الجودة

مواصفة المسؤولية المجتمعية والمشكلات البيئية

المواصفة الإجتماعية SA 8000

لقد أصبح مفهوم البيئة معقداً لدرجة كبيرة بسبب ارتباطها الوثيق والمستحدث بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية، وخرجت عن مفهومها البسيط الذي عرفه وأدركه الإنسان الأول، ولا يمكن النظر إليها بحال من الأحوال بمعزل عن الممارسات والتأثيرات الحديثة التي أفرزتها الحضارة المعاصرة, بل ينبغي أن ينظر إليها كمفهوم يتسم بالشمولية التي لا تقبل التجزئة.

ويواجه المجتمع في عصرنا الحاضر عديدا من التحديات البيئية الضخمة التي يتنادى العالم أجمع للتعاون في حلها كاستنزاف الموارد الطبيعية والتلوث والتغير المناخي وتدمير البيئات الطبيعية، وانقراض كثير من الفصائل الحيوانية التي أدت إلى تهديد الأمن البشري، والتأثير في صحة ورفاهية المجتمعات البشرية، وتحييد مبدأ التنمية المستدامة.

إن المسؤولية المجتمعية هي المساهمة في التنمية المستدامة من خلال دعم النمو الاقتصادي وتحقيق التقدم الاجتماعي، وكذلك الإسهام في حماية البيئة من خلال قيام الدول والمنظمات بجميع أحجامها وتوجهاتها ومواقعها بدورها في حماية البيئة، حيث إن للمنشآت تأثيرات سلبية واضحة في البيئة سواء بسبب استخدامها الموارد الطبيعية أو بسبب توليد التلوث والنفايات أو بسبب الآثار الناتجة عن نشاطاتها من منتجات أو خدمات في البيئة الطبيعية وبالتالي فإنه يترتب عليها مزيد من المسؤوليات تجاه منع وتقليل تلك الآثار من خلال تبني منهج متكامل في هذا الشأن. ولهذا فإن المواصفة القياسية للمسؤولية المجتمعية آيزو26000 التي قامت بإعدادها منظمة التقييس العالمية أدخلت بندا خاصا بموضوع البيئة كأحد الموضوعات الرئيسة للمسؤولية المجتمعية, وهو البند السادس, وبينت من خلاله قضايا البيئة الرئيسة الأربع، والمهام الرئيسة التي ينبغي على المنشآت تبنيها وتنفيذها، أختصرها للقارئ الكريم فيما يلي:

أولاً: منع التلوث, وهو أهمها وأوضحها تأثيرا في البيئة. لذا فإن المنشآت يمكن تطوير أدائها البيئي بمنع التلوث بجميع صوره التي تشتمل على ما يلي:

ـ منع وتقليل انبعاثات الغازات المضرة في الهواء مثل الرصاص، والزئبق، والمكونات العضوية المتطايرة، وثاني أكسيد الكبريت، وثاني أكسيد النيتروجين، والمواد التي تسبب تآكل طبقة الأوزون. وهذه الانبعاثات قد تنشأ مباشرة عن طريق مباني المنشأة أو بطريقة غير مباشرة عن طريق استخدام منتجات وخدمات المنشأة أو عن طريق الكهرباء التي تستهلكها.

ـ تجنب رمي المخلفات والنفايات التي تتسبب أنشطة المنشأة وخدماتها في إحداثها سواءً كانت سائلة أو صلبة، واتباع وسائل تقليلها من خلال تقليل المصدر أو إعادة الاستخدام أو إعادة التدوير أو المعالجة والتخلص منها.

ـ الامتناع عن استخدام الكيماويات السامة .

ـ ويتبع ذلك منع مظاهر التلوث الأخرى التي ربما تتسبب فيها المنشأة وأنشطتها ومنتجاتها, والتي تؤثر بشكل سلبي في صحة ورفاهية المجتمعات, ويتضمن ذلك الضوضاء والتلوث المتعلق بالشم والتلوث البصري والتلوث الموجي والإشعاعي والعوامل الملوثة الفيروسية والبكتيرية والانبعاثات غير المصدرية والأضرار البيولوجية.

ثانياً: الاستخدام المستدام للموارد

للتأكد من إتاحة الموارد في المستقبل، فإن الأشكال الحالية للاستهلاك والإنتاج تحتاج إلى التغيير لتحقق الاستخدام المستدام للموارد, لذا فإن المنشآت ينبغي عليها أن تتبع منهجية الاستدامة في الموارد من خلال ترشيد استخدام الكهرباء والوقود أو المواد الخام والمياه بطريقة أكثر مسؤولية, وهناك ثلاثة مجالات رئيسة للتنمية الفاعلة في هذا المجال, هي كالتالي:

* فاعلية وكفاءة الطاقة: يمكن أن تنفذ المنشأة برامج ذات فاعلية في الطاقة لتقليل الطاقة اللازمة للمباني والنقل وعمليات الإنتاج والمعدات والتطبيقات الإلكترونية وتقديم الخدمات.

* المحافظة على المياه: يمكن أن تحافظ المنشأة على المياه وأن تتخذ قرارات تحمي الحصول العادل والمستدام لمصادر المياه العذبة، بما في ذلك توفير مياه الشرب الآمنة والموثوق بها وخدمات التطهير, حيث يعد ذلك من الاحتياجات الأساسية للإنسان ومن الحقوق الرئيسة له.

* كفاءة المواد: يمكن أن تطبق المنشأة برامج خاصة بكفاءة المواد لتقليل العبء البيئي، عن طريق استخدام المواد الخام ذات الكفاءة البيئية لعمليات الإنتاج أو للمنتجات المكتملة المستخدمة في أنشطتها أو في توصيل خدماتها.

ثالثاً: التخفيف من حدة التغير المناخي

من المعلوم أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري جراء الأنشطة البشرية مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان، هي من المسببات الرئيسة للتغير المناخي العالمي ذي التأثيرات الجوهرية في البيئة الطبيعية والبشرية. ومن الاتجاهات الملاحظة والمتوقعة: ارتفاع درجات الحرارة، تغييرات في كميات الأمطار، وقوع أحداث مناخية شديدة بشكل أكثر تكرارية، ارتفاع مستويات البحر، وكذلك التغير في الأنظمة البيئية. ومن المتوقع أن التغير المناخي ربما يصل إلي حد تكون فيه هذه التغيرات عنيفة ومن الصعب مواجهتها. ونظراً لتأثر جميع المنشآت بطريقة أو بأخرى بالتغير المناخي وجب عليها تحمل المسؤولية عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. ولكل منشأة أدوار ضمنية فيما يتعلق بتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الخاصة بها بالتخفيف منها, إضافة إلي التخطيط للتغير المناخي وهو ما يسمى التكيف الذي له أشكال ضمنية اجتماعية مثل التحسين في الصحة العامة والمساهمة في رخاء الإنسان وحصوله على حقوقه.

رابعاً: حماية واستعادة البيئة الطبيعية

خلال الـ 50 عاما الماضية تسبب النشاط البشري في تغير الأنظمة البيئية بشكل واضح وسريع ومكثف, وذلك مقارنة بأي فترة مماثلة في التاريخ, حيث إن الطلب المتزايد على الموارد الطبيعية نتجت عنه خسارة جوهرية وغير قابلة للاسترداد للتنوع الحيوي على الأرض. ولذا فإن المنشآت ذات المسؤولية المجتمعية تقوم بحماية واستعادة البيئة الطبيعية وأنظمتها البيئية، مع قيامها بتوفير الخدمات مثل الغذاء والمياه .. إلخ. وأبرز السمات الرئيسة لهذه القضية هي كما يلي:

* اتباع وحماية واستعادة الأنظمة البيئية.

* حماية التنوع الحيوي لضمان بقاء الأنواع البرية والمائية والتنوع الجيني والأنظمة البيئية الطبيعية.

* استخدام الأراضي والموارد الطبيعية بطريقة مستدامة.

* دفع عجلة التنمية الحضرية والريفية ويمكن أن يرتبط ذلك بالتخطيط الحضري أو البناء والتشييد أو أنظمة النقل أو إدارة الصرف الصحي أو التقنيات الزراعية المطبقة.

ولا شك عزيزي القاري أن الإنسان وراء كل هذه المخاطر البيئية الخطيرة، وأخبر الله – سبحانه وتعالى – بذلك في سورة الروم: ”ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس”، ولا يمكن إزالة هذه المخاطر أو التقليل منها إلا بقيام الجميع دولاً ومنظمات وأفرادا باحترام وتعزيز ونشر المبادئ البيئية التالية: المسؤولية البيئية، واتباع المنهجية الوقائية للتحديات البيئية، وإدارة المخاطر البيئية، وبذلك يحقق الإنسان جزءا من وصية الله تعالى للبشرية في قوله: ”ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى