبوا وتقريباً إلي ما إليه رغبوا، فإنهم قالوا:
                      {إنما أنت من المسحرين * وما أنت إلا بشر وإن نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين * قال ربي أعلم بما تعملون} (سورة الشعراء:185ـ188)
                      قال الله تعالى وهو السميع العليم:
                      {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} (سورة الشعراء: 189)
                      ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره: أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف. وإنما عمدتهم شيئان:
                      أحدهما: أنه قال:
                      {كذب أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب} (سورة الشعراء:176ـ177)
                      ولم يقول أخوهم، كما قال:
                      {وإلى مدين أخاهم شعيباً} (سورة الأعراف:85)
                      والثاني: أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة.
                      والجواب عن الأول: أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين) لأنه وصفهم بعبادة الأيكة، فلا يناسب ذكر الأخوة هاهنا، ولما نسبهم إلي القبيلة ساغ ذكر شعيب بأنه أخوهم. وهذا الفرق من النفائس العزيزة الشريفة.
                      وأما احتجاجهم بيوم الظلة؛ فإن كان دليلاً بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلاً على أنهما أمتان أخريان. فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام؛ من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام ابن سعد، عن شقيق بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: "إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام".
                      فإنه حديث غريب، وفي رجاله من تكلم فيه، والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو؛ مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم. ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان؛ فدل على أنهم أمة واحدة، أهلكوا بأنواع من العذاب، وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب.
                      وقوله:
                      {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} (سورة الشعراء: 189)
                      ذكروا أنهم أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلي البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة من السماء، فأرهقت الأرواح وخرجت الأشباح.
                      {فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين} (سورة الأعراف:91ـ92)
                      ونجى الله شعيباً ومن معه من المؤمنين، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين:
                      {ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن يغنوا فيها، ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود} (سورة هود:94ـ95)
                      وقال تعالى:
                      {قال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذا لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، الذين كذبوا شعبياً كانوا هم الخاسرين} (سورة الأعراف:90ـ92)
                      وهذا في مقابلة قولهم: (لأن اتبعتم شعيباً إنكم إذا لخاسرون). ثم ذكر تعالى عن نبيهم: أنه نعاهم إلي أنفسهم موبخاً ومؤنباً ومقرعاً، فقال تعالى:
                      {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم، فكيف آسى على قوم كافرين} (سورة الأعراف:93)
                      أي: أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا: (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم) أي: قد أديت ما كان واجباً على من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه، فلم ينفعكم ذلك؛ لأن الله لا يهدي من يضل، وما لهم من ناصرين، فلست أتأسف بعد هذا عليكم، لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة، ولا تخافون يوم الفضيحة.
                      ولهذا قال: (فكيف آسى) أي: أحزن (على قوم كافرين) أي: لا يقبلون الحق ولا يرجعون إليه ولا يلتفتون عليه، فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدفع ولا يمانع، ولا محيد لأحد أريد به عنه، ولا مناص عنه. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس: أن شعيباً عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام. وعن وهب بن منبه: أن شعيباً مات بمكة ومن معه من المؤمنين، وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني
                      [rainbow]
                      تحياتي


                      المراقب العام
                      :rose::rose::rose:
                      [/rainbow]

                      تعليق


                      • #41
                        قصة يونس عليه السلام



                        قال الله تعالى في سورة يونس:
                        {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلي حين} (سورة يونس:98)
                        وقال تعالى في سورة الأنبياء:
                        {وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين} (سورة الأنبياء:87ـ88)
                        وقال تعالى في سورة الصافات:
                        {وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلي الفلك المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلي يوم يبعثون * فنبذناه بالعراء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلي مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلي حين} (سورة الصافات:139ـ148)
                        وقال تعالى في سورة نون:
                        {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصحاب الحوت إذ نادى وهو مكظوم * لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم * فاجتباه ربه فجعله من الصالحين} (القلم:48ـ50)
                        قال علماء التفسير: بعث الله يونس ، عليه السلام ـ إلي أهل "نينوي" من أرض الموصل، فدعاهم إلي الله عز وجل، فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم، فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم، ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.
                        قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف: فلما خرج من بين ظهرانيهم، وتحققوا من نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة، وندموا على ما كان منهم إلي نبيهم، فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلي الله عز وجل، وصرخوا، وتضرعوا إليه، وتمسكنوا لديه، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات، وجأرت الأنعام والدواب والمواشي: فرغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغب الغنم وحملانها، وكانت ساعة عظيمة هائلة.
                        فكشف الله العظيم ـ بحوله وقوته ورأفته ورحمته ـ عنهم العذاب؛ الذي كان قد اتصل بهم سببه، ودار على رءوسهم كقطع الليل المظلم. ولهذا قال تعالى:
                        {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها} (سورة يونس:98)
                        أي: هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها، فدل على أنه لم يقع ذلك، بل كما قال تعالى:
                        {وما أرسلنا في قرية من نبي إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون} (سورة سبأ:34)
                        وقوله:
                        {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلي حين} (سورة يونس:98)
                        أي: آمنوا بكاملهم. وقد اختلف المفسرون: هل ينفعهم هذا الإيمان في الدار الآخرة، فينقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي؟ على قولين:
                        الأظهر من السياق: نعم، والله أعلم.
                        كما قال تعالى: (لما آمنوا) وقال تعالى:
                        {وأرسلناه إلي مائة ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلي حين} (سورة الصافات:147ـ148)
                        وهذا المتاع إلي حين لا ينفي أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي، والله أعلم. وقد كانوا مائة ألف لا محالة، واختلفوا في الزيادة، فعن مكحول عشرة آلاف،
                        وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية؛ حدثني أبي بن كعب، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله:
                        {وأرسلناه إلي مائة ألف أو يزيدون} (سورة الصافات:147)
                        قال: "يزيدون عشرين ألفا". فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلاً في هذا الباب
                        وعن ابن عباس: كانوا مائة ألف وثلاثين ألفاً، وعنه: وبضعة وثلاثين ألفاً، وعنه: وبضعة وأربعين ألفا. وقال سعيد بن جبير: كانوا مائة ألف وسبعين ألفاً. واختلفوا: هل كان إرساله إليهم قبل الحوت أو بعده؟ أو هما أمتان؟ على ثلاثة أقوال، هي مبسوطة في التفسير. والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضباً بسبب قومه، ركب سفينة في البحر فلجت بهم، واضطربت، وماجت بهم، وثقلت بما فيها، وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون.
                        وقالوا: فتشاوروا فيما بينهم على أن يقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتخففوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به، فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضاً، فشمر ليخلع ثيابه ويلقي بنفسه، فأبوا عليه ذلك، ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضاً، لما يريده الله به من الأمر العظيم.
                        قال الله تعالى:
                        {وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلي الفلك المشحون * فساهم فكان المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم} (سورة لصافات:139ـ143)
                        وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر، وبعث الله عز وجل حوتاً عظيماً من البحر الأخضر فالتقمه، وأمره الله تعالى ألا يأكل له لحماً، ولا يهشم له عظماً، فليس لك برزق، فأخذه فطاف به البحار كلها، وقيل: إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه.


                        قالوا: ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت، فإذا هو حي فخر لله ساجداً، وقال: يا رب اتخذت لك مسجداً في موضع لم يعبدك أحد في مثله. وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه؛ فقال مجالد عن الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية، وقال قتادة: مكث فيه ثلاثاً، وقال جعفر الصادق: سبعة أيام، ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت:
                        وأنت بفضل منك نجيت يونسا وقد بات في أضعاف حوت لياليا
                        وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك: مكث في جوفه أربعين يوماً، والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه.
                        [rainbow]
                        تحياتي


                        المراقب العام
                        :rose::rose::rose:
                        [/rainbow]

                        تعليق


                        • #42
                          والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به قرار البحار اللجية، ويقتحم به لجج الموج الأجاجي، فسمع تسبيح الحيتان للرحمن، وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السماوات السبع والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى. فعند ذلك وهنالك؛ قال ما قال بلسان الحال والمقال، كما أخبر عنه ذو العزة والجلال؛ الذي يعلم السر والنجوى، ويكشف الضر والبلوى، سامع الأصوات وإن ضعفت، وعالم الخفيات وإن دقت، ومجيب الدعوات وإن عظمت، حيث قال في كتابه المبين، المنزل على رسوله الأمين، وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين:
                          {وذا النون إذ ذهب} (سورة الأنبياء:87)
                          {مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين} (سورة القلم:48ـ50)
                          (فظن أن لن نقدر عليه) أن نضيق عليه، وقيل معناه: نقدر على التقدير وهي لغة مشهورة، قدر وقدر كما قال الشاعر:
                          فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت، وتقدر يكن، فلك الأمر
                          (فنادى في الظلمات) قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمونة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة الضحاك: ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل. وقال سالم بن أبي الجعد: ابتلع الحوت حوت آخر فصارت ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر.
                          وقوله تعالى:
                          {فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلي يوم يبعثون} (سورة الصافات:143ـ144)
                          قيل معناه: فلولا أنه سبح الله هنالك، وقال ما قال من التهليل والتسبيح، والاعتراف لله بالخضوع، والتوبة إليه والرجوع؛ للبث هنالك إلي يوم القيامة، ولبعث من جوف ذلك الحوت. هذا معنى ما روي عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه.
                          وقيل معناه: (فلولا أنه كان) من قبل أخذ الحوت له (من المسبحين) أي: المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيراً، قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير.
                          وشهد لهذا ما رواه الإمام احمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا غلام إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلي الله في الرخاء يعرفك في الشدة"
                          وروى ابن جرير في تفسيره، والبزار في مسنده من حديث محمد بن إسحاق، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلي الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحماً ولا تكسر له عظماً، فلما انتهى به إلي أسفل البحر سمع يونس حساً، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنا نسمع صوتاً ضعيفا بأرض غريبة! قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر، قالوا: العبد الصالح؛ الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل"
                          كما قال الله:
                          {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} (سورة الصفات:145)
                          هذا لفظ ابن جرير إسناداً ومتناً، ثم قال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد. كذا قال.
                          وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبو عبد الله احمد بن عبد الرحمن ابن أخي وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر، أن يزيد الرقاشي قال: سمعت أنس بن مالك، ولا أعلم إلا أن أنساً يرفع الحديث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فأقبلت هذه الدعوة تحت العرش فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة، فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس، قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوة مجابة؟ قالوا: يا ربنا أو لا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى: فأمر الحوت فطرحه في العراء". ورواه ابن جرير عن يونس عن وهب به
                          زاد أبي حاتم: قال أبو صخر حميد بن زياد، فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث، أن سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت الله عليه اليقطينة، قلنا: يا أبا هريرة وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدباء، قال أبو هريرة: وهيأ الله أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض، أو قال: هشاش الأرض، قال: فتفسخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت.
                          وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتاً من شعر:
                          فأنبت يقطينا عليه برحمةٍ من الله لولا الله أصبح ضاويا
                          وهذا غريب أيضاً من هذا الوجه، ويزيد الرقاشي ضعيف، ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم، كما يتقوى ذاك بهذا، والله أعلم. وقد قال الله تعالى: (فنبذناه) أي: ألقيناه (بالعراء) وهو المكان القفر الذي ليس فيه شيء من الأشجار، بل هو عار منها، (وهو سقيم) أي: ضعيف البدن، قال ابن مسعود: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش، وقال ابن عباس والسدي وابن زيد: كهيئة الصبي حين يولد وهو المنفوس عليه شيء. (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين) قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاووس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد: هو القرع. قال بعض العلماء: في إنبات القرع عليه حكم جمة، منها أن ورقة في غاية النعومة، وكثير وظليل، ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلي آخره، نياً ومطبوخاً، وبقشره وببذره أيضاً، وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك.
                          وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية، وتأتيه بكرة وعشية، وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه، ولهذا قال تعالى: (فاستجبنا له ونجيناه من الغم) أي: الكرب والضيق الذي كان فيه: (وكذلك ننجي المؤمنين) أي: وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا.
                          قال ابن جرير: حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد ابن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك ـ وهو ابن أبي وقاص ـ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اسم الله الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، دعوة يونس بن متى"، قال: فقلت يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: "هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى: (فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه به"
                          وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كثير ابن زيد، عن المطلب بن حنطب قال: قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب ـ يعني ابن سعد ـ عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دعا بدعاء يونس استجيب له"
                          قال أبو سعيد الأشج: يريد به: (وكذلك ننجي المؤمنين). وهذان طريقان عن سعد.
                          وثالث أحسن منهما، قال الإمام احمد: حدثنا إسماعيل بن عمير، حدثنا يونس ابن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد ـ وهو ابن أبي وقاص رضي الله عنه ـ قال: مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام، فأتيت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين؛ هل حدث في الإسلام شيء؟ قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، قال: فأرسل عمر إلي عثمان فدعاه فقال: ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال: ما فعلت، قال سعد: قلت: بلى، حتى حلف وحلفت.
                          قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، واستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفاً، وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا والله ما ذكرتها قط إلا تغشي بصري وقلبي غشاوة.
                          قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة، ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلي منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من هذا؟ أبو إسحاق" قال: قلت: نعم يا رسول الله، قال: "فمه؟" قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك، قال: "نعم، دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين). فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له".
                          ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به

                          [rainbow]
                          تحياتي


                          المراقب العام
                          :rose::rose::rose:
                          [/rainbow]

                          تعليق


                          • #43
                            سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

                            هو خاتم رسل الله وأنبيائه، وقد أرسله الله إلى الناس كافةً، برسالةٍ عامةٍ شاملةٍ.

                            قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40].

                            وقال تعالى خطاباً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28].

                            نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم:

                            هو سيدنا محمد، واسمه في الإِنجيل أحمد.

                            -1 ابن عبد الله، وهو أصغر أولاد عبد المطلب العشرة.

                            -2 ابن عبد المطَّلب - واسمه شيبة الحمد لأنه ولد وله شيبة - وإنما قيل له: عبد المطلب، لأن عمه المطَّلب أردفه خلفه وكان بهيئة رثة لفقره، فقيل له: من هذا؟ فقال: عبدي، حياء ممن سأله!!

                            -3 ابن هاشم - واسمه عمرو - وسمي هاشماً: لأنه خرج إلى الشام في مجاعة شديدة أصابت قريشاً، فاشترى دقيقاً وكعكاً، وقدم به مكة في الموسم، فهشم الخبز والكعك، ونحر جُزُراً وجعل ذلك ثريداً، وأطعم الناس حتى أشبعهم.

                            -4 ابن عبد مناف - واسمه المغيرة - وكان يقال له: قمر البطحاء لحسنه وجماله، ومناف: اسم صنم.

                            -5 ابن قصيّ - واسمه زيد - ولقب بقصي: لأنه أُبعد عن أهله ووطنه مع أمه بعد وفاة أبيه. ويقال له: مُجمّع لأن الله جمع به القبائل من قريش في مكة بعد تفرقها.

                            -6 ابن كلاب - واسمه حكيم، وقيل: عروة - ولُقِّب بكلاب: لأنه كان يكثر الصيد بالكلاب.

                            -7 ابن مُرّة وهو الجد السادس لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.

                            -8 ابن كعب وقد كان يجمع قومه يوم العروبة - أي: يوم الرحمة، وهو يوم الجمعة - فيعظهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وينبئهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه.

                            -9 ابن لؤي ولؤي تصغير لأي، وهو الثور الوحشي.

                            -10 ابن غالب.

                            -11 ابن فهر وكان كريماً يفتش عن ذوي الحاجات فيحسن إليهم، وفهر: اسم للحجر على مقدار ملء الكف.

                            -12 ابن مالك.

                            -13 ابن النَّضْر وهو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي، ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي. والنضر في اللغة: الذهب الأحمر. وقيل: قريش هو فهر بن مالك.

                            -14 ابن كنانة.

                            -15 ابن خزيمة.

                            -16 ابن مُدرِكة.

                            -17 ابن إلياس وكان في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه.

                            -18 ابن مُضَر وكان جميلاً لم يره أحد إلاَّ أحبه، وله حِكَمٌ مأثورةٌ. والمضر في اللغة: الأبيض. ومضر من ولد إسماعيل باتفاق جميع أهل النسب.

                            -19 ابن نِزار وكان أجمل أهل زمانه، وأرجحهم عقلاً. ونزار في اللغة مأخوذة من النزارة، وهي القلة.

                            -20 ابن مَعَدّ وقد كان صاحب حروب وغارات، ولم يحارب أحداً إلاَّ رجع بالنصر. ومعدُّ: مأخوذ من تمعدد، إذا اشتد وقوي.

                            -21 ابن عدنان.

                            وعند عدنان يقف ما صحَّ من سلسلة نسب الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ نسبه الكريم إلى عدنان قال: من ههنا كذب النسّابون.

                            وكل هؤلاء الجدود سادة في قومهم، قادةً أطهاراً، ونسب الرسول صلى الله عليه وسلم أشرف الأنساب.

                            ولا يختلف النسّابون في نسب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى عدنان، وإنما اختلفوا من عدنان إلى إسماعيل، ومن المجمع عليه - الحقّ الذي لا ريب فيه -: أن نسبه عليه الصلاة والسلام ينتهي إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

                            وأمه صلى لله عليه وسلم: هي آمنة بنت وهبٍ بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.. وهكذا حتى آخر سلسلة نسب الرسول صلوات الله عليه، فتجتمع هي وزوجها عبد الله في كلاب.

                            ورسول الله صلى الله عليه وسلم خيار من خيار من خيار.

                            فعن العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثمّ تخيَّر القبائل فجعلني من خير قبيلةٍ، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً".

                            وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".

                            حياته صلى الله عليه وسلم:

                            -1 ولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين (9) من شهر ربيع الأول عام الفيل، وذلك حوالي سنة (570م)، أي قبل الهجرة بنحو (53) سنة.

                            -2 وتزوج بخديجة لما بلغ من العمر (25) سنة.

                            -3 وأوحى الله إليه لما بلغ عمره أربعين سنة، وذلك حوالي سنة (610م).

                            -4 وأمره الله بتبليغ ما أُنزل إليه بعد نحو ثلاث سنين من نبوته، فقام يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولبث يدعو إلى الله في مكة وما حولها نحواً من عشر سنين بعد بعثته، حتى أذن الله له بالهجرة إلى يثرب (المدينة المنورة).

                            -5 فهاجر إليها وجعلها مركز دعوته، وعاصمة دولته الدينية، دولة الإِسلام، وكان ذلك في 12 من ربيع الأول للسنة الأولى من حساب السنوات الهجرية، التي يوافق أولها (16 تموز 622م).

                            -6 ولما أكمل الله للناس دينهم، وأتم عليهم نعمته، وأدى رسوله محمد صلوات الله عليه الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وفتح الله عليه بالنصر المبين، اصطفاه الله فقبض روحه، وكان ذلك في يوم الاثنين 12 من ربيع الأول لسنة 11 من الهجرة، الموافق (7 حزيران 632م). هذا ما عليه الجمهور، واستشكل كونه يومَ الاثنين إذ كان يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة باتفاق فلا يكون الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين، وعليه فإمّا أن يكون الخطأ في تعيين اليوم، أو في تحديد التاريخ.

                            -7 وأما سيرته وغزواته وسائر ما يتعلق بحياته فمبسوطة محققة في كتب السيرة النبوية، وقد تعرض القرآن الكريم إلى القسم الأعظم من حياته صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة، والعقيدة الإِسلامية التي نحن بصدد البحث فيها بأصولها وفروعها، هي الفلسفة الكاملة للجانب الإِيماني الإعتقادي مما جاءنا به هذا الرسول العظيم.



                            المسيح عيسى بن مريم عليه السلام

                            هو آخر رسل بني إسرائيل عليهم السلام جميعاً، وقد ذكره الله في عداد مجموعة الرسل الذين قصّ علينا قصصهم. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6].

                            الكلام في اسمه ولقبه وصفته:

                            اسمه في القرآن الكريم: عيسى. ولقبه المسيح. وكنيته: ابن مريم. وصفته: عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.

                            واسمه بالعبرية يسوع (يشوع) أي: المخلِّص، إشارة إلى أنه عليه السلام سبب لتخليص كثيرين من ضلالاتهم.

                            نسبه عليه السلام:

                            هو عيسى ابن مريم بنت عمران، ويتصل نسب عمران بداود عليه السلام، فعيسى عليه السلام من سبط (يهوذا). والله أعلم.
                            [rainbow]
                            تحياتي


                            المراقب العام
                            :rose::rose::rose:
                            [/rainbow]

                            تعليق


                            • #44
                              مشكور يا غالي

                              تعليق


                              • #45
                                لآ إله إلآ الله ~» شكراً ع الموضوع وبآرك الله فيكم

                                تعليق

                                مواضيع ذات علاقة

                                تقليص

                                المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                                أنشئ بواسطة HaMooooDi, 05-17-2018, 02:18 PM
                                ردود 0
                                15 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة HaMooooDi
                                بواسطة HaMooooDi
                                 
                                أنشئ بواسطة HaMooooDi, 05-15-2018, 10:36 PM
                                ردود 0
                                13 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة HaMooooDi
                                بواسطة HaMooooDi
                                 
                                أنشئ بواسطة HaMooooDi, 05-14-2018, 02:18 PM
                                ردود 0
                                13 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة HaMooooDi
                                بواسطة HaMooooDi
                                 
                                أنشئ بواسطة HaMooooDi, 05-13-2018, 04:21 PM
                                ردود 0
                                10 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة HaMooooDi
                                بواسطة HaMooooDi
                                 
                                أنشئ بواسطة HaMooooDi, 05-13-2018, 04:19 PM
                                ردود 0
                                8 مشاهدات
                                0 معجبون
                                آخر مشاركة HaMooooDi
                                بواسطة HaMooooDi
                                 
                                يعمل...
                                X