منظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب الفلسطينية بحث كامل وشامل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • منظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب الفلسطينية بحث كامل وشامل


    منظمة التحرير الفلسطينية
    الأحزاب والفصائل الفلسطينية



    مقدمـــة الـبـحــث


    منذ اللحظات الأولى لهجرة الفلسطيني عن أرض الوطن، ونزوحه إلى البلاد العربية، والجزء المتبقي من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية)، انبرى يدافع عنها، على الصعوبات، التي كانت تواجهه، مستخدماً كافة الطرائق والوسائل.

    اتخذت العمليات الفدائية صورة هجمات فردية متواصلة، داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بهدف مقاومة المحتل الغازي. واستمر العمل الفدائي الفلسطيني، بل ازداد مع مطلع الستينيات، حين أقيمت معسكرات لتدريب الفدائيين الفلسطينيين، في بعض الدول العربية، مثل: سورية، لبنان، الجزائر، مصر؛ وأصبح هؤلاء المتدربون النواة النضالية الفلسطينية.

    لقد أسهم الكفاح المسلح بدور رئيسي وحاسم، في انبعاث الحركة الوطنية المستقلة للشعب الفلسطيني، وإحياء شخصيته الوطنية. واقترنت اليقظة المتجددة للوعي الوطني الفلسطيني، والنهضة المعاصرة للثورة الفلسطينية، بانطلاق حركة المقاومة المسلحة، التي سرعان ما رسخت جذورها في أعماق الجماهير الشعبية الفلسطينية، واضطلعت بدور مهم في تنظيمها وتعبئتها وتسليحها، وتمكينها من حمْل قضيتها الوطنية بأيديها، والمشاركة في المعركة مشاركة مستقلة. وأصبح الفدائي رمزاً، تلتف حوله جماهير الشعب الفلسطيني، في كلِّ مكان؛ وترى فيه تعبيراً عن خصوصيتها وانتمائها الوطني وهويتها المستقلة.

    كان عام 1964 نقطة تحوّل في تاريخ فلسطين، من الناحيتَين: السياسية والعسكرية؛ إذ انعقد المؤتمر الفلسطيني الأول، في القدس، معلناً قيام منظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة أحمد الشقيري. أذكى هذا الإعلان شعور الفلسطينيين القومي، فشرعوا يحملون السلاح؛ وازدادت عملياتهم المسلحة، بعد إعلان حركة "فتح" أول بلاغاتها العسكرية في الأول من يناير 1965.

    لم يكن انطلاق الثورة الفلسطينية أمراً مُرتجَلاً، وإنما تمخضت به معاناة طويلة وتضحيات متواصلة، تراكمت حتى تفجرت في الأول من يناير 1965. وتمتد جذوره إلى ثورة القدس، عام 1920؛ وثورة يافا، عام 1921؛ مروراً بثورة البراق، عام 1929؛ وانتفاضة عز الدين القسام، التي أشعلت الثورة الكبرى في فلسطين، عام 1936.

    وتمثّل منظمة التحرير الفلسطينية إحدى حركات التحرر الوطني المعاصرة، ورمزاً للإصرار والثبات؛ إذ إنها نشأت خارج أرضها المحتلة؛ ما جعلها فريدة متميزة، بين حركات التحرر الوطني، في الوطن العربي خاصةً، والعالم عامةً.

    وإذا كانت المنظمة قد نشأت بجهود عربية حكومية، فإن تولِّي قيادتها، عام 1968، قد طور أساليبها وتنظيمها ومسيرتها؛ ما حقق للتنظيمات الشعبية، والفصائل والأحزاب الفلسطينية، دفعة قوية، أثرت حتى في مسيرتها، التي تعرضت في مراحلها المختلفة لظروف مد وجزر تستحق الدراسة.

    اضطلعت منظمة التحرير الفلسطينية بالنضال، منذ نشأتها وحتى كفاحها السياسي الراهن، في مواجهة التعنت الإسرائيلي، المناهض للسلام العادل والشامل. وهي تمثّل شعباً عربياً، احتلت أرضه، فطفق يقاوم ويناضل من أجل استعادتها، حتى استطاع، في الثمانينيات من القرن العشرين، أن يفرض، بانتفاضة الحجارة، قضيته على العالم أجمع؛ ويحمل عدوّه على الاعتراف بها ممثلاً للشعب الفلسطيني

  • #2

    الفصل الأول
    الحركة الوطنية الفلسطينية

    المبحث الأول
    خلفية تاريخية ، القرارت والتأسيس




    خلفية تاريخية (1948 - 1964)

    يكمن جوهر المشكلة الفلسطينية في قضية شعب، ومصير وطن. والغزو التدريجي، والاستيلاء المستمر على بلاد بأسْرها، بالقوة العسكرية، قضيا على المجتمع الفلسطيني الآهل بأبنائه، من العرب، المسلمين والمسيحيين؛ واستبدلا به مجتمعاً من اليهود المنقولين، في كيان سياسي أجنبي، سلب أكثرية السكان الأصليين ممتلكاتهم، وشرد المتبقين منهم وأخضعهم لاستعمار استيطاني.

    وفقد الشعب الفلسطيني، إثر حرب 1948، واقعه المجتمعي؛ بسبب تشتته الجغرافي. وفقد انتماءه العملي إلى وطنه وقيمه المجتمعية. وفقد هويته، الحضارية والقومية؛ فأصبح عاجزاً عن التعبير عنها. كما فقد صفة المواطنة وحقوقها وواجباتها؛ إذ أمسى بلا جنسية، ولا دولة.

    1. فقْد الأراضي الفلسطينية هويتها التاريخية
    لم تحتفظ الأجزاء، التي احتلتها إسرائيل، بمدلول التسمية الفلسطينية. وأصبح قطاع غزة تابعاً لسلطة الحاكم العسكري المصري، ثم للحاكم الإداري المصري. وأصبحت الضفة الغربية جزءاً من المملكة الأردنية الهاشمية.

    2. التبعثر الجغرافي للشعب الفلسطيني
    لجأ الفلسطينيون إلى الأقطار العربية المختلفة، بل إلى العالم كله، حيث تنازعتهم التيارات الفكرية المتباينة؛ وافتقدوا الوحدة التنظيمية، والمؤسسات السياسية، القادرة على التنظيم والقيادة، والتي كان يمْكنها أن تمثِّل إرادتهم السياسية المستقلة، والموحدة. واضطر مليون فلسطيني إلى التبعثر في فلسطين وحولها، حيث بقي 156 ألفاً في الأراضي المحتلة، واستقر 360 ألفاً بالضفة الغربية، و200 ألف بقطاع غزة، ولجأ 82 ألفاً إلى سورية، 104 آلاف إلى لبنان، و110 آلاف إلى شرق الأردن، وتفرق 12 ألفاً في باقي الأقطار العربية، وبعض البلدان الأجنبية.

    3. تحوّل قضية فلسطين
    تحولت القضية من قضية شعب اغتصب وطنه، وله حقوقه، التاريخية والقومية، إلى قضية لاجئين، المطلوب إغاثتهم، لتأمين استمرار حياتهم، وإيجاد العمل والمأوى لهم. وسعت إسرائيل إلى إدماجهم في المجتمعات العربية المجاورة لها؛ لطمس هويتهم، والعمل على توطينهم بها؛ وذلك من خلال الدعوة إلى مشروعات، اقترحها الرئيس الأمريكي، أيزنهاور، للتنمية الاقتصادية للشرق الأوسط، بقصد توطين اللاجئين الفلسطينيين.

    وحافظت مصر على الهوية الفلسطينية. وأصدرت وثائق سفر للفلسطينيين. ولم تسعَ إلى ضم قطاع غزة، ولا هي سعت إلى تمثيل الشعب الفلسطيني. وحمل الفلسطينيون، في إسرائيل، هويتها. ومنحت سورية اللاجئين إليها منهم كثيراً من حقوق المواطنة. أمّا الأردن، فقد ضم إليه الضفة الغربية، بل جهد في أن يكون هو نفسه ممثلاً للفلسطينيين. وتميزت السنوات الأولى التالية لحرب فلسطين، بخمود مؤقت لنضال الفلسطينيين؛ واستقراء جديد لِقيمهم، السياسية والأيديولوجية؛ وإمعانهم في فهْم أسباب الكارثة الوطنية وحجمها.

    اندمج الفلسطينيون الأغنى، والأكثر تعلماً، في اقتصاديات البلاد، التي يقيمون بها وفي حياتها السياسية، وخاصة في الأردن ولبنان وسورية والعراق والمملكة العربية السعودية والكويت ومصر وليبيا. فلم يكوِّنوا حياة اقتصادية خاصة، ومتميزة ومستقلة، في مجتمعاتهم الجديدة، لافتقادهم الحركة الوطنية، والبرنامج الفلسطيني الخاص، والهوية الفلسطينية بخاصة، مستعيضين منها، نفسياً ومادياً، بالهوية العربية القومية.

    4. "الهيئة العربية العليا لفلسطين"
    لم يحمل الفلسطينيون إلى الشتات مؤسساتهم السياسية، من أحزاب ومنظمات، كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني. ولم تشهد الأعوام، التي أعقبت عام 1948، أنشطة ملحوظة، باستثناء حرص الهيئة العربية العليا على بعض الصلات بأبناء الشعب الفلسطيني، وبعض العلاقات بعدد من الدول، العربية والإسلامية. أنشأ هذه الهيئة مجلس جامعة الدول العربية، إبّان اجتماع ملوك الدول العربية ورؤسائها، في أنشاص، في مصر، في 27- و28 مايو 1946، والذي قرروا فيه التمسك باستقلال فلسطين وصيانة عروبتها، ووجوب تأليف هيئة، تمثِّل الفلسطينيين، وتنطق باسمهم؛ ووكلوا تنفيذه إلى مجلس الجامعة. فاوضت الجامعة العربية فيه ممثلي الأحزاب والمنظمات الفلسطينية؛ واتُّفق على تكوين "الهيئة العربية العليا لفلسطين" في 11 يونيه 1946، برئاسة مفتى فلسطين، الحاج محمد أمين الحسيني، الذي تولى قيادتها من مكتب رئيسي في القاهرة؛ لصدور قرار عن الحكومة البريطانية، يمنعه من دخول فلسطين، وأنشئ مكتب للهيئة في القدس، ومكاتب أخرى في دمشق وبيروت وبغداد ولندن وباريس ونيويورك، واعترف بها جميع الأحزاب والهيئات الفلسطينية، والدول العربية. وأُنشئت عدة لجان ودوائر للهيئة، منها دائرة للدعاية والنشر.

    5. "حكومة عموم فلسطين"
    سرعان ما غرق العرب في خلافاتهم، التي استشرت، في 16 سبتمبر 1948، حينما أعلن تقرير الكونت برنادوت، أنهم لم يُبدوا أي رغبة في إنشاء حكومة، في القسم العربي من فلسطين؛ لذلك، فإن ضمّه إلى شرق الأردن قابل للتنفيذ. عندئذٍ نشطت الهيئة العربية العليا، وهب الحاج أمين الحسيني يتدبر الأمر، وبادر جمال الحسيني إلى جولة في البلاد العربية، ومنها الأردن؛ للحصول على موافقة حكوماتها على إنشاء حكومة فلسطينية. واجتمعت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية، وأقرت إنشاء تلك الحكومة؛ وحددت يوم 23 سبتمبر 1948 موعداً لإعلان أسماء رئيسها وأعضائها، ومباشرة أعمالها.

    استاءت الحكومة الأردنية. وعجل الملك عبدالله إلى اتصالات سريعة بالملوك والرؤساء العرب، معترضاً على إنشاء الحكومة الفلسطينية. ورفع حزب الدفاع، ومعارضو الحاج أمين الحسيني اعتراضهم عليها إلى جامعة الدول العربية. وهدد الملك الأردني بالانسحاب من الجامعة، إنْ أنشئت هذه الحكومة؛ لأنها عمل غير سليم، يحقق رغبات بعض الدول العربية. وعلى الرغم من إيفاد الجامعة العربية السيد رياض الصلح إلى عمّان، لإقناعه، فإنها اضطرت إلى تعديل قرارها؛ إذ ارتأت إنشاء حكومة فلسطينية، وقصرته على أهالي فلسطين أنفسهم؛ وحصرت مهمة الدول العربية في الاعتراف بتلك الحكومة ودعمها، مادياً وأدبياً ومعنوياً.

    وفي اليوم المحدد، 23 سبتمبر 1948، أعلنت الهيئة العربية العليا إنشاء "حكومة عموم فلسطين"، ومركزها في مدينة غزة، مؤقتاً. ويرأسها أحمد حلمي عبدالباقي، وعضوية كلٍّ من: جمال الحسيني، ورجائي الحسيني، وعوني عبدالهادي، والدكتور حسين فخري الخالدي، وعلي حسنا، وميشيل أبيكاريويس، ويوسف صهيون، وأمين عقل.

    وتألف مجلس وطني (برلمان)، من رؤساء بلديات، ومجالس محلية وقروية، ورؤساء اللجان القومية، والأحزاب، والغرف التجارية، والهيئات الشعبية، والنقابات، وعدد من الزعماء المحليين. وعقد أول اجتماعاته في غزة، في الأول من أكتوبر 1948، حينما أعلن استقلال فلسطين، بحدودها الدولية، في دولة ديموقراطية، ذات سيادة؛ وأقر دستوراً من 18 مادة؛ ومنح للحكومة الفلسطينية ثقته. وعُقد مؤتمر، في اليوم نفسه، في عمّان، برئاسة الشيخ سليمان التاجي الفاروقي، أحد معارضي المفتي الحاج أمين الحسيني؛ قرر عدم الموافقة على "حكومة عموم فلسطين"، وأبرق بمعارضتها إلى جامعة الدول العربية. ثم أقر أن الملك عبدالله بن الحسين، هو الممثل لشعب فلسطين.

    وشغل رئيس الحكومة، أحمد حلمي، حتى وفاته، عام 1963، مقعد مراقب في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، ممثلاً لفلسطين، وفق ترتيب خاص، وضعته الجامعة. كما بقي للهيئة ممثل، يحضر اجتماعات اللجنة السياسية للجمعية العامة للأمم المتحدة، بوصفه ممثلاً للاجئين الفلسطينيين؛ حين تناقش اللجنة تقرير المفوض العام لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم. إلا أن الحماس، الذي أبدته الدول العربية تجاه "حكومة عموم فلسطين"، أخذ يتلاشى، تدريجياً، فامتنعت الجامعة العربية، فيما بعد، عن دعوة الحكومة لحضور اجتماعات مجلس الجامعة؛ كما امتنعت الحكومة المصرية عن السماح لهذه الحكومة بممارسة أنشطتها في قطاع غزة.

    6. إعلان الوحدة بين الضفة الغربية والأردن
    وفي الثاني من أكتوبر 1948، اتخذ الملك عبدالله قراراً، مع حكومته، دون إعلانه، يضم بموجبه القسم الذي كان خارج الاحتلال الصهيوني، الخاضع لسيطرة القوات الأردنية والعراقية، إلى مملكته؛ لتشمل: القدس القديمة، وحي الشيخ جراح في القدس الجديدة؛ والمناطق الواقعة شرق السور من القدس، وتضم مستشفى فكتوريا، ومستشفى هداسا، والجامعة العبرية، وبيت لحم والخليل، وبيت جالا، وبيت ساحور، وأريحا، ورام الله، ومطار القدس، وبيت حنينا، وبئر زيت، ونابلس، وجنين، وطولكرم، ويعبد، وطوباس، وقلقيلية، وما يتبعها من القرى، التي لم تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي. وكذلك قرى: عارة، وعرعرة، وكفر قرع، وهي من مناطق حيفا. وكان لا بدّ للملك عبدالله من تأمين حماية هذه المناطق من مملكته، وهو لا يملك جيشاً، يكفي لحمايتها، بعد أن أصبح للإسرائيليين دولة، ويملكون قوة هائلة من مختلف أنواع الأسلحة، وجيشاً كبيراً، لا قدرة لجيشه عليه. فاتصل بالحكومة البريطانية، وأبلغها رغبته، وما اتخذه من قرار، وطالبها بالموافقة على شمول المعاهدة الأردنية - البريطانية، التي تلزم بريطانيا بالدفاع عن الأردن، في حالة وقوع خطر عليه. لكن البريطانيين، أجابوه بأن هذا لا يتفق مع القوانين الدولية؛ فضلاً عن أن قرار هيئة الأمم المتحدة، القاضي بتقسيم فلسطين، لم ينص، صراحة، على ضم القسم العربي من فلسطين إلى الأردن. وإذ ا ما أريد أن تشمله المعاهدة البريطانية، فيجب أن يسبق ذلك قرار صادر عن أهالي فلسطين، وبرغبتهم، يطالبون فيه، ويقررون ضم منطقتهم إلى الأردن؛ لأنهم هم أصحاب البلاد

    7، مؤتمر أريحا
    في الأول من ديسمبر 1948، وتحت إشراف الحاكم العسكري الأردني العام، عمر باشا مطر، عقد مؤتمر شعبي، في فندق "نزال"، برئاسة الشيخ محمد علي الجعبري، رئيس بلدية الخليل. وانتخب عيسى البندك، من زعماء بيت لحم، سكرتيراً للمؤتمر. وأشرفت عليه لجنة تحضيرية، انبثقت من مؤتمر شعبي مماثل، سبق أن عقد في سينما البتراء، في عمّان، في الأول من أكتوبر 1948، حضره نحو مائتَي شخص من وجهاء فلسطين، اتخذوا موقف المعارضة، وحاولوا التأجيل؛ إلا أن الشيخ محمد علي الجعبري، الذي كان قد أحضر معه من الخليل أكثر من مائتَي شخص مسلح من جماعته، منعوهم من الاعتراض. وقاطع المؤتمر معظم زعماء المجلسَين، وعدد من كبار زعماء المعارضة.

    واتخذ المؤتمر قراراً، يقضى بوحدة الضفة الغربية والضفة الشرقية (الأردن)، تحت ظل العرش الهاشمي. وعرّض الشيخ الجعبري، في خطابه، بالدول العربية؛ إذ قال: نحن لا يمثلنا إلا الملك عبدالله. ونعلن مبايعتنا له، ونستنكر إقامة حكومة عموم فلسطين، في غزة؛ وهي لا تمثلنا. وتشكل وفد من المؤتمرين، برئاسة الشيخ محمد علي الجعبري، توجه إلى عمّان، حيث قدم قرارات المؤتمر إلى الملك عبدالله. وأرسل نسخاً منها إلى جامعة الدول العربية.

    وقال الملك عبدالله للوفد: "لقد حمّلتموني حملاً ثقيلاً. وإنني سأبذل جهدي في سبيل أداء هذه الأمانة". ثم أصدر مجلس الوزراء الأردني، برئاسة توفيق أبو الهدى، بلاغاً، جاء فيه: "إن الحكومة الأردنية، تقدر حق التقدير رغبة سكان فلسطين المحتلة، في مؤتمر أريحا، فيما يتعلق بوحدة البلدَين الشقيقَين: شرق الأردن وفلسطين. وهي رغبة متفقة تماماً مع رغبات الحكومة الأردنية. وستبادر إلى اتخاذ الإجراءات الدستورية لتحقيقها".

    ثارت ثائرة الهيئة العربية العليا، وكلِّ من مصر وسورية. وصدرت بيانات مناوئة للمؤتمر والمؤتمرين، وللملك عبدالله وحكومته. وقال عبدالرحمن عزام باشا، أمين عام جامعة الدول العربية، إن المؤتمرين في أريحا، لا يمثلون حتى أنفسهم؛ لأنهم دمى، حركهم الملك عبدالله. وإن عملهم هذا، ما هو إلا للمزيد من الفرقة بين الأشقاء العرب، وخدمة للعدو. وأصدرت هيئة العلماء في الجامع الأزهر، في القاهرة، بياناً (فتوى)، فحواه أن المؤتمرين في أريحا، خرقوا العهد. وهم لا يمثلون الأمة. ونددت الجرائد والإذاعات العربية بالأردن، ملكاً وحكومة، وبالجعبري ورفاقه في أريحا.

    عندئذٍ، حاولت الحكومة العراقية إقناع الملك عبدالله بتأجيل إعلان وحدة الضفتَين؛ ولكنه تمسك برأيه. وعاد ليطالب الحكومة البريطانية بتطبيق المعاهدة البريطانية ـ الأردنية على الضفة الغربية، لحمايتها. إلا أن الحكومة البريطانية، قالت إن مؤتمر أريحا، لم يشترك فيه ممثلو الشعب الفلسطيني كلهم؛ وهو لا يمثل إلا جماعة الجعبري. ولذلك، فهو ليس كافياً لوحدة الضفتَين، وشمولهما بتلك وبالتالي تطبيق المعاهدة.

    8. مؤتمر رام الله
    في 26 ديسمبر 1948، وبدعوة من الحاكم العسكري الأردني، عمر باشا مطر، عقد مؤتمر رام الله، في قاعة سينما دنيا. وحضره الملك عبدالله، وفلاح المدادحة، وزير الداخلية الأردني؛ وعبدالله التل، قائد منطقة القدس العسكرية؛ وعدد من وجهاء المنطقة وأهاليها. وقرر المؤتمرون ضرورة قيام الوحدة بين فلسطين والأردن.

    9. مؤتمر نابلس
    بادر سليمان طوقان، رئيس بلدية نابلس (وهو من كبار زعماء المعارضة وحزب الدفاع)، ومن المقربين إلى الملك عبدالله إلى جولة في منطقتَي جنين وطولكرم، حيث زار عدداً من زعمائهما. وقال إن مؤتمر أريحا لا يمثلنا. ونحن، أبناء لواء نابلس جبل النار، يجب أن نكون كما كنا دائماً في الطليعة. لذلك، علينا أن نعقد مؤتمراً في نابلس؛ لنتدارس الموقف الخطير بصورة عامة، ونقرر ما يجب علينا سلوكه.

    وفي 28 ديسيمبر 1948، عقد مؤتمر في المنشية، في نابلس، دعا إليه سليمان طوقان، وسكرتارية أحمد طوقان، ولجنة من حكمت المصري وآخرين. وحضره الحاكم العسكري العراقي، وعدد من كبار الضباط العراقيين، وعدد كبير من منطقة المثلث. وألقى قائد المناضلين في جنين، نجيب الأحمد، كلمة طالب فيها الدول العربية بفتح المعارك مع العدو، في كل الجبهات؛ للتخفيف عن الجيش المصري، الذي يحارب في الجنوب وحده.

    وقامت مظاهرة، في نابلس، معارضة للمؤتمر، حصل إضراب جزئي، في جنين ونابلس، احتجاجاً عليه، وألقيت بقربه قنبلة صوتية. وأخيراً، اتخذ المؤتمر قراره القاضي بالطلب من الدول العربية نجدة الجيش المصري، بفتح النار، في كل الجبهات، ومواصلة القتال حتى تحرير كلِّ فلسطين، وقيام وحدة بين فلسطين كلها وشرق الأردن؛ ليشكلا بلداً واحداً، يكون الملك عبدالله بن الحسين ملكاً عليه.

    وبادر وفد، مؤلف من: سليمان طوقان، وأحمد طوقان، وعادل الشكعة، وحكمت المصري، وحمدي كنعان، وهاشم الجيوسي، إلى زيارة عمّان، حيث قدموا القرارات إلى الملك الأردني، الذي رحب بهم، وقال: سيتم كلُّ شئ كما تريدون ـ بإذن الله ـ واجتمع مجلس الأمة الأردني، واتخذ قراراً، يوافق على قرارات مؤتمرَي أريحا ونابلس. وكان الأردن يعترض على كل اجتماع للجامعة العربية، يحضره مندوب عن "حكومة عموم فلسطين". وطالبت مصر بطرد الأردن من الجامعة العربية.

    واتخذ مجلس الجامعة العربية القرار التالي:
    أ. تأكيداً للقرار، الذي اتخذته اللجنة السياسية، بإجماع الأعضاء، في 12 أبريل 1948، الذي ينص على دخول الجيوش العربية لفلسطين لإنقاذها، يجب أن ينظر إليه كتدبير مؤقت، خال من كلِّ صفة من صفات الاحتلال أو التجزئة لفلسطين؛ وأنه بعد إتمام تحريرها، تسلم إلى أصحابها، ليحكموها بأنفسهم، وكما يريدون.

    ب. اعتبار هذا القرار نافذاً، ومعبراً عن السياسة الحالية للدول العربية في هذا الشأن.

    ج. إذا أخلّت أية دولة من الدول العربية بهذا القرار، تعتبر ناقضة لتعهدها ولأحكام ميثاق جامعة الدول العربية؛ وذلك وفقاً للفقرة الأولى من المادة الثانية من الميثاق، والملحق الخاص بفلسطين.

    د. عند وقوع هذا الإخلال، تدعى اللجنة السياسية للاجتماع، واتخاذ ما يلزم من إجراء، وفقاً لأحكام الميثاق.


    10. الحركة الوطنية الفلسطينية، في الخمسينيات
    كانت هزيمة العرب عام 1948، وقيام إسرائيل، بداية تحوّل عميق في الوعي العربي. وأصبحت كارثة 1948، هي المحرك للشعور القومي العربي الحديث. ومن أبرز مميزات الوعي العربي الحديث عدم استسلامه للهزيمة، فهو يعبر عن رفضه لها، بطرح آمال وأهداف في مستوى حجم الكارثة. فالوعي العربي، كان يدرك، أن سبب الكارثة، ليس قوة إسرائيل، بل ضعف العرب، الذي يرجع إلى فساد الأوضاع الداخلية، في الأقطار العربية المساهمة في الحرب.

    وكان لهزيمة 1948 أثرها في الدول العربية، طوال الخمسينيات؛ فشهدت سورية سلسلة من الانقلابات العسكرية، وشهدت مصر قيام الجيش بثورة 23 يوليه 1952، وانتهى الوضع في العراق إلى قيام ثورة 14 يوليه 1958. وشهد الوطنيون الفلسطينيون، في العقد نفسه، نشاطاً في إطار الحركة السياسية العربية، التي نشأت بعد النكبة؛ وتنازعهم اتجاهان: العمل لتحرير أرضهم، معبئين كلّ طاقاتهم في هذا السبيل؛ أو العمل ضمن الحركة الوطنية العربية، لتحرير المنطقة العربية، على أساس أن الطريق إلى فلسطين، يمر عبر التحرر العربي من الاستعمار، وبناء أنظمة قوية قادرة.

    وكان رد الفعل الفلسطيني الأول، عقب حرب 1948، مقاومة أيّ نوع من التقارب بين العرب وإسرائيل، قد يسفر عن تسوية غير عادلة للقضية الفلسطينية؛ ومقاومة محاولات توطين اللاجئين. وتصدت لهاتَين المهمتَين جماعات عدة، من أبرزها "هيئة مقاومة الصلح مع إسرائيل"، التي كانت تصدر نشرة، باسم "الثأر"، راجت رواجاً واسعاً في أوساط الفلسطينيين، في المخيمات، حتى عام 1954؛ لأنها كانت تكشف المحاولات السرية للتسوية مع إسرائيل. ولم تلبث هذه الجماعة، أن تحولت من هيئة فلسطينية إلى حركة عربية، باسم "الشباب القومي العربي"؛ وأصبحت تعرف، فيما بعد، باسم "حركة القوميين العرب


    11، الفلسطينيون والتنظيمات العربية
    استأثر باهتمام الفلسطينيين أربعة اتجاهات رئيسية، من دون أن يعكس أيٌّ منها مصالح طبقية معينة بينهم؛ لأنها كانت تلقى دعماً من الفئات الاجتماعية كافة.

    أ. الاتجاهات الإصلاحية، في الأردن
    تمثلت في حركة المعارضة لضم الضفة الغربية إلى الأردن. وعبّر عنها عدد من الأحزاب السياسية، عملت، في البدء، بشكل سرى: حزب البعث العربي الاشتراكي (1949)، حركة القوميين العرب (1952)، الحزب الوطني الاشتراكي (1954). ومع تطورات الأحداث وتصاعدها، في الأردن، وإعلان الأحكام العرفية، في بداية الخمسينيات، اضطر كثير من الفلسطينيين، العاملين في السياسة، إلى العمل السري أو الانتقال إلى أماكن أخرى، لمتابعة النضال السياسي.

    ب. الحركات والأحزاب الوطنية
    انخرط بعض الفلسطينيين في الأحزاب والحركات العربية، واتخذوا منها وسيلة لاستعادة الحق العربي في فلسطين. وكان هناك ثلاث حركات قومية ذات تأثير خاص في الساحة الفلسطينية، تعتنق جميعها فكرة الوحدة العربية، والتغيير الاجتماعي، ومعاداة الاستعمار؛ ولكنها تختلف في أُطُرها التنظيمية وأساليبها، وقواعد تأييدها:

    (1) حزب البعث العربي الاشتراكي
    أنشئ في أوائل الأربعينيات، في دمشق. وانتشرت فروعه في سورية ولبنان والأردن والعراق، بعد الحرب العالمية الثانية. وانطوى ميثاقه على عقيدة عربية شاملة، تستبعد كل انتماء إلى وحدات إقليمية أو دينية؛ وتبنّى الحزب الأفكار الاشتراكية. وساعده على الانتشار التوجه نحو الجيل الجديد، والدعوة إلى الوحدة العربية.

    ودأب الحزب، بين عامَي 1948 و1958، على إصدار بيانات سياسية، في شأن القضية الفلسطينية، في مناسباتها المختلفة. وفاز ممثلوه في الانتخابات النيابية، في الأردن، عام 1956؛ واحتلوا المركز الثالث، بعد الوطنيين الاشتراكيين والشيوعيين؛ ومن أبرزهم: الشاعر كمال ناصر، وكان زعيماً للحزب؛ وعبد الله الريماوي، الذي تولى وزارة الدولة للشؤون الخارجية. إلا أن إقالة الحكومة، عام 1957، وإعلان الأحكام العرفية، وحظر الأحزاب السياسية، قضت على الدور العلني للحزب، في الأردن، وإلحاحه على تسليح الفلسطينيين، لشن حرب على الاحتلال الإسرائيلي.

    ولم يمثل الحزب ظاهرة سياسية، في قطاع غزة؛ بينما كان اجتذابه للفلسطينيين، في الأردن، كثيفاً؛ وكذلك في سورية ولبنان.

    (2) حركة القوميين العرب
    أسسها أعضاء اللجنة التنفيذية لجمعية "العروة الوثقى"، من طلبة الجامعة الأمريكية في بيروت، المشاركين في الحلقات الدراسية، التي كان يعقدها أساتذة وعلماء قوميون ووحدويون، أبرزهم قسطنطين زريق، في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات؛ للتعريف بنشوء الحركة القومية وتطورها، وتنمية الوعي بالخطر الصهيوني.

    وقامت الحركة، في أعقاب حرب 1948، كردّ فعل مباشر لها. وكان العنصر الفلسطيني غالباً في صفوفها وفي قيادتها؛ فشكل الفلسطينيون هيكلها، وصبغوا اهتماماتها بهمومهم الأساسية. وتكوّنت الحلقات السرية لهذه الحركة، عام 1951؛ وأُعلنت، عام 1952، باسم "هيئة مقاومة الصلح مع إسرائيل"، والتي أصدرت نشرة أسبوعية، باسم "الثأر". وصدر عددها الأول في نوفمبر 1952، واستمرت في الصدور حتى أواسط عام 1958. مثلت هذه الهيئة نواة تنظيمية للحركة، في صفوف الطلاب. وكان منهم جورج حبش، الذي شغل منصب نائب الرئيس، تم تولّى رئاسة اللجنة التنفيذية لجمعية "العروة الوثقى". وأبدى أعضاء الهيئة اهتماماً بشؤون المخيمات وأوضاع اللاجئين وتقديم خدمات طبية لهم، وتنظيم تبرعات عينية، وتدريب فرق كشفية بين المدارس، والمشاركة في الحملات على مشاريع التوطين ومبدأ التعويضات. واستقطبت هذه الأنشطة عدداً كبيراً من أبناء فلسطين، في مخيمات لبنان وسورية والضفة الغربية وغزة.

    ولم يلبث جورج حبش أن أسس، عام 1958، حركة القوميين العرب، في دمشق. وكان شعارها التنظيمي: "وحدة تحرر ثأر". وبعد الخروج من الأردن، عام 1957، وبمساعدة غسان كنفاني، استمرت الحركة في إصدار جريدتها الأسبوعية، "الرأي"، التي كانت منتشرة في مخيمات اللاجئين.

    وتشكلت "لجنة فلسطين"، في حركة القوميين العرب، من العناصر الفلسطينية، التي درست سُبُل تحرير فلسطين، والمتمثلة في: حرب نظامية، تشترك فيها جامعة الدول العربية، أو حرب يشنها الفلسطينيون أنفسهم، أو حرب تضطلع بها دولة الوحدة المصرية ـ السورية، أو حرب يشنها الفلسطينيون، معتمدين على دولة الوحدة. واعتمدت اللجنة الخيار الرابع، الذي يلقي مسؤولية التحرير على الفلسطينيين، بدعم من الجمهورية العربية المتحدة. والتقت اللجنة الرئيس جمال عبدالناصر، في دمشق، عام 1959، الذي استجاب لمطالبتها بتدريب الفلسطينيين وإعدادهم وتوفير السلاح لهم. واستمر ذلك، بالفعل، في دمشق، حتى الانفصال، في سبتمبر1961.

    (3) الانتماء الناصري للفلسطينيين
    برزت قيادة جمال عبدالناصر قيادة جماهيرية. وعُدَّت منجزات ثورة 23 يوليه 1952، خطوة نحو التحرير والوحدة، وبناء مجتمع تقدمي. ووجد الفلسطينيون في زعامة عبدالناصر قدرة على العمل من أجل التحرير، خاصة بعد تحقيق الوحدة مع سورية، عام 1958. اتّضح هذا الانتماء، في الخمسينيات، دونما تكتل أو حزب.

    ج. الحزب الشيوعي
    انتقلت "عصبة التحرر الوطني"، بعد عام 1948، من حيفا إلى الضفة الغربية. ونظراً إلى حظر النشاط الشيوعي في الأردن، عملت تحت اسم الجبهة الوطنية الأردنية. وشارك أعضاؤها في الانتخابات، عامَي 1951 و1956. إلا أنها تفككت، إثر الخلافات في الوطن العربي، عام 1958، بين الاتجاهَين: القومي والشيوعي. واستمر الحزب في أنشطته السرية، داخل الأردن؛ كما كان له أنشطة في قطاع غزة.

    د. الاتجاهات الإسلامية
    تعزز نشاط حركة الإخوان المسلمين، في أعقاب حرب 1948، في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد مشاركتها في الحرب. وزادتها ثورة يوليه نشاطاً، في عامَي 1952 و1953، حينما وكلت إليها مهمة توزيع المعونات في قطاع غزة؛ وهو ما أطلق عليه "قطارات الرحمة". إلا أن الثورة حلت هذه الحركة في مصر، عام 1954، ففقد الإخوان قواعدهم في القطاع، ونقلوا مقر التنظيم إلى القدس، وأصدروا جريدة "الجهاد". وشملت الحركة الإسلامية، كذلك، حزب التحرير الإسلامي، الذي شارك في تأسيسه، منذ مطلع الخمسينيات، الشيخ تقي الدين النبهاني.

    وأسفرت حرب السويس، عام 1956، وما شهدته من مواجهة مباشرة، بين الفلسطينيين في قطاع غزة وقوات الاحتلال الإسرائيلي، عن صدمة للوعي الفلسطيني؛ إذ أدرك أهمية إعادة التنظيم. ولذا، كانت تجربة مقاومة الاحتلال، في هذه المواجهة، بصفوف موحدة، من دون النظر إلى الانتماء السياسي ـ عملية انصهار، كان لها آثار بعيدة.

    وبدا، في أواخر الخمسينيات، فشل العمل الفلسطيني داخل الأحزاب العربية؛ لفشلها في العمل الجادّ من أجل فلسطين؛ ما أدى إنشاء تنظيمات فلسطينية، بأسماء تكاد تكون متشابهة، خلت من كلمة حزب، واستبدلت بها لفظة حركة أو جبهة أو منظمة، واختُتمت بكلمة "عودة" أو "تحرير فلسطين". ومنها ما نشأ في ألمانيا الغربية والنمسا وأسبانيا بين الطلاب. وقد اتسمت هذه التنظيمات بالسرية الكاملة؛ فحرصت على التدقيق المتشدد في قبول أعضائها؛ وما ذلك إلا لتعذر عملها العلني الجدي، المستقل؛ فآثرت أن تكون بعيدة عن التدخل في الأوضاع الداخلية للدول العربية؛ لكونها ليست نشاطاً حزبياً، يناهض أيّاً من الحكومات العربية.

    12. الحركة الوطنية الفلسطينية في مطلع الستينيات
    جعلت الوحدة بين مصر وسورية، عام 1958، إسرائيل بين "فكي كماشة". إلا أن حركة الانفصال، في 28 سبتمبر 1961، حررتها منهما؛ بل أطاحت شعار: "الوحدة طريق التحرير". وبرزت الخلافات بين الدول العربية في القضية الفلسطينية، ففي ديسمبر 1959، دعا عبدالكريم قاسم إلى إنشاء "جمهورية فلسطين العربية"، في المنطقة الأردنية من فلسطين والضفة. ووصف عبدالناصر هذه الفكرة بأنها "مناورة دنيئة"؛ وأعلن في مارس 1960، إنشاء اتحاد وطني فلسطيني، باسم "الاتحاد القومي الفلسطيني". وأمّا الأردن، فردّ على هذه الدعوة بمنح الجنسية الأردنية لكل العرب الفلسطينيين، الذين يعيشون فيه أو في الخارج؛ وهو ما كان مطبقاً على سكان الضفتَين، من الفلسطينيين دون سواهم. وشهدت المنطقة العربية، في مطلع الستينيات، كذلك، انتصار ثورة الجزائر واستقلالها عام 1962؛ وإعلان ثورة اليمن في سبتمبر من العام نفسه؛ وسلسلة من الانقلابات العسكرية في سورية. وانعكس كل هذا على الحياة السياسية الفلسطينية، التي شهدت بدايات حركة جديدة، من أجل إعادة تنظيم شعب فلسطين وبعث كيانها؛ وإيجاد قواعد ومؤسسات تنظيمية جديدة، قدرها غسان كنفاني بنحو أربعين منظمة وجبهة وحركة، راوح عدد أعضائها ما بين عدة مئات وعضوَين فقط وآلة كاتبة. وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات ومعلومات وافية عن هذه التنظيمات، فإن عددها، حتى بداية الستينيات، قد تجاوز المائة.


    13، أبرز التنظيمات الفلسطينية، في مطلع الستينيات

    أ. "حركة فتح"
    ظهر تيار "حركة فتح" في النصف الثاني من الخمسينيات، على أثر العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، واحتلال إسرائيل قطاع غزة؛ إذ أيقن الفلسطينيون أهمية الاعتماد على أنفسهم في مقاومة إسرائيل. فتأسست خلايا هذا التيار، سراً، في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، في سورية ولبنان والأردن، ودول الخليج العربي، حيث يعمل الفلسطينيون. وما لبثت هذه الحركة أن أصدرت، عام 1959 حتى نوفمبر 1964، مجلة شهرية، باسم "فلسطيننا"، دعت إلى كيان فلسطيني، مستقل عن الأنظمة العربية، ورفض الوصاية العربية على الشعب الفلسطيني؛ نافية أن يكون الكيان الخاص شرذمة للعمل العربي؛ مؤكدة أنه تعبئة لشعب فلسطين المشتت.

    ب. "الاتحاد القومي الفلسطيني"
    انبثقت لجنة من اجتماع كمال رفعت، في مصر، عام 1959، مع وفد فلسطيني، رئاسة الحاج أمين الحسيني؛ وعضوية أحمد حلمي، رئيس "حكومة عموم فلسطين"، وآخرين من قطاع غزة مهمتها الإعداد لقيام تنظيم فلسطيني، يشبه "الاتحاد القومي العربي"، الذي قام في سورية ومصر، خلال الوحدة بين البلدين. وأجريت انتخابات، للمرة الأولى، منذ عام 1948، للفلسطينيين المشمولين بسلطة الجمهورية العربية المتحدة، في غزة وسورية ومصر. وعرض القائمون على الاتحادات الفلسطينية الثلاثة، على الرئيس عبدالناصر، اندماجها في اتحاد قومي فلسطيني واحد. فرحّب بعرضهم، وعقد اجتماع، في القاهرة، برئاسة منير الريس، رئيس بلدية غزة، لم ينجح؛ لانسحاب الحاج أمين الحسيني، الذي غادر القاهرة إلى بيروت، ثم بغداد؛ لاعتقاده أن هناك نية في إبعاد "الهيئة العربية العليا" التي يتزعمها، عن العمل الفلسطيني. وازداد الوضع تفككاً، بعد الانفصال بين مصر وسورية، في 28 سبتمبر 1961؛ إذ انفرط عقد الاتحاد الفلسطيني، في سورية، من تلقاء نفسه، بعد غياب السلطة، التي كان يستند إليها.

    ولم يكن لهذا الاتحاد دور يذكر في الحياة السياسية الفلسطينية، فلم يتعدَّ دوره، في سورية أو القطاع، رعاية بعض الشؤون الحياتية اليومية مع السلطات الحكومية، وتقديم بعض الخدمات للمخيمات الفلسطينية. ولم تشهد هيئات الاتحاد، في مصر وسورية والقطاع، علاقات تنسيقية، ولا مؤتمرات عامة؛ بل لم يكن للتجربة، في القطاع، دور سياسي بارز؛ على الرغم من منح عبدالناصر قطاع غزة نظاماً تشريعياً خاصاً، في 9 مارس 1962، يعطيه نوعاً من الاستقلال الداخلي.

    ج. "فوج التحرير الفلسطيني"
    سعى عبدالكريم قاسم، في مارس 1960، إلى إنشاء تنظيم فلسطيني عسكري، يضم الفلسطينيين المقيمين بالعراق أو قطاع غزة أو لبنان ودول الخليج، بقيادة عراقية؛ لتنظيم عملية التطوع، وإلحاق الضباط بالمعاهد العسكرية العراقية. ولم تزد مهمات الفوج على المشاركة في الاستعراضات، أثناء زيارات الوفود العربية إلى العراق، والتدريب في معسكر الرشيد، في بغداد. ثم ألحق هذا الفوج بالجيش العراقي، في أعقاب ثورة عام 1963. وحظي بمباركة "الهيئة العربية العليا" وترويجها، حتى أصبح الفلسطينيون يرون فيه نواة حركة فلسطينية مسلحة، تأخذ دوراً طليعياً في معركة التحرير. بيد أن عدداً كبيراً من رجاله، سرعان ما غادروه؛ منضمين إلى جيش التحرير الفلسطيني.

    د. "حركة القوميين العرب" (إقليم فلسطين)
    أنشأت الحركة "إقليم فلسطين"، عام 1960، بفروعها في الأقاليم الأخرى؛ بل ليقودها كلها. وأبرز تلك الفروع في الأردن ولبنان وسورية والكويت والعراق ومصر.

    وعقدت الحركة أول مؤتمر قطري فلسطيني، للأعضاء الفلسطينيين في الحركة، عام 1962، وحضره مندوبو الفروع المختلفة في إقليم فلسطين، وقرروا في ختام أعمال المؤتمر، استمرار التدريب، والإعداد للعمل المسلح، وتخزين السلاح، والاتصال بالسكان العرب في فلسطين المحتلة. وظلت الحركة، حتى عام 1964، متأثرة ببرنامج "الناصرية" السياسي. وشددت على أن النضال لتحرير فلسطين، هو واجب كل الطبقات والفئات الاجتماعية. وبدأت تنمو في أوساط الحركة فكرة فصل، بين موضوع تحرير فلسطين، بكونه أمراً عاجلاً، وموضوع الوحدة العربية، الذي يحتاج إلى وقت طويل.

    هـ. "حزب البعث العربي الاشتراكي"
    شكل الفلسطينيون عاملاً ناشطاً في هذا الحزب. وفي أغسطس 1960، صدر عن مؤتمره القومي الرابع توصية في شأن فلسطين، دعت إلى "تأليف جبهة شعبية، تضم كافة التنظيمات الفلسطينية في الأقطار العربية، مستقلة عن الحكومات".

    وعقد مؤتمر، في بيروت، عام 1962، بمبادرة من القيادة القومية للحزب؛ ضم ممثلين عن الفلسطينيين في تنظيماته، بهدف "تمكين عرب فلسطين من إقامة الكيان الفلسطيني". وتطور موقف الحزب من الكيان الفلسطيني، إثر وصوله إلى السلطة، في كلٍّ من سورية والعراق، عام 1963؛ فأوصى مؤتمره القومي السادس بضرورة "اعتماد عرب فلسطين كأداة أولى في تحرير فلسطين". وأقر تنفيذ فكرة "جبهة تحرير فلسطين". وقدم البعث العراقي مشروعاً إلى الجامعة العربية، في سبتمبر 1963؛ لإبراز الكيان الفلسطيني.

    وتبنى الفرع الفلسطيني في حزب البعث، في بياناته، تعابير ونداءات جديدة، ذات دلالات واضحة، تؤكد الخصوصية الفلسطينية، والدور الفلسطيني الكفاحي المتميز، والهوية الفلسطينية.

    و. "الاتحاد العام لطلبة فلسطين"
    تأسست، خلال الخمسينيات، عدة روابط طلابية فلسطينية؛ كان من أهمها تلك التي أنشئت في القاهرة، عام 1951، وتولى قيادتها، بين عامَي 1952 و1956، طالب في كلية الهندسة في جامعة فؤاد الأول، هو ياسر عرفات. وكان من أبرز القيادات الطلابية معه صلاح خلف (أبو أياد). إضافة إلى رابطة في الإسكندرية، وأخرى في دمشق، ورابطة في بيروت. وأسهمت الحركة الطلابية، في هذه المرحلة، في إرساء مفاهيم عمل فلسطينية، وتكوين شخصية متميزة، وهيئات كيانية محدودة، ساعدت على تشكيل النواة الأولى لـ"حركة فتح". وعقد المؤتمر الوطني الأول لروابط الطلاب الفلسطينية، في 29 نوفمبر 1959، في القاهرة، حيث أعلن المؤتمرون تأسيس "الاتحاد العام لطلبة فلسطين"، منظمة طلابية، تسعى إلى ضم جميع الطلبة الفلسطينيين في الوطن العربي؛ فكانت أول مؤسسة كيانية علنية للشعب الفلسطيني، وأولى المؤسسات الفلسطينية المنبثقة من الانتخاب المباشر. ولم يكن الاتحاد منظمة نقابية فحسب، بل حركة سياسية، نص دستورها التأسيسي على أنها نواة لتنظيم شعبي فلسطيني، يعمل من أجل العودة إلى الوطن السليب، بجميع الوسائل، التي تخولها مواد دستور الاتحاد.

    وقد اضطلع الاتحاد بدور مهم في تعبئة الطاقات والفاعليات السياسية الفلسطينية، وبذل جهوداً حثيثة، في مجال طرح القضية على الصعيد الطلابي والرأي العام العالمي.

    ولم تقتصر أهمية الاتحاد على إفرازه عدداً من القادة السياسيين الفلسطينيين، الذين تصدروا الحركة الوطنية الفلسطينية؛ بل تعدَّته إلى أن الاتحاد أصبح أحد مقومات الشخصية الوطنية الفلسطينية، ودعامة من دعامات بنائها.

    ز. "حركة الأرض"
    مثلت هذه الحركة جزءاً من الحركة السياسية العامة للشعب الفلسطيني. وأصدرت جريدة، باسم "الأرض"، طالما حاولت الحصول على ترخيص لها؛ ولكن السلطات الإسرائيلية لم تسمح بتأسيس الحركة نفسها، فتوقف نشاطها، عام 1965.

    تعليق


    • #3

      المبحث الثاني
      نشأة منظمة التحرير الفلسطينية



      الجامعة العربية والكيان الفلسطيني


      تقدمت وزارة الخارجية المصرية بتوصية إلى مجلس جامعة الدول العربية، في مارس 1959؛ من أجل العمل على إبراز الكيان الفلسطيني. فوافق، في دورته الحادية والثلاثين، في 9 مارس، على قرارات، تتعلق بالشعب الفلسطيني، بعد بحث مجلس الجامعة، للمرة الأولى، موضوع "إعادة تنظيم الشعب الفلسطيني، وإبراز كيانه، شعباً موحداً، لا مجرد لاجئين؛ بواسطة ممثلين يختارهم". ودعت قرارات المجلس إلى إنشاء "جيش فلسطين، في الدول العربية المضيفة".

      وواكبت هذه الدعوة إنشاء "الاتحاد القومي الفلسطيني"، في مصر وغزة وسورية؛ ودعوة عبدالناصر إنشاء كيان فلسطيني، غايته "مواجهة نشاط إسرائيل لتصفية المشكلة الفلسطينية وإضاعة حقوق شعب فلسطين". لكن عدم تنفيذ القرارات المتعلقة بالكيان الفلسطيني، دفع القاهرة إلى تقديم مذكرة إلى الجامعة العربية، تطالب بإبراز الشخصية الفلسطينية؛ وذلك خلال اجتماع مجلس الجامعة، في شتوره، في أغسطس 1960.

      حددت لجنة الخبراء التابعة لجامعة الدول العربية، في يوليه 1962، شكلاً للكيان الفلسطيني، يقوم على أساس الدعوة إلى مجلس وطني، يضم التجمعات الفلسطينية. وتنبثق منه جبهة وطنية، تقود الشعب الفلسطيني؛ ويكون لها اختصاصات، عسكرية وسياسية وتنظيمية وإعلامية ومالية. إلا أن معارضة الأردن، والخلافات بين بعض الدول العربية، حالت دون تقديم المشروع إلى مجلس الجامعة .

      إثر وفاة أحمد حلمي، رئيس "حكومة عموم فلسطين"، وممثل فلسطين لدى الجامعة العربية، بحثت الدورة الأربعون لمجلس الجامعة، في 15 سبتمبر، تعيين خلف له. واختير أحمد الشقيري لهذا المنصب، على معارضة الأردن والمملكة العربية السعودية لذلك. وصدر قرار المجلس، الرقم 1933، باختيار "السيد أحمد الشقيري مندوباً لفلسطين لدى مجلس جامعة الدول العربية، وذلك طبقاً لملحق ميثاق الجامعة الخاص بفلسطين؛ وإلى أن يتمكن الشعب الفلسطيني من اختيار ممثليه". ودعا القرار الشقيري إلى زيارة الدول العربية، من أجل بحث القضية الفلسطينية من جميع جوانبها، والوسائل التي تؤدى رفعها إلى ميدان الحركة والنشاط. وأكد القرار نفسه:


      1. أن الشعب الفلسطيني، هو صاحب الحق الشر عي في فلسطين. وأن من حقه أن يسترد وطنه، ويقرر مصيره، ويمارس حقوقه الوطنية الكاملة.


      2. أن الوقت قد حان، ليتولى أهل فلسطين أمر قضيتهم. وأن من واجب الدول العربية، أن تتيح لهم الفرصة لممارسة هذا الحق.


      3. تأييد المبادئ العامة، التي وردت في مذكرة عراقية، دعت إلى إبراز الكيان الفلسطيني، بإجراء انتخابات بين الفلسطينيين، لتكوين مجلس وطني فلسطيني؛ ينتخب حكومة فلسطينية، تقيم علاقات سياسية بكافة الدول العر بية، وتنسق معها؛ وتتولى الدعوة إلى استعادة فلسطين، بمشاركة كافة الدول العربية المهتمة بتحريرها؛ وإقامة جيش التحرير الفلسطيني.


      وحدد الشقيري هدف الكيان الفلسطيني، في أول خطاب له أمام مجلس الجامعة، بأن "يصبح أهل فلسطين قوة وطنية عاملة، تسهم في تحرير فلسطين، وحمل السلاح لتحريرها بأيدي القادرين على حمل السلاح من أبناء فلسطين". وأوضح "أن الكيان الفلسطيني، ليس حكومة، ولا يمارس سيادة؛ وإنما هو تنظيم للشعب الفلسطيني، يتعاون مع جميع الدول العربية، ويهدف إلى تعبئة طاقات الشعب الفلسطيني، عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، في معركة فلسطينية". وبادر الشقيري، بتسهيلات من الحكومة المصرية، إلى زيارة عمّان ودمشق وبيروت وقطاع غزة. كما ألَّف وفداً فلسطينياً، من ثمانية عشر شخصاً، لحضور دورة الأمم المتحدة، عام 1963.

      وفي الأول من نوفمبر 1963، عقدت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة، جلسة خاصة، بحثت فيها قضية فلسطين، وموضع اللاجئين الفلسطينيين بصورة رئيسية.

      تحدث أحمد الشقيري، رئيس الوفد الفلسطيني، فقال إن الوفد يطالب بعودة اللاجئين إلى وطنهم، وليس إطعامهم فتات الخبز. وإن قضية فلسطين، ليست قضية لاجئين، علينا أن نفتش عن تأمين إعاشتهم وإطعامهم وإسكانهم؛ وإنما هي قضية وطن، تعرض لأكبر غزوة استعمارية صهيونية، طردت منه مليون فلسطيني. علينا شجب الغزوة الاستيطانية الاستعمارية الصهيونية، وإعادة المليون فلسطيني إلى بلادهم وبيوتهم وأراضيهم.

      القمة العربية الأولى (1964)
      دعا الرئيس عبدالناصر، في 23 ديسمبر 1963، إلى عقد مؤتمر للقمة العربية؛ لبحث التهديدات الإسرائيلية بتحويل مياه نهر الأردن. وانعقد المؤتمر في القاهرة، من 13 إلى 17 يناير 1964. وناقشت القمة القضية الفلسطينية والكيان الفلسطيني؛ واتخذت "القرارات العملية، في ميدان تنظيم الشعب الفلسطيني، وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره". وقررت "تخويل أحمد الشقيري، ممثل فلسطين في الجامعة العربية، أن يتابع اتصالاته بالدول الأعضاء في الجامعة، وشعب فلسطين، حيثما وُجد؛ ليبحث معهم الطريقة المثلى لتنظيم شعب فلسطين؛ وذلك تمهيداً لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بهذا التنظيم".

      اتصالات الشقيري
      بدأ الشقيري اتصالاته، إثر انتهاء القمة العربية، فعقد اجتماعاً مع وفد، يمثل اللجنة التنفيذية لـ"الاتحاد القومي الفلسطيني" والمجلس التشريعي في قطاع غزة. واجتمع مع الرئيس عبدالناصر، الذي أعرب عن تأييده وتشجيعه لجميع الخطوات، التي تؤدي قيام الكيان الفلسطيني. كما اجتمع بوزير الخارجية المصري، محمود فوزي، وعرض عليه الخطوط العريضة لمشروع الكيان الفلسطيني وجوانبه، السياسية والعسكرية والمالية؛ والميثاق القومي الفلسطيني؛ والنظام الأساسي للمنظمة، فلقي استجابة كاملة. ووجه الشقيري نداء إلى الشعب الفلسطيني، في 4 فبراير 1964، دعا فيه إلى تنظيم شامل، وتعبئة كاملة، لكافة فئات الأمة.

      عمد الشقيري إلى جولة في الأقطار العربية، ما بين 19 فبراير و5 أبريل 1964، شملت الأردن وسورية والبحرين وقطَر والعراق والكويت ولبنان والسودان، حيث عقد ثلاثين مؤتمراً مع الشعب الفلسطيني، التقى خلالها آلافاً منه؛ كما التقى كبار المسؤولين في الدول العربية. عرض الشقيري على الملك حسين الهيكل العام للكيان الفلسطيني، والخطوات التنفيذية اللازمة لإقامته. وأذاع، من القدس، في 24 فبراير 1964، مشروع الميثاق القومي الفلسطيني، والنظام الأساسي للمنظمة، باسم "منظمة تحرير فلسطين". وأعلن انعقاد مؤتمر قومي فلسطيني، في 14 مايو 1964، في القدس؛ ما أثار المناقشات في الساحة الفلسطينية. واتصل الشقيري، في بيروت، بوفود الفلسطينيين، من مختلف المخيمات والفئات؛ وألقى خطباً عديدةً فيهم، وأجرى مناقشات معهم، ومع قوى المنظمات الفلسطينية، سرية وعلنية، مثل "حركة فتح" والقوميين العرب، والتنظيمات النقابية، والمثقفين المستقلين.

      حدد الشقيري مفهوم الكيان الفلسطيني، في أحد لقاءاته، في بيروت، في 27 مارس 1964، بأنه سيكون "كيانا ثورياً عسكرياً. سيقوم على أربع دعائم: الجهاز العسكري والجهاز التنظيمي والجهاز السياسي والجهاز المالي. وإن الجهاز السياسي، مهمته خدمة قضية فلسطين، على الصعيدَين: العربي والدولي، خاصة في نواحي الدعاية والإعلام". وإن الجهاز العسكري، لتمكين القادرين على حمل السلاح من خدمة وطنهم. والجهاز التنظيمي، ليشمل التنظيمات الشعبية. والجهاز المالي، يشتمل على الصندوق القومي الفلسطيني. وقررت لجنة متابعة قرارات القمة العربية، في 16 أبريل 1964، إثر استماعها لتقرير الشقيري في شأن اتصالاته، أن ينعقد المؤتمر القومي الفلسطيني في 28 مايو 1964.


      إعلان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية (أقرأ الملحق الرقم 1 آخر البحث)
      شكل الشقيري لجنة تحضيرية، لعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول، اختارت أعضاءها لجان تحضيرية، عيّنها وأشرف عليها الشقيري نفسه، في كلّ بلد يتجمع فيه الفلسطينيون. أدرجت هذه اللجان أسماء المرشحين لعضوية المؤتمر. ثم تولت لجنة تحضيرية مركزية معينة، كذلك، تنسيق الأسماء المرشحة، وأعدت قائمة نهائية، ضمت مندوبين عن التجمعات الفلسطينية المختلفة. وضم الشقيري إليهم الفلسطينيين، السابقين في مجالس النواب والأعيان والوزارات الأردنية ومجالس البلديات والقرى. وانعقد المؤتمر، في 28 مايو 1964، في القدس، بحضور الملك حسين، ومشاركة وزراء خارجية كلِّ الدول العربية، عدا المملكة العربية السعودية، التي قاطعت المؤتمر. وصدر عن المؤتمر إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية، واعتماد ميثاقها القومي، والمصادقة على النظام الأساسي واللائحة الداخلية للمجلس الوطني؛ وانتخاب عبدالمجيد شومان رئيساً لمجلس إدارة الصندوق القومي، وعضواً في اللجنة التنفيذية. وأصدر المؤتمر عدة قرارات، عسكرية وسياسية ومالية وإعلامية. وأُلِّفت لجنة تحضيرية، برئاسة أحمد الشقيري، اختارت 419 عضواً، يشكلون أول مجلس وطني فلسطيني (الملحق الرقم 3).

      وفي 28 مايو 1964، عقد أول مجلس وطني فلسطيني جلسته الأولى، في فندق الكونتيننتال، في القدس؛ وشهدها ممثلون عن الرئيس جمال عبدالناصر؛ والرئيس العراقي، عبدالسلام عارف؛ والرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة؛ والرئيس السوري، أمين الحافظ؛ والرئيس اللبناني، فؤاد شهاب؛ والرئيس السوداني، إبراهيم عبود؛ وأمير الكويت. كما حضرها أمين الجامعة العربية، عبدالخالق حسونة؛ ومساعده، الدكتور نوفل؛ ورئيس قسم فلسطين في الجامعة العربية، يعقوب الخوري.

      وافتتح الجلسة، ملك المملكة الأردنية الهاشمية، بخطاب قومي، قال فيه إنه التزم، مع إخوانه، ملوك الدول العربية ورؤسائها، تناسي الخلافات بينهم، والعمل، يداً واحدةً، لتحرير فلسطين. وقرروا أن يتعاونوا مع الفلسطينيين على تنظيم صفوفهم، وفق مشيئتهم؛ ودعمهم على تحرير وطنهم. وإنه لا حياة، ولا حرية، ولا وحدة للعرب، من دون تحرير فلسطين. واستطرد الملك قائلاً: أرجو أن يعلم الجميع، أن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، والكيان الفلسطيني، لن يتعارض مع وحدة الضفتَين، التي ارتضيناها. وإنني أعاهدكم، أن أبذل دمي في سبيل فلسطين.

      ثم باسم القدس، رحب أمينها، روحي الخطيب، بالوفود. وألقى أمين الجامعة العربية، عبدالخالق حسونة، كلمة، باسم الجامعة. وتبع ذلك كلمة أحمد الشقيري. وقرر المؤتمرون إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية؛ وصنفوا أنفسهم؛ أنهم هم المجلس الوطني الفلسطيني الأول؛ زكوا أحمد الشقيري، المكلف من الدول العربية بتأليف لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، برئاسته. وأقر المجلس الوطني الميثاق الوطني الفلسطيني، والنظام الأساسي للمنظمة. كما تقرر إنشاء صندوق قومي فلسطيني، وتشكيل جيش التحرير الفلسطيني. وأصدر المؤتمر الوطني الفلسطيني بياناً، في ختام جلساته؛ أكد فيه أن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، إنما هو لخوض معركة التحرير، ولتكون درعاً لحقوق شعب فلسطين وأمانيه، وطريقاً إلى النصر.

      وعقدت اللجنة التنفيذية أول اجتماع لها، في القدس، في 25 أغسطس 1964؛ وبدأت مسيرة العمل الفلسطيني، بقيادة المنظمة (الملحق الرقم 1).

      ردود الفعل الفلسطينية على إعلان منظمة التحرير الفلسطينية
      أثارت اتصالات الشقيري، لعقد المؤتمر الوطني، ثم إعلان قيام المنظمة، ردود فعل لدى المنظمات الفلسطينية المختلفة. وعلى الرغم من مشاركة بعض قيادات هذه المنظمات في المجلس الوطني الأول، إلا أن الشقيري، أكد "أن المشاركين في المؤتمر، شاركوا بصفتهم الشخصية، وليس بصفتهم التنظيمية".

      كانت رؤية الشقيري، في إطار خطته لإنشاء المنظمة، "تقوم على تجميع كلِّ القوى الفلسطينية، من منظمات وفئات، داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية؛ بحيث يقوم التنظيم الثوري الواحد، والذي توضع تحت خدمته كافة طاقات المنظمة، السياسية والعسكرية والإعلامية والمالية. وبالنسبة للمنظمات السرية، التي يقوم تركيبها على أساس الخلايا، والاحتفاظ بالعناصر تحت الأرض، فإن قادتها يمكن أن يلتقوا داخل إطار المنظمة، مع بقاء تنظيماتهم سرية؛ وبذلك يتحقق التنسيق، وترسم الخطط المشتركة، مع الحفاظ على الأمن وسلامة العناصر". وواجه تأسيس المنظمة نوعَين من ردود الفعل:

      الأول: مؤيد لقيامها، إذ رأى فيها تعبيراً عن الطموح العميق لإعادة جمع شتات الشعب الفلسطيني، وإبراز كيانه الوطني.
      الثاني: انتقادات متعددة الأشكال والدوافع.

      وبرزت المواقف من المنظمة، على النحو التالي:
      1. "الهيئة العربية العليا": عارضت إعلان الكيان الفلسطيني؛ لأن الحاج أمين الحسيني، يعدّ نفسه الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، وأنه هو الأحق برئاسة الكيان الفلسطيني، الذي لا داعي له، مادامت الهيئة موجودة. وحاول الشقيري استمالتها، دون جدوى، إلى حدّ أنه عرض على الحسيني رئاسة المجلس الوطني.

      2. "حركة فتح": عبرت عن رأيها، من خلال مجلتها "فلسطيننا". ودعت أن يكون الكيان ذا مضمون ثوري، ومرتكزاً للثورة المسلحة، وليس بديلاً منها؛ وأن يكون التنظيم العسكري أساساً للكيان الفلسطيني.

      وأكدت موقفها بشكل تطبيقي، عندما انتهجت الكفاح المسلح، بعد أشهر قليلة من إعلان قيام المنظمة، ودعتها، في بيان، وزع على أعضاء المجلس الوطني، في دورته الثانية، في القاهرة، في مايو 1965، إلى سلوك درب "العاصفة"، الجناح العسكري لفتح. كما دعت، في مذكرة لمؤتمر القمة العربي الثالث، في الدار البيضاء، في سبتمبر 1965، إلى استعدادها للتعاون مع المنظمة، شريطة إبقاء القيادة بيد الشعب الفلسطيني. ووصفت المنظمة بأنها "وليدة مؤتمر القمة، وسوف تنعكس عليها طبيعة التناقضات الخاصة بهذه المؤتمرات".

      3. "حزب البعث": كان موقف شعبة فلسطين في حزب البعث، في لبنان، أن المنظمة ليست الأداة النضالية، التي تستطيع أن تتحمل أعباء معركة تحرير فلسطين. بينما قدمت حكومة حزب البعث، في سورية، تسهيلات ملموسة للمنظمة، وفي طليعتها تشكيل وحدات عسكرية فلسطينية، وافتتاح مكتب رسمي لها في دمشق.

      4. "حركة القوميين العرب": دعت، في بيان مشترك مع جبهة التحرير الفلسطينية، واتحاد طلاب فلسطين، والشباب العربي الفلسطيني في لبنان، إلى انتخابات حرة، ينبثق منها الكيان الفلسطيني. وهي الفكرة نفسها، التي دعت إليها "الهيئة العربية العليا".

      5. "الاتحاد العام لطلبة فلسطين": قرر، إثر انتهاء مؤتمره العام، في غزة، في نهاية عام 1964، أنه يمثّل قاعدة من قواعد المنظمة.

      6. "حزب التحرير الإسلامي": عبر عن رفضه للكيان الفلسطيني، استناداً إلى ضرورة قيام الدولة الإسلامية، أولاً، ثم الشروع في الجهاد.

      موقف الدول العربية من إعلان قيام المنظمة
      سعى أحمد الشقيري إلى إنشاء الكيان الفلسطيني، على الرغم من أنه لم يكن مخولاً ذلك من القمة العربية؛ ما أثار مواقف مختلفة للدول العربية، سواء منفردة أو من خلال مؤتمرات القمة العربية.

      1. مصر
      كانت من أكثر الدول العربية تأييداً لقيام المنظمة، ووصف الشقيري ذلك بقوله إنه "لولا الجمهورية العربية المتحدة، ولولا الرئيس عبدالناصر بالذات، لما قامت منظمة التحرير الفلسطينية"؛ إذ قدمت مصر كلَّ التسهيلات اللازمة لقيام المنظمة، وأبدى الرئيس عبدالناصر، في افتتاحه الدورة الثانية للمجلس الوطني، في 31 مايو 1965، في القاهرة، استعداد بلاده لتقديم كلَّ شيء، لدعم المنظمة. وكان أبرز الإسهامات إقامة جيش التحرير الفلسطيني، في قطاع غزة؛ وتخصيص إذاعة، من القاهرة، مكّنت الشقيري من مخاطبة العرب والفلسطينيين؛ ما ساعد المنظمة على المضي في بناء كيانها، مستفيدة من دعم مصر، والقوى "الناصرية الفلسطينية". وشَكَّلت كتائب جيش التحرير في سورية والعراق، كذلك. وافتتحت مزيداً من المكاتب في مختلف العواصم العربية، وعدد من العواصم الأجنبية. وأصدر الرئيس عبدالناصر قراراً جمهورياً، في مطلع 1965، حل بموجبه الاتحاد القومي العربي الفلسطيني، في قطاع غزة، وتسليم مهامه لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ لتصبح هي التنظيم القومي للفلسطينيين، في القطاع.

      وكانت رؤية عبدالناصر للمنظمة، تمثل دعماً لها؛ لأنها في رأيه، "نتيجة هامة من نتائج العمل العربي الموحد"، في مواجهة "قوى الاستعمار والصهيونية"، التي كانت تعتقد أن القضاء على شعب فلسطين، هو الطريق نحو القضاء على مشكلة فلسطين؛ إلا أن قيام منظمة التحرير الفلسطينية، أثبت عجز تلك القوى عن القضاء على الشعب الفلسطيني. ومن خلال منظمة التحرير، أصبح ممكناً إحياء وجود شعب فلسطين؛ وفي ذلك إحياء للقضية كلها.

      2. الأردن
      عانت المنظمة، منذ التفكير في عقد المؤتمر الوطني الأول، الخلافات مع الأردن، الذي ظل يخشى من قيام عمل فلسطيني مستقل، ينازعه الصفة التمثيلية للفلسطينيين. بينما كان الشقيري يؤكد أن المنظمة، لا تستهدف سلخ الضفة الغربية عن الأردن؛ وأنه حين يُنجز التحرير، يمكن الفلسطينيين أن يقرروا، باختيارهم الحر، مصيرهم ومستقبلهم السياسي، في دولة مستقلة، أو الاتحاد مع أي دولة عربية.

      3. المملكة العربية السعودية
      عبّرت عن تحفظها، لا معارضتها، من طريقة بناء هذا الكيان، والتي تمت على أساس الاختيار، دون الانتخاب.

      4. لبنان
      أبدى موافقته على قيام المنظمة، بصفتها كياناً سياسياً؛ إلا أنه لم يقبل أن يتعدى دورها ذلك، لتمارس مهام عسكرية، في صور تدريب الفلسطينيين في لبنان، عسكرياً.

      5. مؤتمر القمة العربي الثاني (5-11 سبتمبر 1964 في الإسكندرية)
      أثارت مبادرة الشقيري إلى تأسيس المنظمة، من دون أن تخوّله ذلك القمة الأولى، تحفظات المملكة العربية السعودية من طريقة التأسيس. لكن إيضاح الشقيري، أن ظروف الشعب الفلسطيني، هي التي تحكمت في إنشاء هذا الكيان؛ وتدخل الرئيسَين: عبدالناصر وأحمد بن بيلا ـ حملا الملك فيصل على التخلّي عن التحفظات السعودية. ووافق المؤتمر على الاعتراف بالمنظمة، وعومل الشقيري بصفته رئيساً لها، وليس بكونه ممثل فلسطين في الجامعة العربية. ووافقت القمة على قرار المنظمة إنشاء جيش التحرير الفلسطيني، الذي باشرت تشكيله، مع نهاية عام 1964، في قطاع غزة؛ وخصصتها بميزانية سنوية، قدرها مليون دينار أردني، تسهم فيها الدول العربية بحصص معينة، دعماً للكيان الفلسطيني.

      6. مؤتمر القمة العربي الثالث (13 ـ 17 سبتمبر 1965 في الدار البيضاء)
      طالب الشقيري، في هذا المؤتمر، بتكوين كتائب جيش التحرير الفلسطيني، في الأردن ولبنان؛ وتسهيل تطبيق قانون التجنيد الإجباري على الفلسطينيين، في الوطن العربي، بعد تطبيقه في قطاع غزة؛ وفرض ضريبة التحرير على الفلسطينيين، أينما كانوا، بنسبة تراوح بين 3 و6 % من دخولهم. كما طالب بدفع الدول العربية متأخراتها المالية، المستحقة للمنظمة وجيش التحرير الفلسطيني، اللذَين أكد المؤتمر، في بيانه الختامي، اعتزامه تقويتهما.

      موقف الولايات المتحدة الأمريكية من إنشاء المنظمة
      رفضت الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1964، قيام المنظمة؛ ووجهت مذكرة إلى بعض الدول العربية "للتحذير" منه. و"وعدت" بتسوية القضية الفلسطينية، من خلال الأمم المتحدة. ويرجع ذلك، في جانب منه، إلى موقف الشقيري المعادي لواشنطن، عندما كان ممثلاً لسورية في الأمم المتحدة.

      ويتضح مما سبق، أن إعلان قيام منظمة التحرير الفلسطينية، قد مثّل تمكّن المجلس الوطني الأول من ترسيخ مفهوم الكيانية الفلسطينية وتجسيده عملياً، ولئن لم تعارض المنظمات الفلسطينية، وقتها، هذا الكيان، فإنها دعت إلى تطويره، وتحويل المنظمة حزباً سياسياً ثورياً، أو حركة فدائية مسلحة. ومضت المنظمة في ترسيخ بنائها المؤسسي، مغايرة بذلك هذه الدعوات. واستطاعت أن تنجز، في خلال فترة قصيرة، كياناً مؤسسياً، معترفاً به عربياً؛ فمسألة التمثيل وإبراز الهوية، قد مثلتها المنظمة، في هذه المرحلة، بقيادة الشقيري، واستمرت حتى يونيه 1967، وكانت بحماية القرار العربي.

      وطرحت المنظمة نفسها إطاراً جبهوياً عريضاً، ينضوي تحت لوائه كلُّ الفلسطينيين، من دون أن تجد في التعدد، العقائدي والفكري، عائقاً لعملية التحرير؛ ولم تتقبل فكرة الانضمام إليها بشكل تنظيمي، وإنما بشكل فردي. وكان قيام المنظمة، في إطار الرسمية العربية وبترحيب منها، استجابة عملية لحالة قائمة في الواقع الفلسطيني نفسه، مثلت فيه المنظمة الشرعية السياسية، على النحو الذي أقره النظام الإقليمي العربي، في عقد الستينيات؛ فلم تقدم سوى الحد الأدنى من المساهمة في تطور الهوية الفلسطينية، ولم تكتسب الشرعية الشعبية الكاملة. في حين مثلت حركة المقاومة "النزوع المكافح القاعدي"، المعتمد على الذات، والخارج عن الأطر القانونية؛ فقدم إطار المنظمة الكيان الفلسطيني، بينما جسد إطار المقاومة الهوية الفلسطينية.

      دور منظمة التحرير الفلسطينية (يونيه 1964 - يونيه 1967)
      اعتمدت المنظمة، عام 1964، على ركنَين أساسيَّين: أحدهما فلسطيني، تجسد في تصميم شعب فلسطين على إقامة كيانه؛ والآخر عربي، تمثل في موافقة الحكومات العربية على الاعتراف بهذا الكيان ودعمه. وأسفرا عن إنشاء مقر المنظمة في القدس؛ وتأسيس الدوائر، وفتح المكاتب، في العواصم العربية؛ ونشوء جيش التحرير الفلسطيني، والتنظيم الشعبي. وتمخض جهد رئيس اللجنة التنفيذية الأولى وأعضائها والعاملين فيها، ببناء هيكلها على أُسُس متينة وتشييد مؤسساتها، وأهمها المجلس الوطني، ومجلس إدارة الصندوق القومي.

      واقتصرت اهتمامات المرحلة الأولى، على المسائل المتعلقة مباشرة بمتطلبات النضال، السياسي والعسكري، والنشاطات التعبوية، التي تخدم تلك الاهتمامات؛ ويرجع ذلك، أساساً، إلى أن المنظمة كانت تنظيماً معنوياً، مُنع من ممارسة سلطة شرعية كافية على الفلسطينيين؛ خوفاً من أن ينتزع من الحكومات المضيفة للفلسطينيين سلطانها عليهم؛ كما يرى أنيس صايغ. إلا أن المنظمة، بقيادة الشقيري نجحت في أن تحتفظ بوجودها، فقد استمرت، واستقطبت اهتمام القوى الفلسطينية. ولئن تحولت دورات المجلس الوطني الثلاث، في فترة الشقيري، في أقلّ تقدير، إلى ندوات واسعة للعمل السياسي، فإن وجود المنظمة نفسه، والأنشطة التي حفزتها، أسهما في زيادة وزن العمل الوطني الفلسطيني.

      ونجح الشقيري، بالاعتماد أساساً على دعم مصر، في تطوير مكانة المنظمة، وتغيير صورتها في العالم العربي وأوساط الرأي العام الفلسطيني. واستطاع أن يُبقي المنظمة في منأى عن التقلبات العربية، بعدم التدخل في الشؤون الداخلية العربية. واهتم بدورها في تطوير الشخصية الفلسطينية، وبناء كيان حقيقي للشعب الفلسطيني.

      لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية، في سنواتها الأولى، مستقلة ذاتياً، بل كانت في حاجة إلى المداورة بحذر، لكي تضمن بقاءها؛ وهو ما نجح أحمد الشقيري في إنجازه؛ إذ لم يجعلها أداة في النزاعات العربية. وهو يلمح إلى ذلك، قائلاً: "ولدت المنظمة على فراش مؤتمر القمة، أسيرة الظروف العربية". إلا أن فترة قيادته، شهدت خلافات، مع الأردن خاصة. ولكن الوساطة العربية، أفلحت في وقف الحملات الإعلامية بين الطرفَين. وبادر أحمد الشقيري إلى زيارة الأردن، في نهاية عام 1965؛ غير أن زيارته لم تفلح؛ بل ازدادت حملة الأردن على المنظمة، حتى إنه طالب بحلها، في يونيه 1966، وتشكيل منظمة أخرى، وفق أُسُس جديدة؛ ليصبح الكيان الفلسطيني عاملاً إيجابياً. وتفاقمت الخلافات، إثر غارة إسرائيلية على قرية السموع الأردنية، في 13 نوفمبر 1966؛ فجرت تظاهرات في الضفة الغربية، طالبت بالتسليح للدفاع عن الأرض والعرض. وحدد أحمد الشقيري، في بيانه أمام اجتماع مجلس الدفاع العربي، في ديسمبر 1966، مطالب المنظمة من الأردن، بدخول جيش التحرير الفلسطيني إليه، وتمكينها من الاضطلاع بجميع مسؤولياتها القومية في أراضيه، وإعلان التجنيد الإجباري، وتسليح المدن والقرى الأمامية، وإنشاء فِرق المقاومة الشعبية والدفاع المدني.

      قررت الحكومة الأردنية، في 4 فبراير 1967، إلغاء اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومقاطعة اجتماعات الجامعة العربية، التي يحضرها أحمد الشقيري.

      واستمرت الحملات بينهما، حتى تأزم الأحداث، في مايو 1967، بين العرب وإسرائيل؛ ووصول الملك حسين، في 30 مايو 1967، إلى القاهرة، حيث وقّع اتفاقية دفاع مشترك مع الرئيس جمال عبدالناصر. وعاد أحمد الشقيري، مع الملك حسين، على الطائرة نفسها، إلى عمّان.

      وفي الخامس من يونيه، بدأت إسرائيل عدوانها على مصر والأردن وسورية. واحتلت سيناء، وهضبة الجولان، والضفة الغربية، والقدس الشرقية، وقطاع غزة؛ فأمست فلسطين كلُّها تحت سيطرة إسرائيل.

      واجتاحت العالم العربي، في عقب هزيمة يونيه 1967، موجة من النقد الذاتي. و"كان من المتفق عليه بشكل عام، أن الشقيري، وكافة التجاوزات اللفظية المماثلة، يجب أن تستبعد".


      المنظمة ومؤتمر الخرطوم
      وبعيد هزيمة يونيه 1967، عقد مؤتمر الخرطوم، في 29 أغسطس؛ تلا فيه أحمد الشقيري مذكرة، باسم المنظمة، تتلخص في الآتي:


      أولاً: لا صلح، ولا تعايش مع إسرائيل.

      ثانياً: رفض المفاوضات مع إسرائيل، وعدم الاعتراف بالاحتلال السابق (احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1948).

      ثالثاً: عدم الموافقة على أي تسوية، فيها مساس بالقضية الفلسطينية، وما يؤدى تصفيتها.

      رابعاً: عدم التخلي عن قطاع غزة، والضفة الغربية، ومنطقة الحمة. وتأكيد على عروبة القدس بخاصة.

      خامساً: في نطاق الاتصالات الدولية، في هيئة الأمم المتحدة وخارجها، لا تنفرد أي دولة عربية بقبول أي حلول لقضية فلسطين.

      سادساً: التركيز الدائم المستمر، على الصعيدَين: العربي والدولي، في أن قضية فلسطين؛ وإن تكن قضية عربية مصيرية، إلا أن شعبها هو صاحب الحق الأول في وطنه، الذي يقرر مصيره.


      ورفع أحمد الشقيري بذلك أربع لاءات: لا صلح، ولا تفاوض، ولا اعتراف بإسرائيل، ولا انفراد لدولة عربية بالحل. بيد أن المؤتمر لم يقرر سوى الثلاث الأولى فقط.

      واقترح أحمد الشقيري على مؤتمر قمة الخرطوم، باسم المنظمة، إصدار قرارات، تطالب بالوفاء بالالتزامات المالية تجاه المنظمة وجيش التحرير الفلسطيني. وتمكِّن المنظمة من تحمّل مسؤوليتها عن تنظيم الشعب الفلسطيني؛ وتعزيز جيش التحرير الفلسطيني، واستكمال سلطتها عليه؛ وإنشاء معسكرات لتدريب الفلسطينيين في الدول العربية، بالتعاون مع المنظمة، وتمكين هذه الأخيرة من استيفاء ضريبة التحرير من الفلسطيني.

      وغادر أحمد الشقيري، ووفد المنظمة، المؤتمر، ورفضوا كافة محاولات إعادتهم إليه، في إثر رفض القمة العربية لاقتراح "ألا تنفرد أية دولة عربية بقبول أية تسوية للقضية الفلسطينية"؛ ورفض الموافقة على اقتراح "الدعوة إلى مؤتمر قمة عربي، للنظر في أي حلول مقترحة، مستقبلاً، للقضية الفلسطينية؛ وتحضره المنظمة".

      استقالة الشقيري
      عززت هزيمة 1967 مكانة المنظمات الفدائية. وحطت من مكانة منظمة التحرير الفلسطينية؛ بسبب ارتباط رصيدها برصيد الأنظمة العربية التقدمية. ولقيت المقاومة الفلسطينية تأييداً جماهيرياً، بل اكتسبت "صفة تمثيلية" للشعب الفلسطيني؛ في إطار ترجيح فكرة الحرب الشعبية، لمواجهة الوجود الصهيوني، ولا سيما أن احتلال إسرائيل للضفة الغربية، وقطاع غزة، وسّع خطوط مواجهتها. وبينما اتخذ أحمد الشقيري موقفاً متصلباً، في قمة الخرطوم؛ كان ياسر عرفات، في الأراضي المحتلة (الضفة الغربية) يحاول إقامة بنية تحتية لـ"حركة فتح" لمقاومة الاحتلال.

      ودخل أحمد الشقيري والمنظمة في مرحلة عزلة سياسية، إلا أنه كان يراها "مرحلة انتقال" من الجبهة الرسمية إلى جبهة العمل الشعبي، بعيداً عن ارتباطات الحكومات العربية؛ إذ إن المنظمة رأت أن تدخل، بعد العدوان الإسرائيلي الأخير، إلى طور جديد، يكون للعمل السياسي فيه نصيب صغير؛ وأن الواجب القومي، يحمل المنظمة، في الظروف الحاضرة، على ألاّ تكشف عن خططها، ولا عن أعمالها. وأشار الشقيري إلى ذلك بقوله: "لقد مضت على المنظمة أربعة شهور (أكتوبر 67) منذ العدوان الإسرائيلي، جنحت خلالها إلى الصمت، إلاّ حينما تدعو ظروف القضية إلى تحديد موقف؛ وهذا يتطلب إصدار بيان وتصريح". وأكد أن "ليس للمنظمة، مع الدول العربية، بعد مؤتمر الخرطوم، أي تعاون سياسي"؛ فحتم بذلك على نفسه وعلى المنظمة العزلة السياسية عن الوطن العربي، والاستمرار في إطلاق التصريحات "المثيرة"، من دون النظر في عقباها.

      سارعت "حركة فتح" إلى توجيه مذكرة، في 9 ديسمبر1967، إلى الدول العربية، أعربت فيها عن قلقها من التصريحات "المضللة"، التي يدلى بها الشقيري؛ "موهماً" الرأي العام، العربي والعالمي، أن المنظمة تضطلع بواجبها الوطني في الأراضي المحتلة. وطالبت المذكرة الدول العربية باتخاذ الوسائل، الكفيلة "بسد أبواب" أجهزة الإعلام العربية في وجه الشقيري؛ "حتى لا يتخذ منها وسيلة لخدمة أغراضه الشخصية، في تضليل الجماهير"، ولا سيما أنه ذكر، في إحدى مؤتمراته الصحفية، أن المنظمة "تمد، الآن، المنظمات الفلسطينية بالمال والسلاح والتخطيط والتدريب؛ إضافة إلى أن عناصر المنظمة النضالية، تتولى قيادة النضال داخل المناطق المحتلة". وقد أذاع مكتب المنظمة في بيروت، في 7 ديسمبر 1967، أنه قد شُكِّل "مجلس قيادة الثورة لتحرير فلسطين"، ليكون "مسؤولاً عن قيادة العمليات العسكرية" في جميع مناطق فلسطين. ونفت "حركة فتح" في اليوم التالي، وجود هذا المجلس "الوهمي"؛ بينما وجّه الشقيري بياناً، ذكر فيه تأييد المنظمة لذلك المجلس.

      وطالب سبعة من أعضاء اللجنة التنفيذية، في 14 ديسمبر 1967، في مذكرة إلى رئيس المنظمة، أن يتخلى عن الرئاسة؛ "للأساليب التي تمارسون بها أعمال المنظمة". وأعلنوا استقالتهم من اللجنة. وهم: يحيى حمودة، ونمر المصري، وبهجت أبو غربية، وأسامة النقيب، ووجيه المدني، ويوسف عبدالرحيم، وعبدالخالق يغمور. وقد بادر الرئيس، في 19 ديسمبر 1967، إلى فصلهم جميعاً. وانضم إلى المطالبين بتنحية الشقيري عبدالمجيد شومان، رئيس الصندوق القومي. وسرعان ما توالت المطالبة بتنحيته، من "حركة فتح"، و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وثمانية من أعضاء اللجنة التنفيذية الخمسة عشر؛ ما اضطر الشقيري، في 24 ديسمبر 1967، إلى تقديم استقالته. قررت اللجنة التنفيذية، أن يتولى يحيى حمودة، أحد أعضائها، رئاسة المنظمة، بالوكالة، إلى حين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني. ودعت في 25 ديسمبر 1967، إلى القيادة الجماعية، وتطوير أجهزة المنظمة. وسلم رئيس الدائرة السياسية للمنظمة أمين عام الجامعة العربية خطاباً، باعتماد يحيى حمودة ممثلاً لفلسطين لدى الجامعة.

      ويعلّل الشقيري استقالته، بأنها ترجع إلى "مشكلته" مع "الملوك والرؤساء العرب، الذين لا يمكنه العمل معهم، ولا يمكن العمل بدونهم؛ وهذه هي المشكلة". ويرى أن للصحافة المصرية دوراً في استقالته.

      تولّي قادة المقاومة قيادة المنظمة
      تنامت حركة المقاومة الفلسطينية، في أعقاب حرب 1967، فأصبح العامل الفلسطيني، للمرة الأولى منذ نكبة 1948، مهماً، وفعالاً في الصراع. واطّرد العمل الفدائي، وطرحت ظاهرة تعدد التنظيمات الفدائية نفسها في ساحة النضال الفلسطيني. فأعلن تشكيل تنظيمات جديدة، وجُهِرَ بتلك التي كانت سرية منها. فبدأت تنضم إلى "حركة فتح" جماعات فدائية، وحالفت تنظيمات أخرى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"؛ ورافق ذلك محاولة منظمة التحرير الفلسطينية شق طريقها، وتثبيت وجودها في ساحة النضال الفلسطيني. وتزعمت، "حركة فتح"، في أعقاب الحرب واستقالة الشقيري، المطالبة بتجديد المنظمة؛ ورفعت شعار استبدال قادة الكفاح المسلح بـ"ثوار المكاتب". وأصبحت، في تقدير عبدالناصر، أخلص الجماعات الفلسطينية، وأقدرها على تولّي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

      وفي يناير 1968، دعت "حركة فتح" إلى عقد مؤتمر عام، في القاهرة، من أجل البحث في إقامة الوحدة الوطنية؛ وتدعيم الكفاح المسلح وتنميته؛ وتشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر وطني، تضم جميع حركات المقاومة، والشخصيات المستقلة. وقد لبت الدعوة ثماني منظمات، بعد أن اعتذرت منظمة التحرير الفلسطينية و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". وأسفر المؤتمر عن قرارات، تتعلق بالوحدة الوطنية، في المجال العسكري للفصائل المشاركة في المؤتمر. وألّفت المنظمة لجنة تحضيرية، مكونة من أربعة أشخاص، برئاسة يحيى حمودة؛ للاتصال بـ"حركة فتح" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". وبعد عدة اجتماعات، اتُّفق على تشكيل المجلس الوطني، في دورته الرابعة، من مائة عضو؛ لتدخل من خلالهم كلُّ التنظيمات الفدائية إلى المنظمة، تمهيداً للدخول في اللجنة التنفيذية، ثم رئاستها، فيما بعد.

      وفي 10يوليه 1968، دخلت، "حركة فتح" المنظمة، في المجلس الوطني الرابع، لكونه أرضاً مشتركة مقبولة؛ وذلك بشرطَين:


      الأول: ألاّ يعني دخولها إلى المنظمة قبولها بالطريقة، التي أنشئت بها، بصفتها ممثلة للكيان الفلسطيني، بقرارات مؤتمر القمة العربي؛ لأن ذلك يجعلها منظمة قومية، مرتبطة بالواقع العربي الرسمي؛ ما يعكس تناقضاته عليها.


      الثاني: أن تظل "حركة فتح" بما فيها قواتها "العاصفة"، محافظة على شخصيتها الاستقلالية، وتنظيماتها السرية، ومنطلقاتها الوطنية. كما اشترطت أن يتضمن المجلس الوطني اشتراك الهيئات والمنظمات الفلسطينية كافة؛ واستقلاله الكامل عن جميع الحكومات العربية؛ وفرز مناضلي الصالونات من الحركات الفدائية. وأكدت أن أهمية هذا المجلس الوطني، تنبع من ضرورة قضية وحدة التنظيمات الفلسطينية المقاومة، ونقل الكفاح المسلح إلى مرحلة أعلى. كما دعت كافة المؤتمرين إلى تحقيق أسباب النجاح للمؤتمر، وحمايته من الأخطاء والأخطار، والتي تتمثل في ثلاثة عوامل:


      1. جعْل مهمة المجلس الأولى، والأساسية، هي العمل على زعزعة وجود العدو في الأراضي العربية المحتلة. وهو لا يتحقق إلاّ بمزيد من الالتحام بالشعب وتنظيمه وتوجيهه، وتدريبه عسكرياً وسياسياً؛ وبرسم إستراتيجية، عسكرية وسياسية، واضحة للتحرير وما بعده.


      2. التحذير من حمل تناقضات منظمات المقاومة إلى المجلس الجديد، ومحاولة كلِّ منظمة التشبث بخطها السابق.


      3. تولّي المجلس الوطني رسم استراتيجية سياسية للعمل المسلح، توضح أهدافه، وتحدد مداه.


      وقررت الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني، أن ينتخب هو نفسه أعضاء اللجنة التنفيذية، بدلاً من أن يسميهم رئيسها، الذي كان يجمع بين رئاستَي اللجنة والمجلس. فتقرر الفصل بين المنصبَين، وأصبحت اللجنة تنتخب رئيسها من ضمن أعضائها. كما عُدِّل الميثاق القومي الفلسطيني إلى الميثاق الوطني الفلسطيني (الملحق الرقم 2).

      وقرر المجلس، كذلك؛ استمرار اللجنة التنفيذية، التي يرأسها يحيى حمودة، في ممارسة صلاحياتها؛ وإرجاء انتخاب لجنة جديدة، إلى حين انعقاد الدورة الخامسة للمجلس الوطني، في فبراير 1969. وانتخبت الدورة الخامسة يحيى حمودة، رئيساً للمجلس. وانتخبت لجنة تنفيذية، بالتزكية، تضم ممثلين عن فتح والصاعقة والمنظمة والمستقلين. وبادرت اللجنة إلى انتخاب ياسر عرفات، رئيساً؛ وإبراهيم بكر، نائباً له.

      استقبل عبدالناصر أعضاء اللجنة التنفيذية، وأكد وضع إمكانات مصر، بلا حدود، في سبيل دعم المقاومة المسلحة. وبدأت مرحلة جديدة من مراحل الوحدة الوطنية، بدخول منظمات المقاومة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، بدءاً من عام 1968. وتمكنت فتح من السيطرة على الشبكة، الإدارية والمالية، وجيش التحرير، الذي كان يضم اثني عشر ألف رجل من وحدات نظامية؛ إضافة إلى قوات التحرير الشعبية، التابعة للمنظمة، كذلك، لكونها جزءاً من جيش التحرير. وكان من أولى مهمات فتح "تطهير" المنظمة من بيروقراطيتها، وحل مشكلات جيش التحرير الفلسطيني، المتراكمة خلال سنوات الركود السابقة. كما سعت فتح إلى تبديد عوامل الشقاق داخل المقاومة، والناتجة من تعددية الفصائل. وتأسست قيادة الكفاح الفلسطيني المسلح، بقيادة قائد جيش التحرير الفلسطيني، للتحكم في تعدد المنظمات، ولتكون قاعدة لتنسيق العمل، وخطوة نحو تنظيم جبهة واسعة، تجمع الفدائيين.

      وشكل وصول الفصائل الفدائية، بقيادة فتح، إلى قيادة المنظمة، بحلول عام 1969، دفقاً في نشاط المنظمة، وفي الشعور الوطني عند الفلسطينيين؛ إضافة إلى التغييرات في الأجيال والقيادة؛ ما أحدث تحولات بنيوية مهمة. وبذلك، لم تضعف حرب 1967، على عكس حرب 1948، بناء الكيان المؤسسي للشعب الفلسطيني؛ فازدادت أهمية المنظمة، وتعززت مكانتها في الحياة السياسية الفلسطينية، واطَّردت انطلاقة الكفاح الفلسطيني المسلح.

      تعليق


      • #4

        الفصل الثاني
        البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية



        المبحث الأول
        السلطة التشريعية



        تشمل السلطة التشريعية المجلس الوطني، والمجلس المركزي، وهما كالمجلس النيابي؛ فضلاً عن اللجنة المركزية.

        أولاً: المجلس الوطني الفلسطيني (الملحق الرقم 5)
        يشكل المجلس الوطني أعلى سلطة في المنظمة، طبقاً للمادة السابعة من نظامها الأساسي. وهو يمثل الشعب الفلسطيني، في داخل فلسطين المحتلة وفي خارجها. وتنص المادة الخامسة من ذلك النظام على انتخاب الشعب لأعضاء المجلس انتخاباً مباشراً، وفقاً لقوانين انتخابية، تضعها اللجنة التنفيذية. ومدة المجلس ثلاث سنوات.

        يمكن اجتماع المجلس، سنوياً، بناءً على طلب رئيسه أو دعوته، كما يمكن عقد جلسة استثنائية، غير عادية، بناءً على طلب من اللجنة التنفيذية، أو من ربع عدد أعضاء المجلس. ويُعد المجلس منعقداً، إذا لم يدعه الرئيس إلى الانعقاد.

        ويعتمد المجلس على مبدأ التمثيل النسبي، لكونه إجراءً عملياً يستند إلى معايير، جغرافية وسياسية ووظيفية. وتتوزع عضوية المجلس:

        1. التنظيمات العسكرية والسياسية، وهي الفصائل.

        02 المنظمات الشعبية، وهي الاتحادات والنقابات.

        3. ممثلو الجاليات الفلسطينية، بمن فيهم "لاجئو" المخيمات، والبدو، ووجهاء تلك الجاليات، والمعروفون، كذلك، بالمستقلين.

        4. جيش التحرير الفلسطيني (الملحق الرقم 7).

        يصبح الأفراد أعضاء في المجلس، من خلال ترشيحهم من قبل لجنة، تشكل من المجلس السابق، تطرح أسماءهم للاقتراع عليها من قبل المجلس. وتحرص لجنة الترشيح على أن تجعل من المجلس الوطني انعكاساً حقيقياً لقوة المنظمات الفدائية، والاتحادات والتنظيمات المهنية، والشخصيات القيادية الفلسطينية، من مختلف الفئات؛ بهدف إيجاد هيئة فلسطينية، تمثل الفلسطينيين أصدق تمثيل ممكن. ويكتمل النصاب القانوني بحضور ثلثَي أعضاء المجلس. وتُتخَذ القرارات بالأغلبية البسيطة.

        ويشير سليم الزعنون (أبو الأديب) نائب رئيس المجلس الوطني، إلى أنه لم تجرِ انتخابات لاختيار أعضاء المجلس سوى في أمريكا الجنوبية، وبعض أجزاء في أمريكا الشمالية، ولم توافق أي دولة عربية على إجراء مماثل. وجرى التقرب من الصيغة الديموقراطية، لصعوبة إجراء انتخابات عامة، لاختيار المجلس الوطني، بتحديد نظام الحصص (الكوتا) للفصائل الفدائية، والتنظيمات الشعبية، والكفاءات المميزة من المستقلين، وخاصة أنه من المفترض أن لكلٍّ من هذه الفئات أساليبها الداخلية لاختيار قياداتها عموماً. وأضحى المجلس أكثر اتساقاً من مفهوم التعددية وإقرار النظام الأساسي للمنظمة، بالفصل بين السلطتَين التشريعية (المجلس الوطني) والتنفيذية (اللجنة التنفيذية)؛ والإقرار باستقلالية كلِّ تنظيم بشؤونه الداخلية؛ وإن الوحدة الوطنية، لا تعنى اندماج الفصائل، وإلغاء التعددية.

        ويعين القائد العام، وهو، في الوقت نفسه، رئيس اللجنة التنفيذية، ممثلي جيش التحرير، بالتشاور مع أعضاء تلك اللجنة، ورئيس المجلس الوطني.

        ويُنتخب ممثلو التنظيمات، والاتحادات الشعبية، في المجلس الوطني، من خلال التنظيمات. وترسل أسماؤهم إلى اللجنة التحضيرية للإعداد للمجلس، قبل انعقاده.

        ويمكن اتخاذ توزيع العضوية في الدورة السابعة عشرة للمجلس (عمّان، نوفمبر 1984) نموذجاً:

        العدد الإجمالي 435 عضواً.

        * ممثلو الفصائل 83 عضواً، بنسبة 19.3 %.

        * المنظمات الشعبية 112 عضواً، بنسبة 26.1 %.

        * الجاليات الفلسطينية 191 عضواً، بنسبة 44.4 %.

        * جيش التحرير الفلسطيني 44 عضواً، بنسبة 10.2 %.

        فضلاً عن ممثلي المستقلين، والجاليات الفلسطينية في الدول العربية ومختلف دول العالم؛ ويمثل اختيار المستقلين أمراً معقداً؛ إذ يستند إلى مساهمتهم في قضية الشعب الفلسطيني. ويضم المجلس الوطني مقاعد أخرى، لا تدخل في نصابه، وهي تلك المخصص بها ممثلو الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

        ويشير سليم الزعنون (أبو الأديب)، نائب رئيس المجلس الوطني، إلى أن هيكلية هذا المجلس مستقرة، منذ عام 1968. وهي أربعة أقسام، لكلٍّ منها نسبة 25 %؛ وهي:

        1. الفصائل المقاتلة.

        2. الاتحادات الشعبية.

        3. المستقلون.

        4. ممثلو الجاليات الفلسطينية في الخارج.

        ويذكر أن أيّ تغيير في ذلك، يتطلب أغلبية ثلثَي المجلس؛ وأن المستقلين المسجلين في الفصائل، قد أُحصوا عام 1991، فتبين أن عددهم 34 عضواً، اتُخذ قرار، يعيدهم إلى فصائلهم، ويضيفهم إلى نسبة كلٍّ منها داخل المجلس.

        أعمال اجتماع المجلس الوطني
        يناقش المجلس، في اجتماعاته، القضايا الفلسطينية كافة. وتستغرق هذه الاجتماعات، عادة، نحو أسبوع؛ وتقترن نهايتها بإصدار مجموعتَين من الأعمال، تعالج إحداها السياسة، التي تتبعها اللجنة التنفيذية، في الفترة التالية، مالياً وعسكرياً وسياسياً؛ وتتناول الثانية انتخاب رئيس اللجنة التنفيذية وأعضائها.

        يتضمن جدول أعمال المجلس الوطني النقاط الأساسية التالية:

        1. العضوية.

        2. التقرير السياسي، المقدم من اللجنة التنفيذية.

        3. التقرير المالي، المقدم من مجلس إدارة الصندوق القومي الفلسطيني.

        4. مناقشة عامة، وكلمات الوفود.

        5. أعمال اللجان.

        6. مناقشة تقارير اللجان وتوصياتها.

        7. استقالة اللجنة التنفيذية، وانتخاب لجنة جديدة.

        8. تشكيل المجلس الوطني المقبل.

        9. ما يستجد من أعمال.

        وتنص المادة الرقم 11 من النظام الأساسي للمنظمة، على تأليف المجلس الوطني؛ تيسيراً لأعمال "اللجان، التي يرى ضرورة تشكيلها. وتقدم هذه اللجان تقاريرها وتوصياتها إلى المجلس الوطني، الذي يقوم، بدوره، بمناقشتها، ويصدر قراراته بشأنها". كما تنص المادة الثامنة من اللائحة الداخلية للمجلس الوطني، على أن يشكل المجلس اللجان بطريقة الانتخاب، بأغلبية الأعضاء المطلقة.

        تنقسم لجان المجلس إلى نوعَين:

        1. لجان مناقشة.

        2. لجان دائمة متخصصة.

        فلجان المناقشة خاصة بالمؤتمر، أثناء الانعقاد من أجل التوصل إلى توصيات وقرارات، في شأن مناقشة المسائل المعروضة. وأصبحت هذه اللجان، مع استمرار انعقاد دورات المجلس، لجاناً ثابتة؛ وبلغ عددها حتى دورته السابعة عشرة، عام 1984، تسع لجان، هي:

        اللجنة السياسية، اللجنة المالية، لجنة الوطن المحتل، لجنة المنظمات الشعبية، اللجنة العسكرية، لجنة الإعلام والثقافة، لجنة التربية والتعليم العالي، لجنة الشؤون الفلسطينية في لبنان، اللجنة القضائية.

        وشُكِّلت اللجان الدائمة المتخصصة، في الدورة السابعة عشرة؛ وهي ثماني لجان:

        اللجنة القانونية، لجنة الشؤون البرلمانية والشؤون الخارجية، لجنة شؤون الوطن المحتل، لجنة الإعلام والثقافة والتربية والتعليم، لجنة الحوار العربي ـ الأوروبي، لجنة الإصلاح الإداري، لجنة المراقبة والمحاسبة، لجنة تقصي الحقائق.

        تتحدد صلاحيات هذه اللجان بدراسة الموضوعات، التي تحيلها رئاسة المجلس الوطني، واللجنة التنفيذية إليها؛ لتقديم المشورة والتوصيات إليهما، كلّما طلب منها ذلك. وتختار كلُّ لجنة رئيساً ومقرراً من بين أعضائها. ولم تتمكن هذه اللجان من عقد اجتماعات، بعد عام 1990؛ ويمارس أعمالها هيئة مكتب المجلس.

        وتتشكل هيئة مكتب رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني بالانتخاب، من قبل أعضاء المجلس؛ وتضم رئيس المجلس، ونائبَين له، وأميناً للسر.


        الميثاق القومي الفلسطيني
        أقر المؤتمر الفلسطيني الأول، في القدس، في مايو 1964، دستور المنظمة، في شكل ميثاق، أطلق عليه الميثاق القومي الفلسطيني. واحتوى الميثاق القومي على مقدمة وتسع وعشرين مادة، مرقمة بالتسلسل، وبدون تبويب"؛ أكدت السبع الأولى منها عروبة فلسطين، وحق تقرير الشعب الفلسطيني لمصيره، وأصالة الشخصية الفلسطينية.

        وتناولت المواد، من الثامنة حتى الثانية والعشرين، "العقيدة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية"، حيث أكدت أن الفلسطينيين "جبهة وطنية واحدة، لتحرير وطنهم. ولهم ثلاثة شعارات: الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير". وحتمت الإيمان بالوحدة العربية، من أجل تحرير فلسطين، والذي هو، بدوره، يحققها كذلك. ورأت أن ارتباط القضية الفلسطينية بالوجود العربي، والأمة العربية، وتحرير فلسطين ـ واجب قومي. وأبطلت قرار الأمم المتحدة، الرقم 181، القاضي بتقسيم فلسطين، والصادر في نوفمبر 1947؛ وكذلك وعد بلفور، وصك الانتداب، وما ترتب عليهما. وقالت بعنصرية الصهيونية. وأعلنت إيمان الشعب الفلسطيني بالتعايش السلمي، على أساس الوجود الشرعي.

        وحددت المواد، من الثالثة والعشرين حتى الثامنة والعشرين، مسؤوليات المنظمة ودورها في تحرير فلسطين، وفق نظامها الأساسي. وأكدت المادة السادسة والعشرون عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، إلا أنها لم تنص، في المقابل، على عدم تدخل تلك الدول في شؤون المنظمة. وأقرت المادة التاسعة والعشرون، أن تعديل الميثاق، يتطلب أكثرية ثلثَي أعضاء المجلس الوطني للمنظمة، في جلسة خاصة، وليس دورة خاصة.

        الميثاق الوطني الفلسطيني (الملحق الرقم 2)
        يمثل هذا الميثاق، الذي صدر عن الدورة الرابعة، عام 1968، ميثاقاً جديداً؛ فهو ليس تعديلاً للميثاق القومي؛ إذ خلا من مقدمته، واستغنى عن بعض مواده، وغيّر أرقام المُستبقَى منها؛ وحوى أخرى جديدة، فازدادت مواده أربعاً.

        وتغيرت إستراتيجية الكفاح الفلسطيني وأساليبه، في الميثاق الوطني؛ إذ نصت مادته التاسعة على أن الكفاح المسلح، هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين؛ فهو، إذاً، إستراتيجية، وليس تكتيكاً. وأكدت المادة السادسة والعشرون أن "منظمة التحرير الفلسطينية، الممثلة لقوى الثورة الفلسطينية، مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني، في نضاله من أجل استرداد وطنه وتحريره، والعودة إليه، وممارسة حق تقرير مصيره، في جميع الميادين، العسكرية والسياسية والمالية، وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين، على الصعيدَين: العربي والدولي". كما أوضحت المادة السابعة والعشرون، أن المنظمة لا تتدخل في الشؤون الداخلية لأيّ دولة عربية. وأشارت المادة الثامنة والعشرون، إلى رفض كلِّ أنواع التدخل والوصاية والتبعية.

        جاء الميثاق الوطني، في مواده الجديدة، عام 1968، أشد تركيزاً في الشخصية الفلسطينية وتطلعها إلى الاستقلال؛ فأصبحت فلسطين، وطناً للشعب العربي الفلسطيني، وليس وطناً عربياً، من دون تخصيص. كما أكد الميثاق صورة إسرائيل العنصرية؛ بينما لا يوجد أيّ تمييز عنصري، أو نزعة تعصبية، في تكوين الشعب العربي الفلسطيني.

        وقد جهدت الحركة الصهيونية في ترسيخ فكرة، أن الميثاق الوطني الفلسطيني، يدعو إلى تدمير إسرائيل؛ لتتخذه ذريعة لعدم التعامل مع المنظمة. وبادر إلى دراسته يهوشوفاط هركابي، أحد المسؤولين الإسرائيليين في الموساد. وعُممَت نتائج الدراسة في الغرب؛ لتخدم هذه الفكرة، وليرددها الكثير من ساسته، من دون أن تكون غالبيتهم قد قرأت الميثاق، أو عرفت شيئاً عن كيفية وضعه وتاريخ إعلانه. فالمادة التاسعة عشرة منه، التي تستهدفها الحملات الصهيونية، تتناول تقسيم فلسطين، عام 1947؛ وقيام إسرائيل، الذي تراه باطلاً؛ لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه؛ ومناقضته للمبادئ، التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير. كما تتناول المادة العشرون بطلان تصريح بلفور، وصك الانتداب؛ وترى أن اليهودية دين سماوي، وليست قومية. أما المادة الثانية والعشرون، فهي تتحدث عن الحركة الصهيونية، وارتباطها العنصري بالاستعمار، وعنصريتها، وأهدافها التوسعية في الوطن العربي.

        النظام الأساسي للمنظمة
        في عام 1964، عَدَّت المادة الثامنة والعشرون من الميثاق القومي، هذا النظام ملحقاً به. وقد اشتمل بابه الأول على أربع مواد، هي مبادئ عامة/ تقول الأولى: "الفلسطينيون يكوّنون منظمة، تعرف باسم منظمة التحرير الفلسطينية": وتجعلهم الرابعة "جميعاً أعضاء طبيعيين" فيها، و"الشعب الفلسطيني، هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة".


        ثانياً: المجلس المركزي
        في يناير 1973، اتخذ المجلس الوطني، في دورته الحادية عشرة، قراراً، يقضي بإنشاء المجلس المركزي؛ لمتابعة قرارات المجلس الوطني، للمساهمة في تنفيذها؛ وسد الفراغ في اتخاذ التشريعات والقرارات اللازمة، على صعيد القضية الفلسطينية، والتي تحتاج إلى قرار من المجلس الوطني.

        ويضطلع المجلس المركزي بدور استشاري لقيادة المنظمة، من دون أن تناقض توصياته الميثاق الوطني، أو قرارات المجلس الوطني.

        ضم المجلس المركزي، وقتها، 32 عضواً، برئاسة رئيس المجلس الوطني، وعضوية كلٍّ من أعضاء اللجنة التنفيذية العشرة، والاثنَي عشر عضواً عن منظمات المقاومة، وتسعة مستقلين من أصحاب الكفاءات، وستة أعضاء مراقبين. وتطورت اختصاصات المجلس المركزي، في الدورة الثالثة عشرة، عام 1977، بتخويله اتخاذ القرارات، في القضايا التي تطرحها عليه اللجنة التنفيذية؛ وتشكيل لجان دائمة، لإعداد دراسات وبحوث، في المسائل التي تحال إليه، والإطلاع على سير عمل دوائر المنظمة.

        وعمد المجلس الوطني، في دورته السابعة عشرة، عام 1984، إلى إعادة تشكيل المجلس المركزي، برئاسة رئيس المجلس الوطني. وجعل مدة صلاحيته تمتد بين دورتَين عاديتَين للمجلس الأخير. ويضم اثنين وسبعين عضواً، من رئيس اللجنة التنفيذية وأعضائها؛ وهيئة مكتب المجلس الوطني؛ والأمناء العامين للمنظمات الشعبية والنقابات والاتحادات، أو رؤسائها، أو من يمثلها من بين أعضاء ذلك المجلس، وممثلين عن الفصائل المعتمدة فيه؛ وثلاثة ممثلين عن المجلس العسكري، يعينهم القائد العام؛ وخمسة وعشرين عضواً، يُنتخَبون من أعضاء المجلس الوطني المستقلين.

        وتوسعت صلاحيات المجلس المركزي، عام 1984، لتشمل:

        1. اتخاذ قرارات في الموضوعات والمسائل، التي تحيلها اللجنة التنفيذية إليه.

        2. مناقشة الخطط التنفيذية، التي تقدمها اللجنة التنفيذية للمنظمة، وإقرارها.

        3. متابعة تنفيذ اللجنة التنفيذية للمنظمة لقرارات المجلس الوطني.

        4. الاطلاع على حسن سير عمل دوائر المنظمة، وتقديم التوصيات اللازمة إلى لجنتها التنفيذية.


        وأصبح للمجلس المركزي، بذلك، دور تشريعي، من خلال تقديم التوصيات بسن قوانين جديدة؛ وله دور تنفيذي في اتخاذ القرارات. كما أن البيان السياسي، الصادر عن اجتماعات المجلس المركزي، ذو قوة معنوية، لا يمكن تجاوزها؛ فضلاً عن أن له دور مراقب لجميع أعمال دوائر المنظمة.

        وتزايدت عضوية المجلس المركزي، إذ بلغت، في الدورة العشرين للمجلس الوطني، 112 عضواً. وضمت: هيئة مكتب المجلس الوطني (4 أعضاء)، رئيس وأعضاء اللجنة التنفيذية وأعضاءها (18 عضواً)، والاتحادات الشعبية الفلسطينية (13 عضواً)، عسكريون (3 أعضاء)، مستقلين (42 عضواً)، رؤساء اللجان الدائمة (8 أعضاء)، ممثلي الفصائل (24 عضواً) (منهم 6 أعضاء عن "حركة فتح"، وعضوان عن كلٍّ من الفصائل التالية: جبهة التحرير العربية ـ الجبهة الديمقراطية ـ الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة ـ جبهة التحرير الفلسطينية ـ الحزب الشيوعي ـ الصاعقة ـ جبهة النضال الشعبي ـ حركة الجهاد الإسلامي (بيت المقدس). وانتُخب 38 عضواً من أعضاء المجلس الوطني، وهم يمثلون المستقلين، البالغ عددهم 42. وترك اختيار الأربعة الآخرين لرئيسَي اللجنة التنفيذية والمجلس الوطني.

        ويلاحظ أن أغلبية الأعضاء في المجلس المركزي، هم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني.

        وقد اضطلع المجلس المركزي، منذ تشكيله، بدور مهم في مناقشة مختلف التطورات السياسية، المتعلقة بالقضية الفلسطينية، على الساحتَين: العربية والدولية، وصياغة التوصيات اللازمة، الملائمة، في شأنها.


        ثالثاً: اللجنة المركزية (1970-1971)
        في 6 مايو 1970، أصدرت القيادة الموحدة لحركة المقاومة الفلسطينية بياناً، دعت فيه إلى مشاركة جميع فصائلها في المجلس الوطني، والمؤسسات المنبثقة من المنظمة؛ وصدور قرار عن المجلس الوطني، يقضي بتشكيل لجنة مركزية، من اللجنة التنفيذية للمنظمة، وممثلين عن كافة المنظمات الفدائية، ورئيس المجلس نفسه، وقائد جيش التحرير الفلسطيني، وبعض المستقلين؛ تمارس فيها جميع الفصائل دورها القيادي، وتحل محل القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة.

        وصدق المجلس الوطني، في دورته السابعة، مايو/ يونيه 1970، على بيان 6 مايو 1970، المعبر عن اتفاق بين الفصائل، وأقر تشكيل لجنة، على النحو الوارد فيه؛ وأن يمثّل المستقلين فيها ثلاثة أعضاء، تنتخبهم اللجنة التنفيذية، بالتشاور. كما قرر المجلس، أن يكون في اللجنة المركزية مندوب قيادي عن كلِّ منظمة من المنظمات الفلسطينية، الموقعة الاتفاق، ومفوض إليه كافة الصلاحيات، شريطة أن لا يكون من بين أعضاء المجلس الوطني. ويرأس اللجنة المركزية رئيس اللجنة التنفيذية؛ وتظل قائمة، ما لم يقرر المجلس الوطني تعديلها أو استبدالها أو حلها. وحدد المجلس اختصاصاتها، بصفتها "القيادة العليا للنضال الفلسطيني، في الأمور التي تطرح عليها"، على النحو التالي:


        1. بتّ الأمور والقضايا العاجلة، والطارئة بما لا يتعارض وأحكام الميثاق الوطني الفلسطيني، والنظام الأساسي، وقرارات المجلس الوطني.


        2. العمل باستمرار على إيجاد صيغ أكثر تقدماً، وأكثر عمقاً واتساعاً، للوحدة الوطنية.


        3. متابعة تنفيذ قرارات اللجنة والمجلس الوطني.


        4. مناقشة الأمور المطروحة عليها من اللجنة التنفيذية، أو أحد أعضائها؛ واتخاذ القرارات الملزمة، وفق النظام الداخلي، الذي تقرره اللجنة المركزية.


        وقرر المجلس أن تتولى اللجنة التنفيذية تنفيذ قرارات اللجنة المركزية، التي تقدم تقريراً في شأن أعمالها، إلى المجلس الوطني، في دوراته.

        وأعطى المجلس اللجنة المركزية حق تجميد أو تعليق عضوية أيّ تنظيم، أو اتخاذ أي عقوبة في شأنه؛ على أن يعرض على أول دورة تالية للمجلس الوطني، الذي له القرار الفاصل.

        وفي 16 يونيه 1970، أعلنت اللجنة المركزية تشكيل هيئة أمانة عامة، من رئيس اللجنة التنفيذية، ياسر عرفات، وجورج حبش، وعصام السرطاوي، ونايف حواتمة، وكمال ناصر، وضافر جميعاني. ومنحتها صلاحية تنفيذ قرارات اللجنة، في القضايا السياسية والعسكرية والإعلامية، التي تكون ملزمة للجميع.

        وفي يوليه 1971، قرر المجلس الوطني، في دورته التاسعة، أن تحل اللجنة التنفيذية محل اللجنة المركزية، بجميع مسؤولياتها وصلاحياتها. وبادرت اللجنة البديلة إلى إلغاء نظيرتها السالفة؛ وعادت إلى ممارسة المسؤوليات والصلاحيات المنوطة بها، بصفتها لجنة تنفيذية

        تعليق


        • #5
          المبحث الثاني
          السلطة التنفيذية والسلطة القضائية



          أولاً: السلطة التنفيذية

          [line]
          السلطة التنفيذية
          تشمل اللجنة التنفيذية للمنظمة، والتي تُعَدّ مجلساً للوزراء؛ وتتبعها دوائر، تمثل الوزارات المختلفة.


          1. اللجنة التنفيذية (الملحق الرقم 6)
          هي، طبقاً للنظام الأساسي، "أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة. تكون دائمة الانعقاد. وأعضاؤها متفرغون للعمل. وتتولى تنفيذ السياسة والبرامج والمخططات، التي يقررها المجلس الوطني؛ وتكون مسؤولة أمامه مسؤولية تضامنية وفردية". وتتمثل اختصاصاتها، طبقاً للنظام نفسه، في:

          أ. تمثيل الشعب الفلسطيني.

          ب. الإشراف على تشكيلات المنظمة ومؤسساتها.

          ج. إصدار اللوائح والتعليمات، واتخاذ القرارات الخاصة بتنظيم أعمال المنظمة، على ألاّ تتعارض مع الميثاق، أو النظام الأساسي، أو قرارات المجلس الوطني.

          د. تنفيذ السياسة المالية، وإعداد الميزانية.

          كما نص النظام الأساسي على أن المجلس الوطني الفلسطيني، الذي كان يتولى اختيار أعضاء اللجنة التنفيذية، هو نفسه ينتخب رئيسها. وفي عام 1968، عُدِّل هذا النص، ليقصر اختيار المجلس الوطني على اللجنة التنفيذية، من بين أعضائه، الذين يتولون انتخاب رئيسها.

          وقررت الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني، أن يختار المجلس رئيس اللجنة التنفيذية وأعضاءها، البالغ عددهم 15 عضواً، بمن فيهم رئيسها، ورئيس مجلس إدارة الصندوق القومي الفلسطيني، الذي ينتخبه المجلس الوطني، وينضم إلى عضوية اللجنة التنفيذية، بهذه الصفة.

          وفي عام 1991، وافق المجلس الوطني، في دورته العشرين، على زيادة عدد أعضاء اللجنة التنفيذية إلى ثمانية عشر عضواً، بمن فيهم رئيس الصندوق القومي؛ لتعزيز الوحدة الوطنية، ومواجهة الأعباء الجديدة، في المسيرة القائدة. ويكتمل النصاب القانوني لاجتماعات اللجنة بحضور ثلثَي الأعضاء.

          وطبقاً للنظام الأساسي، اختيرت مدينة القدس مقراً دائماً للجنة؛ ولكن الخلافات بين المنظمة والأردن، حملت السلطات الأردنية على دهْم مقر اللجنة وإغلاقه. وقد استمر مغلقاً حتى عودة الشقيري، مع الملك حسين، إلى عمّان، قبيل حرب يونيه 1967، حينما أعيد إلى المنظمة. غير أنه لم يلبث أن أغلق، على إثر احتلال إسرائيل للقدس؛ لتنتقل مكاتب اللجنة التنفيذية إلى القاهرة، فعمّان، ثم توزعت بين القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، واستقرت، بعد الخروج من بيروت، عام 1982، في تونس.

          تُوزَّع الحقائب الوزارية (الدوائر)، في الاجتماع الأول للجنة التنفيذية المنتخبة. ويعلن ذلك في بيان رسمي عام.

          وقد انتخبت الدورة العشرون، للمجلس الوطني، عام 1991، آخر لجنة تنفيذية، تكونت من:

          ياسر عرفات (رئيساً)، فاروق القدومي، محمود عباس، جمال الصوراني، سليمان النجاب، محمود درويش، عبدالله الحوراني، المطران ايليا خوري، ياسر عبدربه، محمد زهدي النشاشيبي، ياسر عمرو، شفيق الحوت، عبدالرحمن ملوح، سمير غوشة، علي إسحق، محمود إسماعيل، تيسير خالد، جويد الغصين (رئيس الصندوق القومي الفلسطيني).

          يتولى أحد أعضاء اللجنة التنفيذية أمانة السر، وهي تعادل وزارة دولة لشؤون مجلس الوزراء،. ومهمته التنسيق بين مختلف دوائر المنظمة، وكذلك مع أجهزة الدولة العربية المضيفة لمقر اللجنة؛ وإقرار جدول أعمال اجتماعات اللجنة، بالتشاور مع رئيسها، وإعداد محاضر اجتماعاتها وقراراتها.

          وقد أدّت اللجنة التنفيذية الأولى دوراً مهماً في تأسيس المنظمة، فعكفت، في أعقاب مؤتمر القمة العربي الثاني، على تكوين الهياكل والمؤسسات، اللازمة لمباشرة المنظمة مهامها وتنفيذ واجباتها. ونجحت في إنشاء الدوائر، وافتتاح مكاتب للمنظمة في الدول العربية وغيرها، وتأسيس مكتب دائم في الأمم المتحدة، وإنشاء محطة إذاعة في القاهرة، وإنشاء مركز الأبحاث في بيروت، والبدء بتشكيل جيش التحرير الفلسطيني، وإقامة الصندوق القومي الفلسطيني؛ ما أرسى أساساً ومنطلقاً لمنظمة التحرير (الملحق الرقم 9).

          2. دوائر منظمة التحرير الفلسطينية (الملحق الرقم 6)
          بادرت اللجنة التنفيذية إلى إنشاء دوائر أربع للمنظمة، تطبيقاً للمادة 18 من النظام الأساسي، وهي:

          أ. الدائرة التحريرية (أي العسكرية).

          ب. دائرة الشؤون السياسية والإعلامية.

          ج. دائرة الصندوق القومي الفلسطيني.

          د. دائرة الشؤون العامة والتوجيه القومي.

          وفي يونيه 1965، قرر المجلس الوطني، في دورته الثانية، إنشاء دائرة خاصة، باسم

          هـ. دائرة التنظيم الشعبي

          وفي الدورة الرابعة، قرر تسمية الدائرة التحريرية باسم الدائرة العسكرية
          وفي الدورة الرابعة ايضاً تم استحداث دائرتَين، هما:

          و. دائرة البحوث والمؤسسات المتخصصة.

          ي. دائرة الشؤون الإدارية.

          وأعطى النظام الأساسي اللجنة حق إنشاء أيّ دائرة، ترى ضرورتها؛ وتحديد اختصاص كلٍّ من الدوائر بنظام خاص، على أن يكون لكلٍّ منها مدير عام، والعدد اللازم من الموظفين (الشكل الرقم 1).

          وفي الدورة الثالثة عشرة، قرر إنشاء مجلس أعلى للتربية والتعليم العالي، يتبع رئيس اللجنة التنفيذية؛ ثم تغيير اسم دائرة الشؤون التربوية والثقافية، ليصبح "دائرة التربية والتعليم العالي". كما قرر إنشاء دائرة، باسم "الشؤون الاجتماعية والعمل"، وأخرى باسم "دائرة العلاقات القومية"، ضمن بنية المنظمة؛ للتعامل مع المنظمات غير الرسمية، بالتشاور والتنسيق مع الدائرة السياسية. وقرر، في الدورة الخامسة عشرة، تشكيل مجلس أعلى لشؤون الوطن المحتل، على أُسُس جبهوية، من فصائل المقاومة. وتقرر، عام 1981، إحداث دائرة الشؤون الاقتصادية، وإلحاق المكتب المركزي للإحصاء بها، بدلاً من تبعيته للصندوق القومي. وبلغ عدد الدوائر، التي شكلتها المنظمة، في خلال دوراتها العشرين، سبع عشرة دائرة.

          وتعرضت المنظمة، في إثر حرب الخليج الثانية، لظروف صعبة اضطرتها، عام 1993، في إطار سياسة التقشف المالية التي اتبعتها، إلى إغلاق ثلاث من دوائرها، هي: الإعلام والثقافة والشؤون الاجتماعية؛ من دون أن يلغي ذلك مناصب رؤسائها.

          وقدرت إحدى الدراسات، عدد العاملين في الخدمة المدنية، في المنظمة، عام 1982، بنحو ثمانية آلاف عامل، عدا الكوادر العسكرية.


          دوائر واقسام منظمة التحرير هي كما يلي

          (1) الدائرة السياسية
          تؤدي هذه الدائرة مهام وزارة الشؤون الخارجية، إذ تدير علاقات المنظمة بالدول؛ فتقبَل أوراق اعتماد سفراء تلك الدول لديها، وتنشئ فيها مكاتب وسفارات فلسطينية. وتتولى عقد الاتفاقيات، التي تنظم علاقات المنظمة بمختلف دول العالم. وترعى مصالح الشعب الفلسطيني في الدول المختلفة. وتطبق البرنامج السياسي لعلاقات المنظمة بدول العالم، وفق قرارات اللجنة التنفيذية. وتتكون بنية الدائرة من: رئيس، وهو عضو في اللجنة التنفيذية للمنظمة؛ ومدير عام؛ ومدير.

          وتنقسم الدائرة إلى عدة أقسام:
          قسم الدول العربية، وقسم الدول الأوروبية، وقسم أوربا الشرقية، وقسم آسيا، وقسم إفريقيا، وقسم المنظمات الدولية والإقليمية، وقسم شؤون الموظفين، وقسم الصحافة، وقسم الأرشيف، وقسم الشؤون الإدارية.

          تولّى رئاسة الدائرة نمر المصري، في فبراير 1967. ثم تولاها خالد الحسن، مدة أربع سنوات، من عام 1969 حتى استقالته، في يناير 1973. وخلفه محمد يوسف النجار (أبو يوسف)، من الدورة الحادية عشرة، يناير 1973 حتى اغتياله، في عملية فردان، في 10 أبريل 1973، حين وُكلت إلى فاروق القدومي (أبو اللطف)، وحتى الآن. وتضطلع مختلف دوائر المنظمة بإدارة علاقات خارجية، محورها استقطاب الاهتمام الدولي بالبعد الفلسطيني في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. كما أن التنظيمات والفصائل الفلسطينية، لها أجهزتها الخاصة، التي تعنى، كذلك، بالأنشطة الخارجية.

          (2) دائرة العلاقات القومية والدولية
          استحدثتها الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني، في مارس 1977. مهمتها تنظيم العلاقات، بالتشاور مع الدائرة السياسية، بالمنظمات والأحزاب العربية القومية، والمنظمات العالمية، غير الحكومية؛ لإيجاد عمق شعبي للثورة الفلسطينية. والعمل مع المؤسسات، التي تتسم بتأييدها ودعمها لقضية الشعب الفلسطيني، سواء كانت في الحكم أو خارجه؛ وتطوير وتفعيل الرأي العام، العربي والدولي، المناصر لهذه القضية؛ وتحقيق المشاركة الفلسطينية في المؤتمرات، التي تنظمها تلك المؤسسات، والإشراف على أنشطة اللجان المناصرة لفلسطين، في دولها. والتعريف بانتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني، داخل فلسطين المحتلة.

          تولّى رئاسة الدائرة، عند إنشائها، عبدالمحسن أبو ميزر. واكتسبت فاعلية خاصة، حينما تولى محمود عباس (أبو مازن) رئاستها؛ لاهتماماته العديدة بالشؤون الإسرائيلية، وطبيعة التركيبة الاجتماعية للمجتمع الإسرائيلي، والمشاركة في محاورة قوى إسرائيلية.

          وتضم الدائرة عدداً من الإدارات: إدارة الصداقة، إدارة السلم والتضامن، إدارة الشؤون الإسرائيلية، إدارة المنظمات غير الحكومية.

          (3) دائرة شؤون الوطن المحتل
          تختص هذه الدائرة بدراسة الأوضاع، الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والنضالية، في الأراضي المحتلة؛ وإعداد وتنفيذ الخطط المتعلقة بصمود الشعب العربي الفلسطيني؛ ووضع برامج التنمية؛ ودعم التطور، الاقتصادي والتربوي، وبرامج البلديات، في الأراضي العربية المحتلة. كما تقدِّم الدعم، المادي والمعنوي، لتنفيذ المشاريع، الإسكانية والاقتصادية والزراعية والاجتماعية. وترعى لجنة الدفاع عن السجناء الفلسطينيين. وتدعم القوى الوطنية، في الداخل، والفاعليات المناهضة للاحتلال الإسرائيلي.

          وقد واجهت الدائرة انتقادات عديدة؛ لتحوُّلها إلى جبهة صرف، وافتقارها إلى رؤية عملية إستراتيجية، لكيفية التعامل مع شؤون الداخل وقضاياه وهمومه.

          عُهد برئاستها إلى فهد القواسمة، بعد انتخابه في الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني حتى اغتياله. وخلفه محمد ملحم،. ويتولًى رئاستها، حالياً، سليمان النجاب.

          (4) دائرة شؤون العائدين
          استحدثت هذه الدائرة، في عام 1987، لتكون امتداداً وظيفياً لدور اللجنة السياسية العليا لشؤون الفلسطينيين في لبنان، المختصة بوضع ضوابط العمل الفلسطيني وتنسيقه مع سلطاته، بعد تمركز الوجود المسلح الفلسطيني فيه وتتولى تلك الدائرة تنفيذ المخططات، المتعلقة برعاية شؤون العائدين الفلسطينيين، في أماكن وجودهم؛ والإشراف على إدارة المخيمات والتجمعات الفلسطينية، فيما يتعلق بالمعاملات المدنية؛ والإشراف على عمل اللجان، الشعبية والاجتماعية والأمنية، والمشاريع الإنشائية الاستهلاكية والخدمات، في المخيمات؛ ومتابعة القضايا المتعلقة بوكالة الغوث الدولية وخدماتها للفلسطينيين؛ وتمثيل المنظمة في المؤتمرات، العربية والدولية، المتعلقة بالعائدين الفلسطينيين، بالتعاون مع الدائرة السياسية.

          (5) دائرة المنظمات الشعبية
          تتولّى هذه الدائرة مسؤولية التنسيق، بين المنظمة ومختلف الاتحادات والمنظمات الشعبية الفلسطينية. غير أن دورها يقتصر على الاستشارة والتنسيق مع هذه التنظيمات، من دون التدخل في شؤونها، فتحتفظ باستقلالها، تنظيمياً وسياسياً ومالياً. ولكنها تشرف على نشاطها وانتخاباتها؛ وتشارك في مؤتمراتها العامة، بالتنسيق مع مجلسها الأعلى. وتمثّل الدائرة المنظمة، في مؤتمرات منظمة العمل الدولية.

          (6) دائرة الشؤون الاجتماعية
          ترعى هذه الدائرة الخدمات الاجتماعية لجماهير الشعب الفلسطيني. وتشرف على أعمال جمعية رعاية أُسر مجاهدي الثورة الفلسطينية وشهدائها، بالتعاون مع المجلس الأعلى للشؤون الاجتماعية، الذي تتمثل فيه مختلف المنظمات والمؤسسات، المهتمة بتلك الشؤون، في الساحة الفلسطينية. تمثّل الدائرة المنظمة، في المؤتمرات، العربية والدولية، التي تعنى بالشؤون الاجتماعية.

          (7) دائرة التربية والتعليم
          تتولّى الدائرة مسؤولية صياغة السياسات والمواد التربوية، في المدارس التي تديرها المنظمة؛ وتنظيم برامج تربوية، وكافة القضايا التعليمية، سواء المنح في الدول المختلفة للطلاب الفلسطينيين، أو متابعة مدارس وكالة الغوث؛ والعمل على افتتاح مدارس لتعليم الفلسطينيين، في بعض البلدان العربية خاصة. وقد أسهم مركز التخطيط، حتى عام 1982، من خلال قسم تربوي، في وضع الفلسفة والخطط، في هذا المجال.

          وفي عام 1977، قرر المجلس الوطني، في دورته الثالثة عشرة، أن تشكل اللجنة التنفيذية المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلـوم، الذي يتبع مباشرة رئيس اللجنة؛ لرسم السياسات، ووضع الخطط وإقرارها، والتنسيق بين الأجهزة، في هذا المجال. ويرأسه أحمد صدقي الدجاني، ويشارك في عضويته: رئيس دائرة الثقافة والإعلام، ومدير مركز التخطيط، ومدير مركز الأبحاث، ومدير مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وممثل المنظمة في اليونسكو وفي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.

          (8) الدائرة الاقتصادية
          أنشئت عام 1984، في عقب الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني. وعهد إليها بجهازَين، كانا قائمَين من قبل:

          * المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، ومقره دمشق.

          * جمعية معامل أبناء شهداء فلسطين.

          وأصبح رئيس مؤسسة "صامد"، أحمد قريع (أبو علاء) المدير العام للدائرة الاقتصادية، بعد اندماج المؤسسة في الدائرة.

          وتشمل مهام الدائرة:
          أ. إعداد الدراسات الاقتصادية لحاجات الشعب الفلسطيني، والمخططات الإسرائيلية الاقتصادية؛ ودراسة اتفاقيات التعاون الاقتصادي مع الدول والهيئات؛ وتمثيل المنظمة في كافة المؤتمرات والاجتماعات الاقتصادية؛ لتصب مجمل هذه المهام في البنية الأساسية للاقتصاد الوطني الفلسطيني، وتنمية العلاقات الاقتصادية الفلسطينية وتطويرها، عربياً ودولياً.

          ب. الإشراف على مركز "صامد" للمعلومات، ومقره في عمّان، والذي تأسس في نهاية عام 1989؛ بهدف تنظيم الوثائق والمعلومات المتوافرة في الدائرة.

          ج. إصدار نشرات إحصائية للشعب الفلسطيني، وتدريب الكوادر الفلسطينية وإعدادها، في مجال الإحصاء ويتولّى ذلك المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني، التابع للدائرة.

          د. إدارة "مؤسسة صامد": أسستها "حركة فتح" عام 1970، في الأردن، ثم بيروت؛ وتوسعت أعمالها، في مجال التدريب المهني، وإنشاء المشاغل، لتوفير فرص عمل للفلسطينيين؛ وتطورت لتصبح نواة للحياة الاقتصادية، تعمل في المجالات الزراعية، والصناعية والسينما والنشر. وفي عام 1985، اندمجت "صامد"، بجميع أقسامها، في الدائرة الاقتصادية. وامتد نشاطها إلى أكثر من ثلاثين دولة، في أربع قارات، لتشمل تجربة قطاع عام لحركة تحرر وطني في الشتات، في مجالات الصناعات الخفيفة والزراعة؛ إذ تتولّى زراعة عشرات الآلاف من الأفدنة، في أفريقيا والشرق الأوسط. وقد أدّت "صامد" دوراً مهماً في سد جزء من الحاجة المالية الضخمة للمنظمة.

          (9) دائرة الشؤون الإدارية
          تعنى هذه الدائرة بالأمور الإدارية، المتعلقة بالمنظمة والعاملين فيها.

          (10) الدائرة العسكرية
          يرأسها أبو عمار. وتتولى قضايا جيش التحرير الفلسطيني، وإعداد المشورة في الأمور، العسكرية والتنظيمية، المتعلقة به وبقوات الثورة الفلسطينية؛ ورعاية أُسر شهداء الجيش، بالتعاون مع الصندوق القومي الفلسطيني.

          يُعَدّ جيش التحرير الفلسطيني، هو المؤسسة العسكرية النظامية للمنظمة، تأسس فور إنشائها، عام 1964. ورحب بإنشائه مؤتمر القمة العربي الثاني، في سبتمبر من العام نفسه. وكان إنشاؤه طبقاً للنظام الأساسي للمنظمة، الذي نص، في مادته الثانية والعشرين، على أن "تشكل وحدات فلسطينية خاصة، وفق الحاجات العسكرية، والخطة التي تقررها القيادة العربية الموحدة، بالاتفاق وبالتعاون مع الدول العربية المعنية". وقد عُدِّلت هذه المادة، في الدورة الرابعة للمجلس الوطني، لتنص على أن "تنشئ منظمة التحرير الفلسطينية جيشاً، من أبناء فلسطين؛ يعرف بجيش التحرير الفلسطيني. وتكون له قيادة مستقلة، تعمل تحت إشراف اللجنة التنفيذية، وتنفذ تعليماتها وقراراتها، الخاصة والعامة. وواجبه القومي، أن يكون الطليعة في خوض معركة تحرير فلسطين". ويتألف الجيش من ثلاث قوات رسمية:

          أ. قوات "عين جالوت"، وترابط في مصر.

          ب. قوات "القادسية"، وقد رابطت في العراق، ثم في الأردن، ثم سورية.

          ج. قوات "حطين"، وترابط في سورية.

          وكان قوام جيش التحرير الفلسطيني ودعائمه، هي الكتائب التي أنشأتها مصر، باسم الكتائب الفلسطينية، في الجيش المصري؛ وفيها يقول السيد غالب إبراهيم الوزير: "شكلت القيادة المصرية، في قطاع غزة، كتيبة الحراسات الفلسطينية، كأول نواة نظامية لجيش فلسطين، عام 1953. كان يقابلها، في سورية، تشكيل كتيبة المغاوير الفلسطينية... اتسعت كتيبة الحراسات، في قطاع غزة، وازداد الإقبال عليها، من قبل شباب قطاع غزة؛ وشاركوا في الدفاع عن قطاع غزة، في حرب العدوان الثلاثي، 1956. وشهد لهم الرئيس جمال عبدالناصر بأدائهم القتالي المتميز". وكانت تلك الكتيبة بقيادة اللواء عبدالمنعم عبدالرؤوف، وهو أحد الضباط الأحرار، الذين شاركوا في الثورة المصرية، عام 1952.

          أعلن معظم الدول العربية، منذ ذلك الوقت، حق منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل الفلسطينيين. وسمحت لها بعقد اجتماعاتها على أراضيها؛ وإصدار إنتاجها الأدبي؛ وأن يكون لها مكاتب وجرائد وإذاعات؛ وأن تختار المتطوعين للعمل في جهازها، وفي صفوف جيش التحرير الفلسطيني.

          عقد أحمد الشقيري مؤتمراً صحفياً، في القاهرة، في 15 سبتمبر 1964، أعلن فيه ولادة جيش التحرير الفلسطيني؛ وتعيين المقدم وجيه المدني، الضابط الفلسطيني في الجيش الكويتي، قائداً له، وعضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة. ومن الفور، منحته المنظمة رتبة لواء؛ لتسهيل مسؤولياته، الإدارية والعسكرية، وعُهد برئاسة أركان الجيش التحرير إلى العقيد صبحي الجابي.

          وصل اللواء وجيه المدني إلى القاهرة، في 24 سبتمبر 1964، لتسلم مهام منصبه. وأعرب عند وصوله، عن أمله أن يوفق في المهمة التي أسندت إليه. واجتمع، في اليوم نفسه، بالسيد أحمد الشقيري.

          انطلقت منظمة التحرير الفلسطينية تدافع عن قضيتها، سياسياً وعسكرياً. وأخذت تعمل على إبراز الدور العسكري لشعب فلسطين؛ إذ كان من أهم قراراتها العسكرية، في مؤتمر التكوين، في القدس، افتتاح معسكرات لتدريب جميع القادرين على حمل السلاح، من أبناء الشعب الفلسطيني، رجالاً ونساءً؛ وتشكيل الكتائب، العسكرية النظامية والفدائية، وتزويدها بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة، وإعدادها في الكليات العسكرية لدى الدول العربية والصديقة، حيث أطلق على هذه الكتائب جيش التحرير الفلسطيني، الذي قال عنه أحمد الشقيري، في مؤتمر صحفي، عقد في مكتب المنظمة، في بيروت، في 19 ديسمبر 1964: "إن الجيش الفلسطيني، ليس تابعاً لأية حكومة عربية. وهو جيش الشعب الفلسطيني وحده".

          بدأت مراكز التعبئة والتجنيد، في قطاع غزة والعراق وسورية، تستقبل المتطوعين من أبناء الشعب الفلسطيني؛ للتدريب على حمل السلاح، والانضمام إلى صفوف جيش التحرير. وأخذ اللواء وجيه المدني يتنقل بين الدول العربية، حيث أماكن التدريب؛ فوصل بغداد، على رأس وفد عسكري، بعد أن أعلن قائد الجيش العراقي، الفريق الركن عبدالرحمن عارف، في 12فبراير 1965، قبول 60 ضابطاً فلسطينياً في دورة تدريب، تستمر ستة أشهر.

          تخرجت أول كتيبة لجيش التحرير الفلسطيني، في سورية، في 3 مايو 1965، في احتفال كبير، في بلدة حرستا، بالقرب من دمشق؛ حضره اللواء وجيه المدني، الذي سلّمها العلم الفلسطيني، وبحضور الفريق أمين الحافظ. ووافق مجلس الوزراء السوري على مشروع قانون، يعفي المستوردات الحربية، العائدة لجيش التحرير، من الضرائب.

          احتفل قطاع غزة، في الأول من سبتمبر 1965، بالذكرى الأولى لإنشاء جيش التحرير الفلسطيني تحت سيادة الإدارة المصرية. فشهدت مدنه استعراضات عسكرية، حضرها حاكم القطاع العام، المصري، الفريق العجرودي؛ واللواء وجيه المدني؛ وكبار ضباط الجيش الفلسطيني.

          أطَّردت قوة جيش التحرير ازدياداً، يوماً بعد يوم؛ وخاصة بعد أن وافق الرئيس جمال عبدالناصر، في مؤتمر القمة العربي الثاني، على وضع قطاع غزة وسيناء في تصرف ذلك الجيش. أمّا الأردن، فعارض منحه مساحة من أرضه؛ لأن إنشاء جيش فلسطيني مستقل فيه سيؤثّر في الأوضاع الأردنية؛ إذ الجيش الأردني مكون من عناصر أردنية وفلسطينية. وتقرر، في مؤتمر القمة العربي الثاني، أن تسهم الدول العربية في ميزانية جيش التحرير، كلٌّ حسب نصيبها في ميزانية الجامعة العربية؛ مضافاً إليها مليون دينار أو مليونان من الكويت، ومليون من العراق، ومليون من المملكة العربية السعودية. وكذلك أقر الملوك والرؤساء العرب، كافة خطط منظمة التحرير الفلسطينية، على المستوى العسكري والسياسي والمالي والتنظيمي والإعلامي.

          وكان عام 1967، عام بداية التجربة الكبرى لجيش التحرير الفلسطيني؛ فقد شارك في حرب يونيه 1967، مشاركة فعليَّة. فبعد خروج قوات الطوارئ الدولية من غزة، وجّه رئيس المنظمة رسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر، في 21 مايو 1967، أعلن فيها وضع وحدات جيش التحرير في قطاع غزة، تحت تصرف الجمهورية العربية المتحدة. وعلى الرغم من النهاية، التي آلت إليها هذه الحرب، فقد أعاد ذلك الجيش تجميع نفسه، قبْل أن ينصرم العام؛ ليبرز، من جديد، في العام الذي تلاه، على مسرح الكفاح المسلح، الذي أجمعت عليه جميع التنظيمات الفلسطينية المسلحة. وفي فبراير 1968، تأسست قوات التحرير الشعبية، التابعة لجيش التحرير الفلسطيني. وتبنّت في حربها على العدوّ، نظام القطاعات والوحدات والقواعد، على غرار الفدائيين. وبعد خروج قوات المقاومة الفلسطينية من الأردن، عام 1971، بقيت فيه إحدى كتائب قوات القادسية؛ وتحولت، لاحقاً، إلى كتيبة زيد بن حارثة المستقلة. وكذلك تشكلت كتيبة جديدة، في سورية؛ وكتيبة مدفعية، بين عامَي 1971 و1973، تابعة لكتيبة القادسية؛ كما تشكلت كتيبة مصعب بن عمير المستقلة، وضمت ضباطاً مفرزين من جيش التحرير الفلسطيني، وبقايا قوات التحرير الشعبية.

          وشاركت وحدات جيش التحرير الفلسطيني في حرب أكتوبر؛ إذ حاربت قوات عين جالوت، وقوة من الثورة الفلسطينية، وخاصة من "حركة فتح"، في الجبهة المصرية، على قناة السويس؛ وكتيبة مصعب بن عمير، مع قوة من "حركة فتح"، في الجنوب اللبناني؛ وقوات حطين والقادسية، في الجبهة السورية.

          وبعد حرب 6 أكتوبر 1973، ظل جيش التحرير الفلسطيني موزعاً في الدول العربية، على النحو الآتي:

          أ. كتيبة زيد بن حارثة، في الأردن.

          ب. كتيبة عين جالوت، في مصر.

          ج. كتيبتا حطين والقادسية، في سورية.

          د. كتيبة مصعب بن عمير، في لبنان.

          أماكن تدريب جيش التحرير الفلسطيني
          واكب قيام منظمة التحرير الفلسطينية ظروف صعبة. وقد أسفر تعدد التنظيمات، السياسية والحزبية، في الساحة الفلسطينية؛ إضافة إلى المواقف العربية المختلفة من الكيان الفلسطيني، عن اختلاف وجهات النظر في كثير من القضايا. غير أن التفاف الشعب الفلسطيني حول المنظمة، ودعم مصر لها، بقيادة زعيمها، جمال عبدالناصر ـ أسهما في تمكينها من تخطي مصاعب المرحلة الأولي من التأسيس، وساعداها على إرساء المؤسسات العسكرية، وافتتاح أماكن للتدريب. فاستقبلت مراكز التعبئة والتجنيد، في قطاع غزة، المتطوعين، بعد صدور القانون الرقم 4، لعام 1965، في شأن الخدمة، العسكرية والوطنية، في القطاع، والذي نص، في المادة الأولى، على أن الخدمة العسكرية إجبارية، ومفروضة على الذكور، ابتداء من سن الثامنة عشرة حتى الثلاثين. وأقيمت معسكرات لتدريب الفلسطينيين على حمل السلاح، في كلٍّ من مصر وسورية والعراق والجزائر؛ فأشرفت عليه الإدارة المصرية؛ واتخذ جيش التحرير الفلسطيني سيناء ميداناً لتدريباته ومناوراته العسكرية بالذخيرة الحية. وقد تخرجت أول دفعة من جيش التحرير، في سورية.

          غير أن عدد أولئك المتدربين، كان قليلاً؛ بسبب الافتقار إلى أماكن تدريب ملائمة؛ إذ إن بعض الدول العربية، رفضت استقبال فلسطينيين، لهذا الغرض، مثل لبنان، الذي أصدر قانوناً، عام 1962، يمنع أي فلسطيني من السفر إلى الخارج، من أجل التدريب، ثم العودة إليه. أمّا الأردن، فقد بلغ رفضه التدريب الفلسطيني على أراضيه حدَّ الخلاف مع المنظمة. وهو ما اضطر المنظمة إلى البحث عن أماكن أخرى، مثل موسكو والصين، والتي كشف عنها رئيس المنظمة، في اجتماع الدورة الثالثة للمجلس الوطني الفلسطيني، في غزة، في 20 مايو 1966؛ إذ أعلن أن الصين، تقدم العون العسكري إلى المنظمة، من دون شرط، ومن غير قيد.

          شارك جيش التحرير الفلسطيني في كافة العمليات العسكرية، في حربَي 1967 و1973، ومعارك سبتمبر 1970، في الأردن؛ فضلاً عن حصار بيروت، وحصار طرابلس، وحصار المخيمات، إبّان الحرب اللبنانية. وأعيد تنظيمه عام 1982، بعد الخروج من بيروت؛ واندمج فيه معظم قوات "حركة فتح" العسكرية (العاصفة).

          وتشرف الدائرة العسكرية للمنظمة، إستراتيجياً، على القوات العسكرية التابعة لها؛ وذلك من خلال القيادة العامة لقوات الثورة. وتتولّى اللجنة التنفيذية تعيين القائد العام لهذه القوات، ورئيس أركانها. ويعيِّن القائد العام أعضاء المجلس العسكري الأعلى، برئاسته.

          وتشرف الدائرة العسكرية، كذلك، على كلية أركان حرب الثورة الفلسطينية، التي تضطلع بتدريب الضباط وإعدادهم للخدمة في صفوف القوات، التي عانت محدودية فاعليتها؛ لوجودها خارج أراضي فلسطين.

          (11) الصندوق القومي الفلسطيني (الملحق الرقم 8)
          عام 1964، وبموجب المادة الرابعة والعشرين من النظام الأساسي للمنظمة، أنشئ الصندوق القومي الفلسطيني؛ ويديره مجلس إدارة، يشكَّل بموجب نظام أساسي خاص بالصندوق، يقره المجلس الوطني؛ كما ينظم أعمال مجلس الإدارة في:

          أ. تسلّم جميع الموارد المختلفة للصندوق.

          ب. تمويل المنظمة، وجميع الأجهزة التي تنبثق منها، وفق ميزانية سنوية، تضعها اللجنة التنفيذية، ويقرها المجلس الوطني.

          ج. تنمية موارد الصندوق، بكافة الوسائل والإمكانات.

          د. الإشراف على أعمال الجباية، وتأليف اللجان التي تضطلع بذلك.

          هـ. الإشراف على النفقات، التي تحتاج إليها المنظمة، وتنظم وسائل صرفها ومراقبتها.

          و. وضع نظام مالي خاص، تنظم بموجبه عمليات سحب الأموال وصرفها، ضمن حدود الميزانية.

          وتودع أموال الصندوق المصارف العربية، التي يختارها مجلس الإدارة. وفي عام 1970، قرر المجلس الوطني، في دورته السابعة، أن الصندوق هو الجهاز الذي يتلقى سائر المعونات والمساعدات المالية، المتعلقة بالصمود.

          تبلغ مدة مجلس الإدارة ثلاث سنوات، قابلة للتجديد، بعد موافقة اللجنة التنفيذية. بينما ينتخب المجلس الوطني رئيس مجلس الإدارة، منذ الدورة الأولى، من بين أعضاء المجلس الوطني؛ ويُعَدّ، بهذه الصفة، عضواً في اللجنة التنفيذية، التي تختار أعضاء مجلس الإدارة؛ وعددهم أحد عشر عضواً، على الأقل. ويعقد المجلس اجتماعات دورية، يحضرها رئيس تلك اللجنة.

          يمثل الصندوق المنظمة في المؤسسات والمنظمات الاقتصادية، العربية والدولية، ويشارك في مؤتمراتها. وقد تابع الصندوق، من خلال وحدة الحوار العربي ـ الأوروبي في المنظمة، الجانب الاقتصادي من الحوار. وتولى رئاسة مجلس الإدارة: عبدالمجيد شومان عام 1964، خالد اليشرطي عام 1969، زهير العلمي عام 1970، يوسف الصايغ عام 1971، وليد قمحاوي، عام 1974، صلاح الدباغ عام 1981، جويد الغصين عام 1983 وحتى الآن.

          (12) مصادر موارد الصندوق
          حددت المادة الرقم 25 من النظام الأساسي، ستة مصادر للصندوق:

          أ. ضريبة محددة، تُفرض على الفلسطينيين، وتُجبى حسب قواعد خاصة توضع لهذا الغرض:

          وتسمى هذه الضريبة بضريبة التحرير. وكانت تشكل، في بداية إنشاء المنظمة، 84 % من ميزانيتها، حتى عام 1974. وهي تستقطع، بمعرفة الحكومات العربية، من دخول الفلسطينيين العاملين في عدد من الدول العربية؛ وتراوح قيمتها بين 3 و6 % من دخل كلٍّ منهم. وأصدرت وزارة الخزانة المصرية، في 3 نوفمبر 1969، تعليماتها إلى الوزارات، باقتطاع 3% من رواتب أبناء فلسطين العاملين فيها، في مصلحة الصندوق القومي الفلسطيني، بدءاً من نوفمبر 1969.

          ب. المساعدات المالية، التي تقدمها الحكومات العربية، بعد أن تقررها مؤتمرات القمة العربية:
          (1) أقرت القمة، عام 1964، منح المنظمة إسهاماً مالياً سنوياً.

          (2) قررت القمة العربية، في الرباط، عام 1974، دعم المنظمة بخمسين مليون دولار؛ تدفعها الدول العربية المنتجة للنفط.


          (3) أقرت القمة العربية، في بغداد، عام 1978، بعد اتفاقات كامب ديفيد، دعم المنظمة بثلاثمائة مليون دولار، سنوياً، للعشر سنوات التالية.

          ج. التبرعات والهبات
          كانت الكويت تقتطع نسبة 1 % من مرتبات المدرسين الكويتيين، في مصلحة المنظمة. وللغاية نفسها، فرضت دبي ضرائب على الفنادق والتلغراف وتذاكر الطائرات. فضلاً عن إسهامات الغرفة التجارية الأردنية، والتبرعات الشعبية. ويتولّى الصندوق صرف هذه الأموال، وفقاً للصيغة التي تضعها اللجنة التنفيذية.

          د. طابع التحرير، الذي تصدره الدول العربية؛ لاستخدامه في المعاملات البريدية وغيرها.

          هـ. القروض والمساعدات، العربية والصديقة.

          و. أيّ موارد أخرى، يقرها المجلس الوطني الفلسطيني.

          (13) جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني
          تؤدي الجمعية مهام دائرة الصحة في المنظمة. وقد أسستها "حركة فتح"، في نهاية عام 1968، في الأردن. وعهد إليها المجلس الوطني، في دورته السادسة، في سبتمبر 1969، بالخدمات الطبية للفلسطينيين، وإنشاء العيادات والمستشفيات؛ فتوسعت خدماتها لهم، في الدول العربية.

          وتقدم إليهم الجمعية خدمات، اجتماعية وثقافية، كذلك، طاولت أُسَر الجرحى والمعتقلين. وللجمعية هيكل تنظيمي، يضم أنشطة الجمعية، في مجالات: الطب والشؤون الاجتماعية والإحصاء والتخطيط والتدريب والإعلام والعلاقات العامة.

          وتعاني الجمعية وأنشطتها الأوضاع غير المستقرة، أمنياً وسياسياً؛ ونقص الكادر المتخصص؛ والافتقار إلى إحصاءات سكانية؛ ونقص الأجهزة الطبية والحديثة، والاعتمادات المالية.

          (14) مركز الأبحاث الفلسطيني
          تأسس عام 1965، في بيروت. ويتبع، مباشرة، رئيس اللجنة التنفيذية. ويتمتع باستقلالية نشاطه. وتموله المنظمة. وقررت الجامعة العربية المساهمة في تمويله، عام 1972. ويستهدف المركز تغطية الصراع العربي ـ الصهيوني بالدراسات؛ وتزويد مؤسسات المنظمة وأجهزتها بالمعلومات، التي تفيدها في نشاطها، السياسي والإعلامي؛ وجمع الوثائق والكتب والدراسات، وإنشاء مكتبة متخصصة لذلك.

          وتضم أقسامه: المكتبة، والأرشيف الصحفي، وقسم إصدار اليوميات الفلسطينية، ونشرة رصد إذاعة إسرائيل، وإصدار مجلة "شؤون فلسطينية"، وأقساماً بحثية لإصدار دراسات، فلسطينية ودولية وإسرائيلية.

          تعرض المركز لاعتداءات، بالقنابل، بدءاً من عام 1969. واقتحمته القوات الإسرائيلية، حينما دخلت بيروت الغربية، في 15 سبتمبر 1982؛ فنهبته، ونقلت محتوياته كاملة إلى إسرائيل. ولكن المنظمة اشترطت إعادتها، في خلال المحادثات لتبادل أسرى الحرب، من طريق الصليب الأحمر، عام 1983؛ فاستعادتها مع الأسرى الفلسطينيين.

          وأغلقت النيابة العسكرية اللبنانية مركز الأبحاث، في يونيه 1983. وفشلت محاولات إعادة إنشائه، من خلال بعض الدول العربية، حتى صيف 1984، حين استأنف نشاطه من قبرص.

          ترجع أهمية المركز إلى إتِّباعه الأسلوب العلمي، في عمله ودراساته. وحفز نجاحه إلى إنشاء عدد من المراكز المشابهة، تناولت الصراع العربي ـ الإسرائيلي، في عدد من الدول العربية.

          وحرص المركز على تأكيد كونه مؤسسة بحثية، ليس من مهامها الإعلام، ولا التعبئة، ولا إعداد المذكرات السياسية للاجتماعات والمؤتمرات، ولا التخطيط، ولا النطق باسم المنظمة. إلا أنه رسخ تقليداً، في التعاون والتنسيق مع أجهزة المنظمة، ومراكز الأبحاث المعنية بالقضية الفلسطينية.



          ثانياً: السلطة القضائية

          [line]

          تكونت مؤسسات هذه السلطة، في سياق تشكيل البنى المختلفة للمنظمة؛ وإن تأخر نموّها عن سواها من السلطات.

          بدأ التفكير في إنشاء سلطة قضائية، في عمّان. وكوِّنت محكمة أمن الثورة، بنظام خاص؛ إضافة إلى المجالس الشعبية، في العديد من أماكن التجمعات الفلسطينية. وشكِّلت محكمة خاصة لجيش التحرير، في عقب الخروج من الأردن، عام 1971. ووضعت قوات اليرموك قانوناً للعقوبات العسكرية لقوات الثورة الفلسطينية؛ وأجاز تشكيل المحاكم العسكرية، كلما دعت الحاجة إلى ذلك. كما اختصت "حركة فتح" بجهاز للقضاء الثوري، في أبريل 1973، تعرض لعدة تعديلات، بعد ذلك؛ فضلاً عن محكمة أمن الثورة العسكرية العليا. وأصدر ياسر عرفات قراراً، في الأول من مايو 1978، بصفته رئيساً للجنة التنفيذية، والقائد العام لقوات الثورة؛ واستناداً إلى قرارات المجلس الوطني، أنشئ بمقتضاه جهاز للقضاء الفلسطيني، سمي "هيئة القضاء الفلسطيني". وعيّن مدير القضاء الثوري لـ"حركة فتح" مسؤولاً عنه؛ لتوحيد القضاء في فتح والمنظمة. كما صدر قرارات، لتنظيم أعمال الهيئة، وقوانين، المحاكمات والعقوبات والسجون، ونظام رسوم المحاكم.



          ثالثاً: أشكال تنظيمية أخرى

          [line]

          1. استحدثت المنظمة، خلال مرحلة بيروت، في السبعينيات، "اجتماعات الأمناء العامين"؛ لتشمل قادة التنظيمات الفلسطينية؛ لتسهيل التوصل إلى قرارات، بالإجماع، وخاصة أن بعضهم غير ممثل لتنظيماته في اللجنة التنفيذية؛ وحتى يشاركوا مشاركة مباشرة، ورسمية، في عملية اتخاذ القرار. وأعطيت هذه الاجتماعات صفة رسمية، وقد عقدت بصفة منتظمة، وشملت إلى أعضائها أعضاء اللجنة التنفيذية، ورئيس المجلس الوطني. وقد انتهى هذا الشكل، بعد الخروج من بيروت، عام 1982.

          2. حل محل هذا الشكل السابق، في الثمانينيات، "اجتماع القيادة الفلسطينية"؛ ليضم جميع أعضاء المجلس المركزي، كافة أعضاء اللجنة المركزية لفتح، أو معظمهم، وممثلين للتنظيمات الأخرى، وذلك بهدف أن يكون هذا الشكل استشارياً، وله سلطة معنوية، تعبّر عن الأوضاع، على الصعيد الفلسطيني؛ وتقديم توصيات الاجتماع إلى اللجنة التنفيذية، التي تنظر فيها وتتبناها.


          يتضح من العرض السابق للبنية التحتية للمنظمة، أن قيادتها، عملت مثل كلِّ قيادات الدول حديثة الاستقلال، ضمن جهودها في بناء الحركة الوطنية وتوسيعها، على تحقيق هدف مزدوج في بناء المؤسسات، ويتمثل في <a href=http://forums.palvoice.com/attachment.php?attachmentid=4933&stc=1 target=_blank> (الشكل الرقم 1) </a>

          أ . تحقيق فوائد عملية، نفعية؛ وبناء الدولة.

          ب. استخدام الوطنية بصفتها أيدلوجية، ما أعطى الفلسطينيين إطاراً رمزياً، يستطيعون من خلاله صياغة السياسات، ومواجهة المشاكل السياسية.

          ومن تلك البنية، انبثقت المؤسسات، التي تنشط لبقاء الوطنية الفلسطينية، على المدى البعيد، مثل: مجالات الثقافة والإعلام، والصحة، والتعليم، والرفاهية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنظيمات الشعبية؛ وخاصة أن الصلاحيات الممنوحة لكلّ مؤسسة من مؤسسات المنظمة، ليست محددة تحديداً قاطعاً؛ ما أدى تعدد النشاط الواحد لغير جهة؛ لأن مثل هذه الأنشطة، يعكس القِيم الرئيسية للحركة الوطنية للفلسطينيين.

          تعليق


          • #6

            الفصل الثالث
            الفصائل والأحزاب الفلسطينية



            كان من أهم نتائج الحرب العربية ـ الإسرائيلية، عام 1948، أن الفلسطينيين فقدوا كيانهم السياسي، القانوني، المستقل؛ بل هجروا أرضهم إلى تجمعات متباعدة، لم تكن سبل الاتصال بينها متيسرة. فقد عُدَّ من تبقى منهم داخل إسرائيل "عرباً إسرائيليين" أي مواطنين في الدولة الإسرائيلية الجديدة. أمّا سكان الضفة الغربية، فأصبحوا يحملون الجنسية الأردنية، بعد مؤتمر أريحا، الذي عقد في الأول من ديسمبر 1948. وبقي قطاع غزة، هو الجزء الوحيد المتبقي من فلسطين، والذي أعطيت إدارته للحكومة المصرية، من دون أن يُضَم إلى مصر. أمّا الذين هاجروا من فلسطين، فقد أطلق عليهم لاجئون، سواء في قطاع غزة والضفة الغربية أو البلاد العربية، في سورية ومصر ولبنان. وأصبح الشعب الفلسطيني، في هذه الفترة، مشتتاً بين الدول، العربية والعالمية.

            وعلى أثر حرب فلسطين، عام 1948، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 8 ديسمبر 1949، القرار الرقم 302، القاضي بإنشاء وكالة الأمم المتحدة، لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، في الشرق الأدنى. وقد بدأت هذه الوكالة أعمالها، في مايو 1950. وشملت مسؤولياتها الإشراف وتقديم المساعدة إلى اللاجئين الفلسطينيين، في كلٍّ من سورية والأردن ولبنان وقطاع غزة. وأنشأت الوكالة الأجهزة الإدارية اللازمة لأعمال الإغاثة والتعليم والصحة والإسكان. وعلى الرغم من أن هيئة الأمم المتحدة، تكفلت بالإنفاق عليها، فإن خدماتها، كانت، ولا تزال، هزيلة.

            لقد تميزت الفترة، الواقعة بين عامَي 1949 و1969، بظهور عدد من التنظيمات الفلسطينية، المنتشرة على امتداد الساحة العربية، والتي تؤكد، في مجموعها، الذات الفلسطينية، وضرورة إبرازها وتنظيمها، تمهيداً للعمل المسلح. ومن تلك التنظيمات ما كان عائلياً أو حزبياً أو عقائدياً، فكان هناك حركة الإخوان المسلمين، وحزب البعث، وحركة القوميين العرب، والشيوعيون، إلى جانب الأحزاب الفلسطينية التقليدية القديمة، بجذورها العائلية. وفي عام 1965، انطلقت "حركة فتح"، وبدأت المنظمات الفلسطينية الأخرى تتبلور. وبدأت الأحزاب الفلسطينية تفرز قواتها، مثل حركة القوميين العرب، التي أفرزت الجبهة الشعبية، ثم الجبهة الشعبية، أفرزت الجبهة الديمقراطية. وكذلك حزب البعث، في سورية، أفرز الصاعقة؛ وحزب البعث، في العراق، أفرز الجبهة العربية. وهكذا وُجدت على الأرض الفلسطينية، بعد عام 1965، أكثر من عشرة تنظيمات فلسطينية، استمر بعضها فعالاً، وبعضها الآخر غير فعال إلى يومنا هذا.

            بعض هذه التنظيمات، قد تبني إستراتيجية الكفاح المسلح أسلوباً للتحرير. وعزّز هذا الاتجاه انتصار الثورة الجزائرية، عام 1962، ونجاحها في تحقيق الاستقلال بالثورة الشعبية المسلحة. وكذلك عزّزه انهيار الوحدة بين مصر وسورية، عام 1961، الذي سلب أبناء فلسطين أملهم، أن يتحد العرب من أجل تحريرها؛ وجعلهم يوقنون بأن لا بد من الاعتماد على أنفسهم. ومن أهم تلك التنظيمات الفلسطينية، التي شقت طريقها، بالكفاح المسلح، "حركة فتح".

            تعليق


            • #7

              المبحث الأول
              حــــــــركـة فــــتـــــح




              هي رمز إلى حركة التحرير الفلسطينية. تكوّن حروفها الأولى مادة "حتف"، فإذا ما قُلِبَت، أصبحت تكون كلمة "فتح". تأسست الحركة في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، بعد اندماج شبكات عاملة في مخيمات اللاجئين، وتجمعات الطلبة الفلسطينيين في المهجر، والجاليات الفلسطينية النامية في دول الخليج العربي الغنية؛ وهي التي كانت تؤمن بالوطنية الفلسطينية، مناقضةً بذلك الأحزاب المؤمنة بالقومية العربية، التي لا تلبي الطموح الفلسطيني الحقيقي؛ لأنها كانت تطرح صراعات بعيدة كل البعد عن القضية الأساسية، قضية فلسطين.

              ويرجع أحد قادة فتح أساس فكرة إنشاء الحركة، إلى تجربة "جبهة المقاومة الشعبية"، ذلك التحالف القصير الأجل، بين الإخوان المسلمين والبعثيين، أثناء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، عام 1956. ويشير سليم الزعنون، العضو المؤسس في "حركة فتح"، إلى أن تلك التجربة القصيرة، كانت مسؤولة عن وضع جنين الحركة؛ إذ إن نحو 12 شخصاً، من أعضاء "جبهة المقاومة الشعبية"، قد اجتمعوا، في حي الزيتون، في مدينة غزة، حيث وضعوا خطة لتنظيم جبهة في فلسطين، كانت فتح هي صورته النهائية.

              وتجمع المصادر على أهمية الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، عام 1956، في تأسيس "حركة فتح"؛ وتَعدّه نقطة التحول في مسيرة النضال الشعبي الفلسطيني؛ إذ وجد الشباب الفلسطيني نفسه، للمرة الأولي، وجهاً لوجه، أمام العدو المحتل؛ فضلاً عن أهمية حرب السويس بعامة، التي كانت هزة عنيفة للفلسطينيين، ومصدر إلهام لما يمكن عمله من أجل فلسطين. لم يكن، إذاً، تأسيس الخلية الأولى، في تنظيم فتح السري، عام 1958، أي بعد عام واحد من نهاية الاحتلال، محض مصادفة؛ وإنما نتيجة لفترة سبقتها.

              بعد نشوء دولة إسرائيل، وتشريد الفلسطينيين، أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات؛ وفشل الحكومة العربية لعموم فلسطين؛ وعجز اللجنة العربية العليا، التي يقودها المفتي؛ وغياب تنظيم، يجسد الشرعية الفلسطينية تجسيداً حقاً وفاعلاً؛ والمعاناة التي تسببت بها الأنظمة العربية، وضم الضفة الغربية إلى الأردن؛ كل أولئك، دفع جماعة من الشباب الفلسطيني، في القاهرة، ومعظمهم طلاب، يلتفون حول ياسر عرفات؛ ومنهم أبو يوسف النجار، وأبو إياد (صلاح خلف)، وعبد الفتاح حمود، إلى تشكيل الخلايا السرية. وعن ذلك يقول أحمد محمد حلس: "ولقد رأوا أن ينطلق هذا التنظيم من المصلحة الفلسطينية، والخصوصية الفلسطينية، دون تجاهل البعد العربي للقضية الفلسطينية؛ وأن يكون هذا التنظيم مستقلاً عن الأحزاب السياسية العربية، وأن يكون جميع أعضائه من الفلسطينيين؛ ما دفعهم إلى القول بأهمية أن نأخذ نحن الأمور بأيدينا ".

              ويذكر خليل الوزير، وهو أحد القادة المؤسسين لـ"حركة فتح"، أن اللقاء الأول للحركة، كان في النصف الأخير من عام 1957، في الكويت، حيث التقي خمسة فلسطينيين، جاءوا من مناطق مختلفة، وشكلوا القاعدة التنظيمية الأولي، التي كانت على ارتباط مع امتدادات تنظيمية، في كلٍّ من مصر وغزة والأردن وسورية ولبنان والمملكة العربية السعودية وقطَر والعراق.

              ويذكر صلاح خلف، أن انطلاقة فتح أو تشكيلها النهائي، قد كان عام 1961، نتيجة لتوحيد معظم الخمس والثلاثين أو الأربعين منظمة فلسطينية، التي كانت قد نشأت في الكويت نشوءاً عفوياً؛ واندماجها في منظمة، كانت قائمة، في كلٍّ من قطَر والمملكة العربية السعودية، ويقودها محمود عباس (أبو مازن)، ومحمد يوسف النجار، وكمال عدوان، الذين أصبحوا أعضاء اللجنة المركزية لـ"حركة فتح"؛ وقد استشهد الأخيران، على يد قوة إسرائيلية، في بيروت، في أبريل 1973.

              أما أحد أعضاء اللجنة المركزية، ويدعى خالد الحسن، فيذكر أن تاريخ التوحيد النهائي لقوات فتح الأساسية، قد كان عام 1962؛ وما نشأ قبل هذا التاريخ، لا يعدو كونه جماعات محلية، مستقلة.

              إن بدايات "حركة فتح"، قد كانت في الخمسينيات، حينما أغارت الطائرات الإسرائيلية على قطاع غزة، عام 1955، فتظاهر الطلبة في جامعة القاهرة؛ فاستدعاهم الرئيس جمال عبدالناصر، وطلب منهم أن يشكلوا وفداً لزيارة غزة. كوِّن الوفد من ياسر عرفات، وصلاح خلف، وسليم الزعنون، الذين ذهبوا إلى غزة، حيث اجتمع ياسر عرفات، رئيس اتحاد الطلبة، في ذلك الوقت، مع خليل الوزير، الذي كان رئيس تحرير مجلة "فلسطيننا"، التي تكتب في مدرسة خالد بن الوليد. فأجرى رئيس التحرير مقابلة مع ياسر عرفات، وقدم إليه صورة عن الوضع في القطاع؛ وكانت هذه أول مرة، يلتقي فيها الرجلان. ومنذ تلك الفترة، بدأ التخطيط لتنظيم مسلح؛ إذ التقيا، مرة ثانية، في القاهرة، عام 1956؛ ومرة ثالثة، في الكويت، حيث راحا يفكران ويناقشان قضايا شعبهما، وتعاهدا على أن يعملا شيئاً لقضيتهم. وفي اليوم التالي، اجتمعا في منزل عادل عبدالكريم، ومعهم يوسف عميرة، ومحمد شديد، وتعاهدوا على تأسيس حركة. ولم تكن أفكار ياسر عرفات وخليل الوزير وعادل عبدالكريم، بدعاً في المنطقة؛ بل كان هناك جماعات كثيرة، تنادي بالعمل من أجل التوحيد، وتحرير فلسطين.

              ومهما اختلف المعاصرون للأحداث، في تاريخ البداية الحقيقية لنشوء "حركة فتح"؛ إلا أن نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، كانت فترة ميلادها الحقيقي.

              ويمكن القول، إن أهم العوامل، التي ساعدت على إنشاء "حركة فتح"، هو انفصام الوحدة المصرية ـ السورية، عام 1961؛ وعدم قدرة الدول العربية على منع إسرائيل من استغلال مياه نهر الأردن في ري صحراء النقب؛ وشروع الدولة العبرية في صنع السلاح النووي. وقد أقنعت هذه العوامل مجتمعة الوطنيين الفلسطينيين، ولا سيما رجال فتح، بأن الرياح ليست في مصلحة العرب بعامة، والفلسطينيين بخاصة؛ وأن مواجهة الدول العربية إسرائيل، عسكرياً، هي ضعيفة، بل مستبعدة. ولذلك، شرعت فتح تنشئ قواعدها في الجزائر، عام 1962؛ وفي سورية، عام 1964، حتى استكملت جناحها العسكري، "العاصفة"، والذي كانت باكورة عملياته في الأول من يناير 1965، على أرض فلسطين المحتلة (إسرائيل).

              كان مؤسسو "حركة فتح"، يرون أهمية وجود تنظيم قيادي فلسطيني، يجمع الشعب الفلسطيني، ويقوده في معركة تحرير الوطن، معتمداً عليه هو نفسه، سواء في عملية التمويل أو المد الفكري. وألاّ يكون ذا طابع حزبي، ولا موالياً ولا معادياً لأيِّ دولة عربية. تنظيم يكون ارتباطه بالشعب الفلسطيني متجدداً، أساسه التكافل الاجتماعي، والوحدة الوطنية؛ والتعامل مع الدول العربية، بقدر ما تقدمه من إيجابيات للقضية الفلسطينية، سواء في المحافل الدولية أو في محافلها الداخلية.

              لقد اتسمت المرحلة الواقعة بين عامَي 1959 و1964، بتوسع "حركة فتح" العددي والتنظيمي، والتي أطلق عليها صلاح خلف مرحلة "إعداد الأطر والكوادر"؛ حيث نشأت مئات الخلايا، على أطراف دولة إسرائيل، في الضفة الغربية وغزة، وفي مخيمات اللاجئين في سورية ولبنان، وكذلك داخل التجمعات الفلسطينية في البلدان العربية الأخرى، وفي إفريقيا وأوربا، بل في الأمريكتَين: الشمالية والجنوبية.

              وفي البداية، لم تتلقَّ "حركة فتح" دعماً مالياً، من قبل أيّ حكومة عربية؛ بل كانت تعتمد على أموال ضئيلة من مؤسسيها، اشترت بها أسلحة خفيفة، وسيئة الجودة. وكان من أهم المشاكل، التي واجهت الحركة، عملية إعداد الفدائيين. ويقول صلاح خلف: "كان النظام العربي الوحيد، الذي يؤيدنا، عام 1964، هو نظام بن بيلا، الذي رخص لنا بإقامة ممثلية في الجزائر. غير أن بن بيلا، الذي كان وثيق الصلة بعبدالناصر، كان يرفض إعطاءنا أيّ دعم مادي؛ وإنما تسلمنا أول شحنة من سلاح، من الجزائر، عام 1965، عندما تسلم أبو مدين مقاليد السلطة ". ويتضح من قول أحد رجالات الثورة الفلسطينية، أن عبدالناصر، كان يمد الثورة الفلسطينية، سراً؛ ولا يريد أن يطلع بن بيلا على دعمه لها. وكذلك استفادت "حركة فتح" من دول الخليج؛ وعن ذلك يقول أحد المعاصرين: "إن الحركة كانت بحاجة ماسّة إلى المال... وكان في وسعنا أن نناضل بحُرية أعظم في دول الخليج، حيث مصالح الأمن أقلّ تطوراً، وحيث قادة هذه البلاد أكثر تهيؤاً إزاءنا؛ بخلاف الحال في البلدان المجاورة لإسرائيل


              ارتكزت "حركة فتح" على مبادئ أساسية، هي:
              1. فلسطين جزء من الوطن العربي. والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية، وكفاحه جزء من كفاحها.

              2. الشعب الفلسطيني ذو شخصية مستقلة، وصاحب الحق في تقرير مصيره، وله السيادة المطلقة على جميع أراضيه.

              3. الثورة الفلسطينية طليعة الأمة العربية، في معركة تحرير فلسطين.

              4. نضال الشعب الفلسطيني جزء من النضال المشترك لشعوب العالم، في مواجهة الصهيونية والاستعمار والإمبريالية العالمية .

              5. معركة تحرير فلسطين واجب قومي، تسهم فيه الأمة العربية، بكافة إمكاناتها وطاقاتها، المادية المعنوية.

              6. المشاريع والاتفاقات والقرارات، التي صدرت أو تصدر عن هيئة الأمم المتحدة، أو مجموعة من الدول، أو أي دولة منفردة، في شأن قضية فلسطين، والتي تهدر حق الشعب الفلسطيني في وطنه، باطلة، ومرفوضة.

              7. الصهيونية حركة عنصرية، استعمارية، عدوانية، في الفكر والأهداف والتنظيم والأسلوب.

              8. الوجود الإسرائيلي في فلسطين غزو صهيوني، عدواني، قاعدته استعمارية توسعية؛ وهو حليف طبيعي للاستعمار والإمبريالي ة العالمية.

              9. تحرير فلسطين والدفاع عن مقدساتها، واجب عربي، وديني، وإنساني.

              10. حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) حركة وطنية ثورية مستقلة. وهي تمثل الطليعة الثورية للشعب الفلسطيني.

              11. الجماهير الثائرة، والتي تضطلع بالتحرير، هي صاحبة الأرض، ومالكة فلسطين.

              قبل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، اجتمعت "حركة فتح" في الكويت؛ لكي تقرر موقفها منه. وفي هذا الاجتماع، هناك من رأى أنه يجب التعامل السلبي مع هذا الموضوع، من منطلق أن الفكرة عملية إجهاضية، من بعض الدول العربية؛ لأنها لا تريد أن يكون هناك عمل ثوري، شعبي؛ وإنما يجب استبداله، أو سد الطريق أمامه، بإيجاد عمل شعبي رسمي، حتى يمكن السيطرة على أي عمل فدائي، ينطلق في هذه المنطقة. وهناك في قيادة "حركة فتح" من رأى أنه يجب التعامل تعاملاً إيجابياً مع منظمة التحرير الفلسطينية؛ وأنه لا بدّ من الاتصال بأحمد الشقيري، وتشجيعه على هذا الموضوع.

              وفي صيف 1964، أرسلت "حركة فتح" مندوباً عنها، وهو ياسر عرفات، إلى ليبيا؛ للاجتماع بالسيد أحمد الشقيري، وإبلاغه ما تريد أن تفعله. ووفقاً لشهادة أحد المعاصرين، "حمل ياسر عرفات معه إلى الشقيري، قبل دخوله مؤتمر القمة العربي الثاني، العرض الآتي: "نحن قررنا أن ننطلق، في بداية 1965، كحركة فتح. ولكن، نحن على استعداد، أن نقدم موعد الانطلاقة إلى ما قبل اجتماع القمة؛ لكي تدخل أنت مؤتمر القمة العربي، ممثلاً لثورة، انطلقت في داخل فلسطين، وليس فقط مكلفاً من الجامعة العربية تشكيل هذه المنظمة". الشقيري استحسن الفكرة، ولكن طلب تأجيلها. ووعد عرفات، أن يكون نصيراً ومتعاوناً مع حركة التحرير الفلسطيني، فتح، في المستقبل".

              كان إعلان الدول العربية إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، في 28 مايو1964، حافزاً لمؤسسي "حركة فتح" إلى الانتقال إلى مرحلة العمليات العسكرية؛ إذ لم تقاطع الحركة المؤتمر الفلسطيني الأول، الذي انبثقت منه منظمة التحرير الفلسطينية؛ على الرغم من وقوع المؤتمر تحت الوصاية العربية. ويقول صلاح خلف عن سبب حضور "حركة فتح" المؤتمر الفلسطيني الأول: "إن الموقف كان يحتم عدم الانقطاع عن الحياة السياسية الفلسطينية، وضرورة التسرب إلى داخل منظمة غنية، وقوية؛ للإفادة من الوسائل، التي تتمتع بها"، وعن موقف الشقيري من "حركة فتح"، قال خلف: "عرضنا عليه إقامة علاقات سرية بيننا. لكن الشقيري، بدلاً من أن يساعدنا، كما وعد، فإنه راح، بعد ذلك، يحاربنا بأقصى ما لديه من طاقة ". كذلك يقول صلاح خلف: "رغم كل تحفظاتنا، التي كانت وما زالت من منظمة التحرير، قبلنا أن نكون جزءاً منها؛ من أجل الوحدة الوطنية".

              ظلت "حركة فتح" سرية، حتى عُقد مؤتمرها العام الموسع، في دمشق، في أكتوبر 1964؛ وحضره قياديوها في البلدان المعادية لإسرائيل، وخاصة قطاع غزة، والضفة الغربية. واتفقوا على 31 ديسمبر 1964، موعداً لأولى عملياتهم العسكرية، ضد إسرائيل، والتي اضطلعت بها "العاصفة"، الجناح العسكري لـ"حركة فتح". وأعلنت العملية في البلاغ العسكري، الرقم واحد، في الفاتح من يناير1965؛ وكذلك أعلنت بيانها السياسي الأول، الذي أذاعته القيادة العامة لقوات "العاصفة" (الملحقان الرقمان 10، و11).

              حينما أُعلن أول بلاغ عسكري، استثار ردود فعل، فلسطينية وعربية. أمّا ردود الفعل الفلسطينية، فتتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية؛ ويوضحها سليم الزعنون بقوله: "نسجل للشقيري موقفاً مشرفاً، حيث إنه عندما انطلقت حركة فتح، العاصفة، في الأول من يناير 1965، كان هناك في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، من أراد أن يصدر بياناً ضد الانطلاقة، باعتبارها توريطاً لعمل منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن الشقيري منع صدور بيان كهذا، والتزم الصمت ".

              أمّا ردود الفعل العربية، فقد اتهم بعض الدول العربية "العاصفة"، بأنها تعمل في مصلحة وكالة الاستخبارات المركزية (c.i.a)، والبعض اتهم رجالها بأنهم عملاء للشيوعية الدولية. والبعض الآخر سلط عليهم القمع. لا، بل وإن "حركة القوميين العرب"، التي كتبت مقالات عديدة، في مجلة "الهدف"، نددت فيها بمبدأ الكفاح المسلح، الذي رفعته فتح شعاراً إستراتيجياً لعملها الثوري. ولكن، في عام 1966، شعرت تلك الحركة أن معظم أعضائها، قد انضموا إلى قوات "العاصفة"، فبادرت إلى تكوين فريق فلسطيني، يمارس الكفاح المسلح، مثل "حركة فتح"؛ أطلق عليه تنظيم " أبطال العودة"، الذي أصبح، فيما بعد، "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

              استمرت "حركة فتح" في طريقها، بعد الانطلاقة الأولى؛ فتعددت عملياتها العسكرية، وتوسع نفوذها، وقويت اتصالاتها بالدول العربية؛ إذ بعثت بمذكرة إلى المؤتمر الثالث لملوك الدول العربية ورؤسائها؛ المنعقد في الدار البيضاء، في سبتمبر 1965، حددت فيها المنطلقات النظرية لعملها الكفاحي في سبيل تحرير فلسطين؛ وهي:

              1. الإيمان الجازم بأن الكفاح المسلح، هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.

              2. إيمان الحركة بأن الشعب العربي بأسْره، هو مادة الكفاح المسلح.

              3. اعتقاد الحركة بأن الزمن يعمل في مصلحة العدو، وأن المعركة يجب أن تكون اليوم، وليس غداً.

              4. إن معركة تحرير فلسطين، سوف تسفر عن حلّ التناقضات القائمة في الوطن العربي؛ كما أن حرب التحرير، هي وحدها الكفيلة بتوحيد الأمة العربية، ورأب الشقوق والصدوع في بنيانها.

              5. استعداد الحركة للتنسيق والتعاون مع أيّ جهة، فلسطينية أو عربية، تعمل أو تنوي العمل من أجل التحرير واشتراكها في ذلك؛ على أن يكون اللقاء والتعاون في أرض المعركة؛ وإبقاء القيادة في يد الشعب الفلسطيني، وفي منأى عن الخصومات والقيادات السياسية، التي تتنازع في العالم العربي. كذلك، شددت فتح، في مذكرتها، على ضرورة الانطلاق والتحرك من أجل تحرير فلسطين. ورأت العمليات الفدائية تمهيداً لحرب التحرير الشعبية، التي تساعد على تعزيز الثقة لدى الفلسطينيين، ومحاربة عوامل اليأس والانهزام لديهم، وزلزلة الوجود الصهيوني، وخلق جو مشحون بالتحفز والإحساس بالخطر الصهيوني، وكشف أكذوبة قوة إسرائيل ومناعتها.


              عندما انطلقت الثورة الفلسطينية، في الأول من يناير 1965، كان أحد طموحاتها، أن تصبح عامل توحيد للعرب جميعاً، يلتقون عندها، ويحشدون إمكاناتهم لتحرير الأرض الفلسطينية المحتلة. لكن بعض الأنظمة العربية، مثل الأردن ولبنان، كان يقلقها هذا التوجه؛ لأنه كان يستهدف التغيير. فمنعت انطلاقة الثورة من أراضيها. ومن المؤسف، أن أول شهداء "حركة فتح" (الثورة الفلسطينية)، وهو الشهيد أحمد موسى، سقط برصاص النظام الأردني، بعد تنفيذه عملية ناجحة، داخل الأراضي المحتلة. على الرغم من هذه الصعوبات، التي كانت تتعرض لها قوات "العاصفة"، فإنها استمرت في تنفيذ العمليات الفدائية، وإصدار البلاغات العسكرية؛ إذ حذرت إسرائيل، في بلاغها العسكري الرقم 13، الصادر عام 1965، من الاعتداء على المواطنين العرب الأبرياء؛ وأكدت، كذلك، أنها غير تابعة، ولا خاضعة لأيّ دولة أو جهة.

              كذلك، وجهت "العاصفة" بياناً إلى الصحافيين العرب، في مناسبة انعقاد مؤتمرهم الأول، في الكويت، في الفترة بين 8 و13 فبراير1965؛ أعربت فيه عن خيبة أملها، بسبب ما لاقته من فتور الصحافة العربية، وتردد لا يلائم زخم الحدث الثوري، الذي جسدته طلائع الثورة الفلسطينية، في الأول من يناير 1965. وحذرت في بيانها العالم العربي والصحافيين، من أن إسرائيل تحتاج إلى ثلاث سنوات أخرى من التسلح، حتى تحقق أهدافها الإستراتيجية، التي تتمثل في إنتاج السلاح النووي، وتكثيف العمق البشري. وشدد البيان على ضرورة التحرك العربي، من أجل منع العدو من تحقيق هذه الأهداف. وأكدت في بيانها، أنها لن تشهر السلاح في وجْه أيّ جندي أو حاكم عربي.

              إذا كانت "حركة فتح"، فد أعلنت جهادها وكفاحها المسلح، في أوائل عام 1965؛ وتعرضت، منذ ذلك التاريخ، لمتاعب جسيمة وتضحيات مروعة، في سبيل توحيد عملها في مواجهة إسرائيل المغتصبة، واستمرار ثورتها على الكيان الصهيوني، الذي نصبه الاستعمار في فلسطين؛ فقد ذاق ثوارها ألواناً مختلفة من القمع والتعذيب. ففي لبنان، قتل رجال الاستخبارات اللبنانية، في يناير 1966، أحد أعضاء "العاصفة"، ويدعي جلال كعوش، كان يخطط لتنفيذ عملية عسكرية، من الأراضي اللبنانية؛ فاعتُقل، وعُذب، ثم ألقي بجثته من بناية عالية، كي يبدو موته، وكأنه انتحار. وسارع مسؤول في قيادة الجيش اللبناني، في 15 يناير 1966، إلى الإعلان "أن جلال كعوش، كان ينوي القيام بعمل إرهابي، كلف به في 29 ديسمبر، داخل حدود إسرائيل، على رأس زمرة من الفدائيين". وعلى اثر استشهاد كعوش، شهدت العاصمتان: السورية واللبنانية، مسيرات كبرى. وأرسلت "حركة فتح" بمذكرة احتجاج إلى مؤتمر رؤساء حكومات الدول العربية، في 12مارس 1966، تستنكر فيها ما يتعرض له النضال الفلسطيني، من ضغوط وقتل، من قبل بعض الدول العربية. ودعت المذكرة إلى "إطلاق حرية العمل لجميع القوى الثورية الفلسطينية، التي تؤمن بالكفاح المسلح؛ وتهيئة كل أرض عربية محيطة بفلسطين المحتلة، لتكون منطلقاً للتحرير، وليس سجناً للمناضلين".

              ولم يقتصر الأمر على قتل رجال "العاصفة" وسجنهم، ومنعهم من الدخول إلى الأرض المحتلة، لتنفيذ عملياتهم؛ بل إن الأمهات، اللواتي كان يشتبه بسفر أبنائهن، للتدريب العسكري، كُنَّ يخضعنَ، باستمرار، للتحقيق؛ فضلاً عن أن رجال الشرطة في لبنان، كانوا يقتحمون بيوت رجال "العاصفة".

              وتعرضت "حركة فتح" وقيادتها، في سورية، للسجن والتحقيق، في نهاية فبراير 1966؛ بسبب مقتل رجلَين من رجال "العاصفة"؛ كانا يعملان بتوجيه من حزب البعث السوري؛ وهما يوسف بعرابي، ومحمد حشمت. وقاد الحركة، في هذه الفترة، انتصار الوزير (أم جهاد)، التي فقدت أحد أطفالها بسبب انشغالها بالقيادة. ولم يفرج عن السجناء، إلا بعد وساطة فاروق القدومي، ومحمد يوسف النجار، وصلاح خلف، لدى حافظ الأسد، وزير الدفاع السوري، في ذلك الوقت.

              استمرت "حركة فتح" في نضالها العسكري، على الرغم من الطوق، الذي كانت تفرضه عليها الدول العربية المجاورة لإسرائيل. وكانت ترفع المذكرات إلى مؤتمرات القمة العربية، ومجالس الدفاع العربية، تشرح فيها الوضع الفلسطيني الصعب؛ إذ وجهت إحداها إلى مجلس الدفاع العربي الأعلى، المنعقد في منتصف ديسمبر 1966، طالبت فيها بتسليح الشباب، في المدن والقرى الأمامية؛ وتكوين فِرق المقاومة الشعبية، في جميع أنحاء الضفة الغربية؛ وحماية العمل الفدائي؛ وحث جيش التحرير الفلسطيني على التحرك وخوض المعركة المسلحة.

              وفي نهاية عام 1966، ومطلع عام 1967، ازدادت العمليات العسكرية، التي كانت تنفذها "العاصفة"؛ ما دفع النظام الأردني إلى اعتقال 250 شخصاً، كان يشتبه بانتمائهم أو تعاطفهم معها. ولم يفرج عنهم، إلا عشية حرب يونيه 1967. وقد اعترف رئيس الحكومة الإسرائيلية، ووزير دفاعها، ليفي أشكول، يوم الإثنين، 17نوفمبر1966، بشدة عمليات "حركة فتح" العسكرية، قائلاً: "وعلى غرار منظمة الشقيري، تكونت عصابة اسمها فتح، هدفها الأساسي عدم استقرار إسرائيل. وهذه العصابة، جمعت مجموعات من المخربين، أطلقت عليهم اسم "العاصفة... إن حكام سورية، لا يخفون تأييدهم لفتح، ويفخرون بأعمال القتل، التي تقوم بها، ويطلبون استمرارها، علانية... إن الحكم السوري، يسمح بصدور جريدة هذه العصابة في دمشق".

              لقد شاركت قوات "العاصفة" في الدفاع عن أرض الوطن، في حرب 1967، هذه الحرب التي أتاحت لـ"حركة فتح" أن يكون جهادها علنياً، وأن تتربع في صدور العرب، الذين هدتهم الهزيمة، وأحزنتهم الكارثة. ولكن، بعد الهزيمة، تأكد للشعوب العربية بعامة، والشعب الفلسطيني بخاصة، حجم الهزيمة الحقيقية، التي نزلت بالنظام العربي، وكشفت عن جوانب القصور في الحياة العربية، في مختلف المجالات، ولا سيما العسكرية. وكانت صدمة عنيفة للشعب الفلسطيني، وخاصة "حركة فتح"، التي عقدت مؤتمراً في دمشق، في 12 يونيه 1967؛ لمناقشة جدوى استئناف الكفاح المسلح. تمخّض المؤتمر بسلسلة من القرارات، كان من أهمها: تعيين عدد من الكوادر العليا وتفرغهم للحركة، ومنهم محمد يوسف النجار، وعبد الفتاح حمود، وصلاح خلف؛ وتوجيه نداء إلى كافة الشرفاء والمناضلين، لجمع السلاح، الذي تركته الجيوش العربية في ساحة المعركة، وفي مخازن السلاح، إضافة إلى شراء السلاح والذخيرة، من الأسواق المحلية، وجمع التبرعات، وتدعيم العمل الفدائي في الأراضي المحتلة، من طريق إرسال السيد ياسر عرفات إليها، سرّاً؛ ليضطلع بتدعيم جهاز فتح السري وتوسيعه، وبناء الخلايا الجديدة.

              دخل أبو عمار الأراضي المحتلة، في30 يونيه 1967. وأسس بعض الخلايا العسكرية الجديدة لـ"حركة فتح"، في الضفة الغربية. وعمل على رفع الروح المعنوية للجماهير الفلسطينية، بعد النكسة؛ إذ كان ينتقل من قرية إلى قرية ومن مدينة إلى أخرى، متخفياً، مرة بزِيّ راعٍ، وأخرى بزِيّ شيخ، وثالثة بزِيّ امرأة.

              ويمكن القول، إن حرب يونيه 1967، منحت "حركة فتح" وقواتها، فرصة العمل، الذي حاربته الظروف، طوال العشرين عاماً الماضية؛ إذ أصبح غير ممكن، بعد تلك الحرب، أن تتولى الدول العربية المحيطة بإسرائيل حمايتها من الفدائيين أبناء الوطن السليب؛ ولا سيما بعد أن ضمت إلى كيانها أراضي جديدة، من الأقطار العربية المجاورة لها، مصر وسورية والأردن؛ فضلاً عن احتلالها باقي فلسطين.

              لقد اشتد العمل الفدائي، الذي كانت تنفذه قوات "العاصفة"، وخاصة من القواعد التي أسستها "حركة فتح" على طول غور الأردن؛ ما دفع الملك حسين إلى أن يعلن، في الرابع من سبتمبر1967، أن إرسال الفدائيين لشن عمليات ضد إسرائيل، يُعَدّ جريمة.

              وعلى أثر ازدياد العمليات الفدائية، شنت إسرائيل هجومها الواسع على مدينة الكرامة، في21 مارس 1968. وفي هذه المعركة، صمد رجال فتح لهجوم إسرائيلي شامل، كان يستهدف إبادة حركتهم بخاصة، والمقاومة الفلسطينية بعامة، في منطقة الأغوار. كان العدو يأمل أن يحتل الكرامة، في ساعات، ويصل إلى عمّان؛ ولكن خاب أمله، بل حدث العكس؛ إذ شجعت الكرامة الجماهير، الفلسطينية والعربية، بل الأجانب، كذلك، ومنهم روجر كودروي، الفرنسي، الذي قتل في أوائل يونيه 1968 على التطوع في صفوف "حركة فتح".

              حفزت حرب يونيه 1967 منظمة التحرير الفلسطينية إلى تغيير قيادتها، والتفكير جدياً في اختيار بديل من أحمد الشقيري؛ وهو ما لاقى تشجيعاً ودعماً من عبدالناصر، ساعدا على ازدياد العمل الفدائي. وعن أهمية هزيمة الأيام الستة، قال صلاح خلف: "فتحت هزيمة الأيام الستة آفاقاً جديدة أمام نموّنا وتطوّرنا؛ فالنظام الأردني، بات أضعف من أن يتصدى لمشروعنا، وأفرج الملك عن مئات الوطنيين الفلسطينيين، الذين كان قد سجنهم، في السنوات التي سبقت النزاع. كما أنه أغمض عينيه عنّا، حين عمدنا إلى إقامة قواعد على طول نهر الأردن؛ لتكون بمثابة نقاط إسناد لفدائيينا".

              لقد كان أول لقاء، بين الرئيس جمال عبدالناصر "وحركة فتح"، بعد معركة الكرامة، في أغسطس 1968؛ ومثّل الحركة فيه صلاح خلف، وفاروق القدومي. ويقول صلاح خلف عن هذا للقاء: "وأفضت هذه المباحثات إلى نتائج ملموسة، فقد عبّر لنا عبدالناصر، عن رغبته في إقامة علاقات مباشرة مع فتح، بدون المرور بالمخابرات. ووعدنا بأن يقدم لنا الأسلحة، وأن يؤمن تدريب الفدائيين". وهكذا، أصبح لـ"حركة فتح" خط مباشر للاتصال بالرئيس "جمال عبدالناصر، وبدأت تحصل على المعونة، المعنوية والمادية، منه".

              وعلى الرغم من أن فتح، فقدت نحو 95 شهيداً، خلال الهجوم الإسرائيلي على الكرامة، فإنها خرجت منتصرة، في أنظار الفلسطينيين والعرب أجمعين؛ ويعود هذا الانتصار إلى صمودها أمام الجيش الإسرائيلي، "الذي لا يقهر". وبدأت جموع الشباب، الفلسطيني والعربي، تقبِل على التطوع في صفوف الثورة، بالآلاف؛ فترسلهم للتدريب، في دورات خاصة، إلى الدول العربية، ولا سيما سورية والجزائر ومصر والعراق، وإلى بعض الدول الأجنبية والصديقة، مثل: الصين الشعبية، والاتحاد السوفيتي، ويوغسلافيا، وباكستان، وفيتنام، وكوريا الشمالية، والهند، وألمانيا الشرقية، والمجر، ورومانيا. وحصل مقاتلو فتح على دورات مختلفة، في كافة المجالات العسكرية، في شتى دول العالم؛ فضلاً عن معسكرات التدريب، التي استحدثتها الحركة، في مخيمات اللاجئين، في الأردن ولبنان، وإنشائها كلية عسكرية، عام 1975، في لبنان. وقد حصلت فتح على العديد من المساعدات، في مجال التسليح، من الجزائر، وسورية، ومصر، واليمن، وليبيا، والمملكة العربية السعودية. وكانت مصر أول بلد عربي، يرسل الصواريخ إلى الحركة، بعد حرب الكرامة مباشرة. كما حصلت على المساعدات العسكرية، من الصين الشعبية، والاتحاد السوفيتي، كوريا الشمالية، والمجر، بيد أن موسكو، لم ترسل أسلحة إلى فتح، مباشرة، إلا بعد عام 1975، عبْر الأراضي السورية والساحل اللبناني. أمّا الصين الشعبية، فتعَدّ من أهم الدول الأجنبية، التي زودتها بالأسلحة، التي دُفع ثمن بعضها وكان الباقي هبات، كذلك، بذلت فتح جهداً خاصاً في إنتاج الأسلحة بنفسها؛ وبالفعل، أنتجت أنواعاً من الأسلحة الخفيفة. وتُعَدّ "حركة فتح" أول تنظيم فلسطيني مسلح، يحصل على الأسلحة الثقيلة من الدول، العربية والأجنبية.

              قبل انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الخامس، في القاهرة، في الفترة من الأول إلى الرابع من فبراير 1969، عرضت عليه فتح برنامجها، في 20 يناير 1969؛ وكان يشمل الخطوط الأساسية الآتية:

              1. رفض كافة الحلول التصفوية للقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها قرار مجلس الأمن، الرقم 242 الصادر في 22 نوفمبر 1967.

              2. الالتزام التام بحق الشعب الفلسطيني في كامل وطنه، فلسطين؛ وبحقه المقدس في تقرير مصيره، على كامل أرضه.

              3. تأكيد استقلالية الشعب الفلسطيني.

              4. متابعة السير في طريق الثورة الفلسطينية، حتى التحرير الكامل.

              5. دعم جيش التحرير الفلسطيني وتطويره، ورفع مستوى قدراته القتالية.

              6. توحيد الجباية المالية الفلسطينية. وحث الدول العربية على الوفاء بالتزاماتها المالية، نحو منظمة التحرير الفلسطينية.

              7. توثيق الصلة بين منظمة التحرير والشعب الفلسطيني، في شتى أرجاء العالم.

              8. حشد كافة الطاقات والكفاءات، الفلسطينية والعربية، في كافة الميادين.

              9. التفاعل مع الجماهير العربية، اجتذابها إلى المشاركة في حركة الكفاح المسلح.

              10. يجب تطوير وسائل التصدي للعدّو، على المستويَين: الفلسطيني والعربي.

              11. صيانة منظمة التحرير وتثويرها وتدعيمها وتطويرها، إطاراً يجمع القوى الفلسطينية.


              غير أن هذه المبادئ، طرأ عليها بعض التغيير إذ إن برنامج "حركة فتح"، كان قد اعتمد، في تحرير فلسطين، على أهلها، أي أنها أكدت استقلالية القرار الفلسطيني، مع التركيز في الناحية القطْرية، على حساب القومية؛ ما أدى تغيير اسم الميثاق من القومي إلى الوطني، في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني؛ لأن كلمة "الوطني"، لا تتجاوز الشعب العربي الفلسطيني، في حين أن كلمة "قومي"، تشمل الأمة العربية؛ والميثاق هو لذلك الشعب، وليس لتلك الأمة بأسْرها.

              كانت "حركة فتح" تشارك في المؤتمرات الدولية، لنصرة الشعوب العربية، فقد شاركت في المؤتمر الدولي لنصرة الشعوب العربية المنعقد في القاهرة يوم 26 يناير1969؛ المؤتمر الدولي الأول للجان التضامن مع الشعب الفلسطيني، المنعقد في الجزائر، في 27ديسمبر1969. وكذلك، كانت ترسل الرسائل إلى المؤتمرات الدولية، والأحزاب السياسية، وخاصة الحزب الاشتراكي الفرنسي؛ تعبّر فيها عن وجهة نظر الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة، في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والديموقراطية، التي سيتمتع فيها كلُّ المواطنين، مهما تكن ديانتهم، بحقوق متساوية.

              بعد انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الخامس، في القاهرة، في أوائل فبراير 1969، وسيطرة فتح على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وانتخاب السيد ياسر عرفات رئيساً لها، صدر بيان عن حركة التحرير الوطني الفلسطيني، في 5 فبراير1969، يَعُدّ منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً، يجمع في داخله كافة التنظيمات الفلسطينية العاملة؛ لأن الميثاق المعدل للمنظمة، يَعُدّها جبهة وطنية، تضم المنظمات والأفراد ودعا البيان إلى عدم التدخل في الشؤون العربية، أو فرض أيّ حلول وتسويات للقضية الفلسطينية؛ وإلى وحدة المصير بين أبناء الشعب الفلسطيني وإخوانهم العرب، والحث على تحقيق الوحدة الوطنية للشعب الفلسطيني وتعبئتها وتنظيمها، من أجل إحراز النصر؛ وإلى استخدام السلاح والثورة في مواجهة العدوّ.

              بعد العمليات العسكرية الناجحة، لاقت "حركة فتح" التأييد، في مؤتمر القمة العربي الخامس، المنعقد في الرباط، من 21 إلى 23 ديسمبر 1969. ومع اطراد نموّها وازدياد سلطتها، عملت السلطات الأردنية، غير مرة، على تطويقها والقضاء عليها. كانت المحاولة الأولى، في 4 نوفمبر 1968، تتذرع بعملية إطلاق النار على طاهر دبلان، الذي كان يتزعم تنظيم "كتائب النصر"؛ لجرّ الثورة الفلسطينية إلى مصادمة؛ ثم أحداث الأردن، في 10 فبراير 1969، التي تكونت على أثرها القيادة الموحدة لحركة المقاومة؛ وأحداث 8 يونيه 1970 الدامية؛ وحرب الإبادة على الثورة الفلسطينية، في 17 سبتمبر1970. وقد أصدرت "حركة فتح"، في هذه الأحداث، بيانات، أكدت فيها مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية؛ وأن الثورة فلسطينية عربية العمق، قومية الأهداف والنتائج. وفي الوقت نفسه، أكدت القيادة الفلسطينية عدم مسؤوليتها عن القلاقل، التي تحدث في الأردن؛ وعلَّلته بأنها تريد تحرير وطنها المغتصب، وليس تسلم زمام السلطة في أيّ بلد عربي. وأخيراً كانت أحداث جرش وعجلون، في يوليه 1971، وخروج الثورة من الأردن.

              أسهمت الحركة في الإبقاء على منظمة التحرير الفلسطينية قوية، متماسكة؛ إذ دعت إلى تشكيل لجنة مركزية للمنظمة، والوحدة بين التنظيمات الفلسطينية، التي بقيت على علاقة قوية بها، لم تنقطع طيلة سنوات الاحتلال، بل وطدها النضال المشترك، في مواجهة الاحتلال الصهيوني. وإضافة إلى عملها، العسكري والسياسي، أنشأت فتح، من خلال رئاستها لمنظمة التحرير الفلسطينية، العديد من المؤسسات الاجتماعية؛ ففي بداية عام 1961، كانت مؤسسة الشؤون الاجتماعية، ومؤسسة رعاية أُسَر الشهداء، وجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. وأسهمت في إنشاء العديد من الجامعات الفلسطينية، في الأراضي المحتلة. وكذلك، أنشأت المزيد من المدارس والمعاهد العسكرية؛ إضافة إلى أنها تكفلت بإرسال الشباب الفلسطيني، للدراسة في دول مختلفة من العالم.

              نتيجة لظهور "حركة فتح" وتوسعها، اندمج فيها العديد من التنظيمات الفلسطينية الصغيرة، مثل: منظمة طلائع الفداء لتحرير فلسطين (فرقة خالد بن الوليد)، فى7 سبتمبر 1968؛ وجبهة التحرير الوطني الفلسطيني، في 13 سبتمبر 1968؛ وجبهة ثوار فلسطين، في 25 نوفمبر 1968؛ وقوات الجهاد المقدس، في 12 يونيه 1969. وأصبحت جميع هذه المنظمات، تمثلها قوات "العاصفة".

              خرجت قوات الثورة من الأردن، واتجهت إلى لبنان، حيث بدأت تعيد بناء نفسها، متجنبة، قدر الإمكان، الأخطاء، التي ارتكبتها في الأردن. ويقول أحد مسؤولي "حركة فتح" في لبنان، في السبعينيات: "إن العصر الذهبي لحركة فتح في لبنان، من منتصف عام 1968، إلى أوائل عام 1973؛ حيث استطاعت، في هذه الفترة، أن تنظم نفسها جيداً في لبنان وأن تحمي التنظيمات الفلسطينية الأخرى من الصراعات مع السلطة اللبنانية. وكانت العلاقة مع أهل لبنان ممتازة، حتى مع الموارنة. وكانت هناك علاقات اجتماعية. وكان مفروضاً على كلِّ فلسطيني في تنظيم فتح، أن يصاحب لبنانياً، وكلِّ لبناني في التنظيم، يصاحب لبنانياً آخر. إلا أن السلطة اللبنانية، كانت دوماً ترفض العمل العسكري من جنوب لبنان؛ مما أحدث قدراً من الخلافات بين المسؤولين الفلسطينيين واللبنانيين ".

              وعلى الرغم من فترة الهدوء، التي سادت لبنان، من عام 1968 إلى عام 1973؛ إلا أن مواقع قوات "العاصفة"، تعرضت لهجوم واسع النطاق، من قبِل الجيش اللبناني، فى31 أكتوبر1969؛ في منطقة العرقوب، في قضاء راشيا، أسفر عن استشهاد 12 شهيداً وجرح 40 شخصاً من قوات "الصاعقة". وعلى أثر هذا الهجوم، وُقِّعت اتفاقية القاهرة، بين السلطة اللبنانية، ممثلة في قائد الجيش، إميل البستاني؛ ووفد منظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة السيد ياسر عرفات، رئيس المنظمة؛ وبحضور محمود رياض، وزير الخارجية المصري؛ والفريق الأول محمد فوزي، وزير الحربية المصري، في يوم الإثنين، 3 نوفمبر 1969.

              لقد أعطت اتفاقية القاهرة، اللبنانية ـ الفلسطينية، المقاومة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، حرية العمل الفدائي، من داخل الأراضي اللبنانية، شريطة عدم التدخل في شؤون لبنان الداخلية. وهذه هي أول مرة في تاريخ المقاومة والمنظمة، يقرّ فيها إقراراً رسمياً بوجود المنظمة على أراضي دولة عربية.

              لقد حددت "حركة فتح"، منذ تكوينها، أهدافاً، تسعى إليها، وهي: تحرير فلسطين تحريراً كاملاً؛ والقضاء على الكيان الصهيوني، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً؛ وإقامة دولة فلسطينية ديموقراطية مستقلة، ذات سيادة على كامل التراب الفلسطيني، تحفظ للمواطنين حقوقهم الشرعية، على أساس العدل والمساواة، دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة، وتكون القدس عاصمة لها؛ وبناء مجتمع تقدمي، يضمن حقوق الإنسان، ويكفل الحريات العامة لكافة المواطنين، والمشاركة الفعالة في تحقيق أهداف الأمة العربية، في تحرير أقطارها، وبناء المجتمع العربي التقدمي الموحد؛ وكذلك، مساندة الشعوب المضطهدة، على كفاحها لتحرير أوطانها وتقرير مصيرها، من أجل بناء صرح السلام العالمي على أسس عادلة.

              لقد أدركت فتح، منذ النشأة والتكوين، أنها حركة الجماهير الفلسطينية، بكافة طبقاتها وفئاتها؛ ومن هنا، فقد ضمت صفوفها الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني، فلاحين، عمالاً، مدرسين، مهندسين، أطباء، تجاراً، مزارعين، صناعيين، وغيرهم، سواء كانوا منضوين إلى أحزاب عربية، أو ممن يحملون أيديولوجيات مختلفة. كما أن فشل الأحزاب العربية، التي انضوى إليها مئات الفلسطينيين، قد أسفر عن تراجع هؤلاء نحو نشاط فلسطيني مستقل، يحقق لهم ذاتهم وأهدافهم الوطنية، بعيداً عن التنظير والمزايدة، العقائدية والأيديولوجية. وقد كان معظم هؤلاء من المثقفين والمتعلمين، الذين أدركوا المعاناة والألم، على أرض العروبة والشتات.

              إن نشأة "حركة فتح" وتشكيلها، أول جماعة فلسطينية، تتبنى الكفاح المسلح، جعلتها رائدة الحركة الوطنية؛ أضف إلى ذلك برامجها، السياسية والاجتماعية، ونظرتها إلى العمل، وإستراتيجيتها. وكلُّ ذلك، جعل غالبية الشعب الفلسطيني تؤيدها وتنضم تحت لوائها انضماماً رسمياً وعفوياً، حتى أصبحت العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية؛ ما جعلها تتحمل المزيد من الصعاب، والعقبات فلسطينياً وعربياً ودولياً.

              لقد واجهت "حركة فتح" العديد من المؤامرات، منها: مؤامرات التشكيك، والحملات النفسية، والإرهاب الفكري؛ الحلول السياسية والمبادرات الأمريكية، التي كانت تستهدف تمييع قضية التحرير، ودفع بعض الأنظمة العربية إلى القضاء على الثورة أو احتوائها، وفرض الوصاية عليها. وعلى الرغم من ذلك، ظلت فتح، هي قائدة المسيرة، قائدة منظمة التحرير الفلسطينية، حتى اعترف بها العالم العربي في مؤتمر القمة العربي، السابع في الرباط، في 26-30 أكتوبر1974، ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. وفي العام نفسه، اعترفت بها، كذلك، الجمعية العامة للأمم المتحدة، بصفة عضو مراقب؛ وسمحت لها بالاشتراك في كافة دوراتها، وكلِّ دورات المؤتمرات الدولية وأعمالها، والتي تعقد برعاية الجمعية العامة؛ فضلاً عن تلك التي تعقد برعاية هيئات الأمم المتحدة.

              وهكذا صمدت "حركة فتح" أمام كلِّ الصعاب، التي تعرضت لها. واستطاعت أن تقود منظمة التحرير الفلسطينية، حتى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، على الأرض الفلسطينية، عام 1994.

              تعليق


              • #8

                المبحث الـثــاني
                الفصائل الفلسطينية الأخـــرى


                أولاً: "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"


                انبثقت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" من "حركة القوميين العرب"، التي ترجع جذور نشأتها إلى نخبة من الطلبة العرب، معظمهم من الفلسطينيين الدارسين في الجامعة الأمريكية، في بيروت، عام 1948 - 1949؛ إذ أخذوا يتبادلون الآراء والأفكار، التي يمكنها أن تحقق أهداف الشعوب العربية، وخاصة بعد هزيمة الجيوش العربية، عام 1948، وما ترتب عليها من ضياع فلسطين، وتشتت أهلها، والهيمنة عليهم واستتباعهم؛ على الرغم من كل القرارات، التي صدرت عن الجامعة العربية، والتي دانت كلَّ هيمنة عربية على الشعب الفلسطيني.

                آذنت حرب يونيه 1967 بالقطيعة، بين القوميين العرب والناصريين، وخاصة بعد أن دانت "حركة القوميين العرب" "الناصرية"، واتهمتها بأنها "حركة برجوازية صغيرة، محكوم عليها بالفشل". وشهدت المرحلة اللاحقة لعام 1967، تحوّل "حركة القوميين العرب" إلى تنظيمات قطْرية، كان نصيب فلسطين منها، تنظيم "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين".

                تكوّنت الجبهة الشعبية من ثلاثة تنظيمات، كانت تعمل في الساحة الفلسطينية قبل الخامس من يونيه 1967. الأول، منظمة "أبطال العودة"، المرتبطة بـ"حركة القوميين العرب"؛ والثاني، "جبهة التحرير الفلسطينية"، التي كونها الضابط الفلسطيني في الجيش السوري، أحمد جبريل، من ثلاث فِرق، هي: فرقة الشهيد عبداللطيف شرور، وفرقة الشهيد عز الدين القسام، وفرقة الشهيد عبدالقادر الحسيني. أما التنظيم الثالث، فهو "منظمة شباب الثأر"، التي تعرف، كذلك، باسم "الجبهة القومية لتحرير فلسطين"؛ وكانت الجناح لـ"حركة القوميين العرب". إضافة إلى عدة جماعات فلسطينية أخرى، على أرض الوطن.

                ولكن اندماج المنظمات الثلاث، لم يستمر أكثر من عام واحد. ففي نوفمبر 1968، انفصلت "جبهة التحرير الفلسطينية"، وبدأت تعمل تحت اسم "الجبهة الشعبية - القيادة العامة". وتبع ذلك انشقاقات رئيسية في الجبهة، أدت مصادمات دامية، واتهامات متبادلة بعدم الولاء لمبادئ الماركسية ـ اللينينية، الاشتراكية العلمانية والتي تبنتها الجبهة، في مؤتمر أغسطس 1968، الذي وافق، بالإجماع، على الموضوعات، التي طرحها الفريق التقدمي، بزعامة نايف حواتمة. ولكن الفريق اليميني، الذي يتزعمه جورج حبش، سرعان ما أبدى معارضته كلِّ ما اتفق عليه؛ وهو الذي قلّما آمن بكثير من قرارات المؤتمر. وبدأت المشاكل والاتهامات، فاعتقلت جماعة من الفريق التقدمي؛ غير أن الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، ارتأت تحكيم العقل، ودعت إلى مؤتمر عام، يكون الحكم فيه وفقاً للأغلبية الديموقراطية الثورية. ولكن هذا المؤتمر لم يعقد، واستمر الخلاف داخل الجبهة. وبعد مصادمات عنيفة، وجّه الفريق التقدمي نداء إلى كافة منظمات المقاومة، فاستجابت له، ودعت إلى اجتماع سريع لمكتب التنسيق، في 30 يناير 1969، رفض الفريق اليميني حضوره. وكذلك، تدخلت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبمساعدة تنظيمات المقاومة الفلسطينية، التي عملت على تجميد الخلاف داخل الجبهة. وفي 21 فبراير 1969، قرر الفريق المنشق، أن يعمل تحت اسم "الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين".

                صدر أول بيان سياسي عن الجبهة الشعبية، في 11 ديسمبر 1967. وتحدثت فيه عن نشوئها وفلسفتها، ونظرتها القومية العربية الشاملة، وإيمانها بوحدة القوى التقدمية. ضمّنته نداء إلى كافة القوى والفئات الفلسطينية، للالتقاء الوطني الثوري العريض، من أجل الوصول إلى وحدة وطنية راسخة، بين سائر فصائل العمل الفلسطيني المسلح.

                لقد أكدت الجبهة الشعبية رؤيتها، وفق المبادئ الآتية: إن العدوّ لا يفهم إلا لغة العنف الثوري؛ وإن المقاومة المسلحة، لا تقتصر على الفدائيين وحدهم، بل يجب على كلِّ إنسان فلسطيني، أن يشارك في مقاومة العدوّ، وعلى كافة المستويات، مع مقاطعته وعدم التعامل معه، اقتصادياً وسياسياً ومدنياً وثقافياً وعلمياً؛ وإن الجماهير، هي مادة المقاومة وقيادتها. وأكدت الجبهة أن العمل الفلسطيني المسلح، يحدد موقفه، عربياً، مع من يقف إلى جانب نضاله، في مواجهة من يعاديه.

                وللجبهة الشعبية هدفان: أولهما، إستراتيجي، وهو تحرير فلسطين من الاحتلال الاستعماري، وإقامة دولة ديموقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس؛ تكفل الحقوق المشروعة لجميع مواطنيها، على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو العقيدة أو اللون؛ وتكون معادية للصهيونية والإمبريالية، وذات أفق وحدوي ديموقراطي مع سائر الأقطار العربية. أما الهدف الثاني، فهو الهدف المرحلي للنضال، الذي تخوضه الجبهة الشعبية، جنباً إلى جنب مع سائر قوى الثورة الفلسطينية، وهو "انتزاع حق العودة، وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على ترابها الوطني، وعاصمتها القدس".

                وكان للجبهة الشعبية موقفها من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، أحمد الشقيري. وقد تمثَّل في بيانها، الصادر في 19 ديسمبر 1967؛ إذ أيدت فيه مذكرة أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذين طالبوا بعزله عن رئاسة المنظمة. وفي هذا البيان، وصفت الجبهة الشعبية المنظمة، بأنها "هيكل فارغ، وأنها مؤسسة تسيطر عليها الدكتاتورية الفردية، والارتجال والدجل السياسي، والاستخفاف بالجماهير". ودعت إلى وضع كافة إمكانيات المنظمة في خدمة المقاومة الفلسطينية، والتنسيق بين المنظمات الفلسطينية، من أجل الوحدة، وتخليص المنظمة من التسلط الفردي والارتجالي. كما دعت إلى إزالة العقبات من وجه العمل الفلسطيني، حتى ينمو بشكل طبيعي وفعال.

                كانت الجبهة الشعبية ترفض، باستمرار الحلول السلمية. فقد رفضت في بيان، نشرته في 4 ديسمبر 1967 قرار مجلس الأمن، الرقم 242، الصادر في 22 نوفمبر 1967. وعزت رفضها إلى أنه يمثّل دعوة صريحة إلى الاعتراف بدولة إسرائيل؛ "وتفريطاً بالحقوق والمصالح القومية للأمة العربية في فلسطين، وبحقوق عرب فلسطين في أرضهم، وتصفية للقضية الفلسطينية على حساب الحق والمصالح العربية برمّتها". وأكدت "أن الطريق الوحيد لحل القضية الفلسطينية، هو تحرير فلسطين بكامل ترابها".

                كان من الطبيعي أن تقاطع الجبهة أعمال المؤتمر الأول لحركة المقاومة الفلسطينية، الذي عقد في القاهرة، خلال الفترة من 17 إلى 20 يناير 1968، بدعوة من "حركة فتح"؛ على الرغم من أنها كانت قد دعت، في بيانها السياسي الأول، إلى وحدة وطنية راسخة، بين سائر فصائل العمل الفلسطيني المسلح. وعلّلت رفضها المشاركة فيه بعدم مساواة تمثيلها في المنظمة، بفتح، التي رأت أن وزن الجبهة الفعلي، لا يسمح بتساويهما.

                لقد انضمت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، عام 1968، إلى صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، وشاركت في أعمال المجلس الوطني الفلسطيني، واللجنة التنفيذية، في الدورة الرابعة، المنعقدة في القاهرة، خلال الفترة من 10 إلى 17 يوليه 1968؛ وحصلت فيها على عشرة من مقاعد المجلس الوطني المائة. إلاّ أنها قاطعت أعمال دورته الخامسة، المنعقدة في القاهرة، خلال الفترة من الأول إلى الرابع من فبراير 1969؛ بحجة أنها لن توافق على التشكيلات المقترحة، التي ستسفر عن سيطرة فصيل واحد على النضال الفلسطيني، فتعرقل المساعي نحو تحقيق وحدة ذلك النضال، وتقود إلى انقسامات وأزمات؛ وأن لها "آراء وممارسات مستقلة عن مجمل العمل الفلسطيني. وهي ترى أن كثيراً من التعميمات الفكرية، التي اتصفت بها حركة المقاومة الفلسطينية، لا تنطبق على الجبهة". ولم تشارك، كذلك، في قيادة الكفاح المسلح الفلسطيني، الذي دعت إلى تشكيله اللجنة التنفيذية، في اجتماعها في عمّان، خلال الفترة من 16 إلى 17 فبراير 1969. ولكن، بعد أحداث فبراير1970، التي وقعت في الأردن، شاركت الجبهة في القيادة الموحدة، والأطُر المنبثقة منها، وفي اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت قد تشكلت، بناء على بيان مايو 1970. وظلت الجبهة في صفوف المنظمة، حتى عام 1974، حينما انفصلت عنها، لتشكل وتدعم قيادة المعارضة الفلسطينية لسياسة منظمة التحرير، التي تبنت البرنامج السياسي المرحلي والنقاط العشر؛ وهي المعارضة التي سميت، في تلك الفترة، "جبهة الرفض الفلسطينية". غير أنها عادت إليها، عام 1978، بعد تصالُح الفصائل الفلسطينية، الرافضة والموافقة.

                لقد تعرض أعضاء الجبهة الشعبية للاعتقال والسجن والتعذيب، بمن فيهم زعيمها، جورج حبش، الذي اعتُقل، في سورية، في 19مارس 1968، مع اثنَين من رفاقه، هما: فايز قدورة، وعلي بشناق؛ وفشلت محاولات المغرب والعراق الإفراج عنهم. وفي20 أبريل 1968، اعتقلت السلطات السورية أحد قادة الجبهة الشعبية، وأحد كبار المسؤولين في الاتحاد العام لعمال فلسطين، وهو أحمد اليماني؛ رداً على مطالبة المجلس الوطني الفلسطيني، المنعقد في أوائل أغسطس 1968، بالإفراج عن جورج حبش ورفيقَيه. وفي 4 نوفمبر 1968، بادرت وحدة من فدائيي الجبهة إلى اختطاف الدكتور جورج حبش، أثناء نقله من السجن إلى مركز التحقيق، بعد أن أُوْدعَ سجون دمشق 232 يوماً.

                عقدت الجبهة الشعبية، في أغسطس 1968، مؤتمرها الثاني، الذي بينت فيه إستراتيجيتها، اعتماداً على الفكر الماركسي ـ اللينيني. واتخذت الرجعية العربية، والصهيونية، والإمبريالية، وإسرائيل أعداء لها؛ أمّا أصدقاؤها، فهُم: العمال والفلاحون، والبرجوازية الصغيرة، والجنود، والمثقفون الثوريون. وانتهجت الكفاح المسلح، مقروناً بالعمل السياسي.

                لقد بدأ النضال العسكري للجبهة الشعبية، في أعقاب حرب 1967؛ إذ رأت في بلاغها الأول، الصادر في 21 ديسمبر1967، أن الانطلاقة الحقيقية للثورة الفلسطينية المعاصرة، كانت في 6 أكتوبر1967، حينما شرعت الجبهة تزرع الألغام، وتكمن للدوريات العسكرية الإسرائيلية، وتهجم عليها. ومن أشهر هذه العمليات، هو الهجوم على مقر الحاكم العسكري، في قطاع غزة، في 12يناير 1968.

                ركزت الجبهة الشعبية عملياتها الفدائية في داخل الأرض المحتلة؛ وفقاً لشعارها: "الداخل هو الأساس، والخارج هو الرديف". وعزّزت ذلك بإرسال الجزء الأكبر، من مقاتليها وأسلحتها، إلى المناطق المحتلة؛ بهدف خلق "البؤرة الثورية". وقد حرصت الجبهة على أولوية العمل في داخل الأرض المحتلة، وعدم فتح المعارك في منطقة الأغوار الحدودية؛ من أجل تسهيل مرور الفدائيين والأسلحة إلى عمق المناطق المحتلة. بيد أن الإجراءات الإسرائيلية المضادة، في الأرض المحتلة، أفسدت على الجبهة خططها، فسعت إلى تركيز نقلها في الأردن.

                اعتمدت الجبهة الشعبية حرب العصابات، التي تتجنب المواجهة المباشرة للعدوّ؛ وتستهدف الهجوم على نقاطه الضعيفة، ثم الانسحاب السريع؛ هي الحرب نفسها التي حملت الجبهة على الانسحاب من معركة الكرامة، قبْل بدايتها. ولكنها، بعد الخروج من الأردن، عام1971، صنّفت القوى المسلحة صنفَين: نظامية أو شبه نظامية، تتحمل المسؤولية العسكرية الأساسية عن حماية المخيمات؛ وميليشيا، تتولى الدفاع المحلي.

                لم تشغل الجبهة عملياتها الفدائية، في داخل الأرض المحتلة، عن عملياتها الخارجية، التي تميزت بها عن سائر المنظمات الفدائية الفلسطينية وخاصة اختطاف الطائرات؛ وكانت أولاها طائرة إسرائيلية، تابعة لشركة العال، اقتيدت إلى مطار الجزائر بعد إقلاعها من مطار روما، في إيطاليا، في منتصف يوليه 1968. وظلت تنتهج أسلوب الاختطاف حتى عام 1972، حينما أعلنت تخليها عنه؛ دونما التخلي عن فكرة العمليات الخارجية الانتقامية، كلما أمكن ذلك. وكان هدف الجبهة من اختطاف الطائرات، هو ضرب العدوّ ومنشآته وطائراته ومكاتبه المدنية؛ وعُدَّت الخطوط الجوية الإسرائيلية، والخطوط الجوية الأجنبية المتوجهة إلى إسرائيل، جزءاً من خطوط المواصلات العسكرية، التي تهدف إلى خدمة مصالح العدوّ.

                كانت أسلحة الجبهة الشعبية أسلحة خفيفة، حصلت عليها، قبْل حرب يونيه 1967، من مصدرَين رئيسيَّين، هما: مصر وجيش التحرير الفلسطيني، اللذان تربط العلاقات الطيبة، قيادتيهما بـ"حركة القوميين العرب". أضف إلى ذلك بقايا الأسلحة والذخائر، التي تركت في ساحات حرب 1967، أو تلك التي بقيت في المستودعات الجيش المصري وجيش التحرير الفلسطيني، في قطاع غزة. زد على ذلك الأسلحة المشتراة من السوق السوداء. ولم يطرأ على تسليح الجبهة، حتى منتصف السبعينيات، تغيير مهم، إلا الحصول على بعض المدافع الخفيفة. أمّا في خارج الأرض المحتلة، فكانت تحصل على مستلزمات قواتها العسكرية من العراق؛ ومن الأسواق الحرة، في حالات نادرة. واستمرت في اعتمادها على بغداد، لفترة طويلة، ثم تلقت الأسلحة من ليبيا، بعد عام 1978. وبعد توقيع الاتفاقية المصرية ـ الإسرائيلية (كامب ديفيد)، حصلت الجبهة على الأسلحة من كوريا الشمالية، والاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية.

                دربت الجبهة بعض أعضائها، قبل حرب 1967، في معسكر أنشاص، في مصر؛ وبعضهم الآخر في الأردن، سرّاً. وبعد تلك الحرب، افتتحت معسكراً للتدريب، في سورية، ثم في الأردن، ثم في لبنان. واشترك بعض أعضائها وضباطها في الدورات، التي كانت توفرها لهم منظمة التحرير الفلسطينية، في الدول الصديقة. وكذلك، أرسلت الجبهة مقاتليها إلى الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية، للتدريب هناك.

                لقد حدث انشقاق في الجبهة الشعبية، في مارس 1972، بقيادة جناح اليسار، التابع لسورية. وتأسست جبهة، أطلق عليها "الجبهة الشعبية الثورية لتحرير فلسطين"؛ لم يتجاوز عدد أعضائها، في تلك الفترة، 55 شخصاً.

                وقد عقدت الجبهة الشعبية، عام 1973، مؤتمرها الثالث؛ وأقرت فيه نظامها الداخلي، على أساس المبادئ اللينينية في التنظيم المركزي، والتي تشمل الديموقراطية، القيادة الجماعية، النقد والنقد الذاتي، والعمل مع الجماهير والكفاح المسلح. وكانت الجبهة ضد أي مبادرة سياسية، تعترف بالعدوّ الإسرائيلي، وضد التفاوض معه. ورفضت قرارَي مجلس الأمن الدولي: 242، و338، والاعتراف بهما أساساً للتفاوض.

                ولقد تعرض قادة الجبهة الشعبية للاغتيال، حيث اغتالت أحدهم، في باريس، في أبريل 1973، وهو الدكتور باسل رؤوف كبيسي، مجموعة من المنظمات الصهيونية.

                ويؤخذ على الجبهة الشعبية، فلسطينياً، هو أنه كلما حصل خلاف، أو عدم التقاء بينها وبين ما تتبناه الأغلبية العظمى لمنظمة التحرير الفلسطينية، عمدت إلى مقاطعة اجتماعات أو لقاءات أجهزة المنظمة، إلى أن تُلبَّى شروطها، أو تطرأ متغيرات جديدة مؤثرة، كما حصل في عام 1970؛ ولذا، لم تنضم إلى اللجنة التنفيذية. ولكن، بعد أحداث 1970، اشتركت في أجهزة المنظمة، وحضرت اجتماعاتها. ولكنها تزعمت، عام 1974، قيادة جبهة الرفض الفلسطينية؛ لتعود إلى صفوف المنظمة، بعد توقيع وثيقة طرابلس، عام 1978.

                أمَّا عربياً، فيؤخذ عليها هجومها على المؤتمرات العربية، ومؤتمر القمة العربي الثلاثي، خاصة الذي عقد في القاهرة، في سبتمبر1973، وضم الرئيس المصري الراحل، أنور السادات؛ والرئيس حافظ الأسد؛ والملك حسين؛ إذ أكدت: "أن هذا اللقاء، بجوهره الحقيقي، هو جر واحتواء سعودي للنظامَين: المصري والسوري، إلى مواقع النظام الأردني، وليس العكس".

                ويمكن القول، إن الجبهة الشعبية، كانت، ولا تزال، إحدى فصائل الثورة الفلسطينية، التي اتسمت بكفاءة أجهزتها الإعلامية، وعمق النوعية التنظيمية في صفوفها، وأساليب الضبط التنظيمي الصارمة؛ ما أهّلها لكي تكون صاحبة "التنظيم الحديدي"، في حركة المقاومة الفلسطينية برمّتها، كما امتازت عملياتها الخارجية بمستوى عالٍ من الدقة والتخطيط والتنظيم، وخاصة عمليات اختطاف الطائرات.



                ثانياً: "الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين"

                تأسست "الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين"، في 11 فبراير 1969، بزعامة نايف حواتمة، بعد انشقاق في صفوف "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". وظلت تُعرَف باسمها الآنف، حتى عام 1974. وكان معظم المنشقين ينتمون إلى "حركة القوميين العرب" سابقاً، أو هم ممن انضموا إلى الجبهة الشعبية، بعد تأسيسها، في أواخر عام 1967.

                امتلك أعضاء الجبهة الديمقراطية الخبرة العسكرية الواسعة، بفضل اشتراكهم في الكفاح المسلح، ضمن صفوف التنظيمات الأخرى؛ فضلاً عمّا تميزت به الجبهة من مواقف سياسية تقدمية إضافة إلى متانة الأطر التنظيمية؛ ما أتاح لها احتلال مكانة بارزة في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة.

                أسهمت الجبهة، منذ تأسيسها، في الحوار الفكري، الذي شمل حركة المقاومة الفلسطينية كلها، في الموضوعات الرئيسية، مثل: الوحدة الفلسطينية، التصدي للمؤامرات، مصادمة السلطة الأردنية. وشاركت في اللجنة التنفيذية، وفي اللجنة المركزية لحركة المقاومة، وفي القيادة الموحدة، وفي دورتَي المجلس الوطني الثامنة والتاسعة؛ وقدمت مجموعة من المشاريع المستفيضة لتصوراتها للوحدة الوطنية، وغيرها من الموضوعات.

                وعارضت الجبهة الديمقراطية جميع الحلول السلمية، وقرارَي مجلس الأمن الرقمَين 242 و338. واتهمت كلَّ الدول العربية، التي تسير في ركب الحلول السلمية، بالتواطؤ والعمالة. وكان رأي نايف حواتمة، في أحداث الأردن، في السبعينيات "أن حل المشكلة في الأردن، يتمثّل في إقامة جبهة وطنية فلسطينية ـ أردنية، تسترد، بالكفاح الشعبي المسلح، حقوق شعب فلسطين، وحقوق سكان الضفة الغربية للأردن. ونقيم حكومة وطنية ديموقراطية، في عمّان".

                لقد أيدت الجبهة الديمقراطية انطلاقة الكفاح المسلح الفلسطيني (حركة فتح)، عام 1965. وتبنت إستراتيجية الحرب الشعبية الطويلة الأمد، المستندة إلى ثلاثة أعمدة، هي: الكفاح المسلح، النضال السياسي، والنضال الجماهيري. كذلك، دعت، في بيان في 22 فبراير في مناسبة الذكرى الثانية لتأسيسها، إلى توحيد منظمات المقاومة الفلسطينية، بارتباطها ببناء الجبهة الأردنية ـ الفلسطينية؛ وذلك من أجل مواجهة الدعوات إلى الحل السلمي، ومحاولات القضاء على المقاومة.

                وعارضت الجبهة فكرة الدولة الفلسطينية، المقترح إنشاؤها على جزء من أرض فلسطين؛ ورأت أنه لا يشكل حلاً جدياً، ولا يفي بحقوق الشعب الفلسطيني. وأكدت أن الحقوق القومية لشعب فلسطين لن تُستَوْفى كاملة، إلا عند سحق الكيان الإسرائيلي، وتحرير كامل التراب الوطني. كذلك، استنكرت، في بيان، في 26 أغسطس 1971، مشروع الحكم الذاتي في الضفة الغربية، الذي طالب به بعض سياسيي تلك الضفة؛ متهمة إياه بإشاعة التفريط في حقوق الشعب الفلسطيني، في العودة وحق تقرير المصير وتحرير الأرض برمّتها؛ ما ينجم عنه آثار سيئة في الدول العربية، اقتصادياً وعسكرياً.

                وشاركت في وفود المقاومة الفلسطينية إلى الخارج؛ فضم الوفد إلى بكين، مثلاً، في مناسبة أسبوع فلسطين العالمي، في مايو1971، مندوبين عن "حركة فتح" و"الصاعقة"؛ إضافة إلى الجبهة الديمقراطية.

                لقد شنت الجبهة العديد من العمليات العسكرية الناجحة، على العدوّ، في الأرض المحتلة. ولم تؤيد العمليات الخارجية، التي كانت تشنها على حركة المقاومة الفلسطينية، مثل اختطاف الطائرات. وأكدت أن ضرب المصالح الاستعمارية، في الوطن العربي، يجب أن يواكب تعبئة الجماهير لمواجهة الوجود الإمبريالي؛ أمّا الهجوم على بعض الأهداف الإسرائيلية، في الخارج، فلا يؤثر في اقتصاد العدوّ؛ وإنما ينحصر أثره في مجال الدعاية، الذي طالما كانت حصيلته سلبية؛ كما أنه يتيح للدعاية الصهيونية فرصة تصوير الفدائيين كأنهم جماعة من القتلة والمجرمين. كذلك، كانت الجبهة ترى أن العمل الجماعي، هو أفضل من العمل الفردي؛ لأن أولهما يشرك كافة الجماهير؛ بينما الآخر يقتصر على البطولة الذاتية، وينمّي النزعة الفردية، بدلاً من تنمية الكفاح الجماعي في العمل.

                لقد انتقدت الجبهة جعْل الكفاح المسلح أسلوباً وحيداً للنضال الوطني، بدلاً من جعْله أسلوباً رئيسياً. وأكدت ضرورة توازي الأسلوب الدبلوماسي والعمل العسكري. وهكذا، تكون قد وافقت "حركة فتح"، ومنظمة التحرير الفلسطينية، في البرنامج السياسي المرحلي، الذي طرح في عقب حرب أكتوبر 1973، إستراتيجية سياسية، تسعى إلى إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة، على أي جزء من تراب فلسطين، بعد تحريره. ولا تجيز الجبهة الديمقراطية التدخل في الشؤون العربية. وترى أن الصهيونية، تهدد القضايا العربية، ولا تكتفي بالجزء، الذي استولت عليه عام 1948؛ إذ شنت، بعد ذلك العديد من الحروب، من أجل الاستيلاء على أكبر جزء من الأراضي العربية، مثل حربَي 1956 و1967. لذلك، فإن على الدول العربية الالتزام بالواجب، القومي والوطني، تجاه القضية الفلسطينية، بما يقتضي التنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية ومساعدتها، حتى تستطيع النهوض وتحرير فلسطين.

                عندما انفصلت الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية، كان عدد أفرادها يراوح بين 60 مقاتلاً و100 مقاتل. إلا أنها استقطبت أعداداً جديدةً من المتطوعين، وشهدت نموّاً، كغيرها من التنظيمات الفدائية، خلال فترة السبعينيات. ولكن، بعد الخروج من الأردن، عام 1971، تراجع حجم قوّتها؛ وانتقلت إلى هضبة الجولان السورية، ومنطقة العرقوب اللبنانية؛ وما لبث فدائيوها أن انتشروا، عام 1972، في المخيمات الفلسطينية، في جنوبي لبنان .

                كانت الجبهة الديمقراطية تحصل على إمداداتها العسكرية، من التنظيمات الفدائية الأخرى، والاتحاد السوفيتي، واليمن، وليبيا. وكانت تدرب عناصرها في معسكراتها الخاصة، في لبنان؛ كما أرسلت كثيراً من ضباطها وعناصرها إلى الخارج وخصوصاً الاتحاد السوفيتي



                ثالثاً: "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة"

                ترجع أصول نشأة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة"، إلى عام 1959، حين شرعت جماعة قليلة من الفدائيين، بقيادة الضابط الفلسطيني، أحمد جبريل، تهيِّئ لعمل عسكري فلسطيني. وحملت، خلال سنواتها الأولى، اسم "جبهة التحرير الفلسطينية". واتخذت سورية قاعدة لها، حتى عام 1967. وتبنت برنامجاً إستراتيجياً، أطلق عليه "المبادئ الائتلافية"، وهي:

                1. الشعب العربي الفلسطيني، هو المسؤول الأول عن قضيته، ومن خلفه الشعوب العربية.

                2. رفض الوصاية على الشعب الفلسطيني، من أيّ جهة، سواء كانت نظاماً أو حاكماً أو حزباً. وقضية فلسطين قضية قومية، من واجب كلِّ عربي دعمها.

                3. تحريم التكتل والنشاط الحزبي، ضمن صفوف الجبهة.

                4. الديموقراطية، والاستشارة، والإجماع، ضرورات لتحقيق انتصار المسيرة النضالية.

                5. رفض أنصاف الحلول، والحلول الوسطى، للقضية الفلسطينية، أو أيّ مشروع تسوية، القصد منه القضاء على القضية الفلسطينية.

                6. شكل الحكم، وكلُّ ما يتعلق به، متروك إلى ما بعد التحرير؛ ويقره مجلس وطني فلسطيني.


                ابتغت الجبهة من هذه المبادئ، تثبيت الشخصية الفلسطينية، والمحافظة عليها من الذوبان، وتقوية الروابط بين أبناء الشعب الفلسطيني.

                وفي عام 1965، انقسمت جبهة التحرير إلى ثلاث جماعات قتالية، هي: جماعة الشهيد عبدالقادر الحسيني، ومركزها في الضفة الغربية؛ وفِرقة الشهيد عبداللطيف شرور، وتعمل في جنوبي لبنان؛ وفِرقة الشهيد عز الدين القسام، ومركزها في سورية، وعملها في شمالي فلسطين، في سهل الحولة، وطبريا، وقرى الجليل الأعلى.

                بدأت الجبهة عملياتها العسكرية الفعلية، عام 1966، وخاصة بعد انطلاقة "حركة فتح"؛ وسقط أول شهدائها في أواخر العام نفسه. وما لبث أن انضمت إلى "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وعملت ضمن صفوفها، حتى أكتوبر1968، حينما انفصل أحمد جبريل عن جورج حبش، معلناً الاسم الجديد: "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة"؛ أمّا انفصالهما، فمردّه إلى أن جبهة أولهما، كانت تريد السيطرة على جبهة الثاني، وصرفها عن خطها، الذي اختطته لنفسها؛ إدراكاً منها للعقبات، التي تواجه العمل الفدائي الفلسطيني، وللمؤامرات الرامية إلى القضاء على القضية الفلسطينية.

                كانت الجبهة تشدد على نموّ القدرات الفنية، من أجل ضمان تنفيذ العمليات العسكرية على أكمل وجه. وهي تؤمن بارتباط النشاط الفلسطيني المسلح بالجهد العربي الواسع، وخصوصاً جهد الجيوش العربية النظامية؛ ما يعني الاكتفاء بمنح العمل الفدائي دوراً ثانوياً. وهو السبب الذي جعل أحمد جبريل ينسحب، مع عناصره، من معركة الكرامة، في 21 مارس 1968، وترْك قوات فتح بمفردها في المعركة؛ وقد أثر هذا الانسحاب في الجبهة، فيما بعد، جماهيرياً.

                يصعب تقدير عدد مقاتلي "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة"، عند انطلاقها؛ ويظن أنه لم يزد على مائة، حتى حرب 1967. وقد انطلقت الجبهة، مجدداً، بعد معركة الكرامة، وازداد عدد قواتها، فناهز 200 مقاتل. وترجع قِلة عدد مقاتلي الجبهة إلى تشددها في انتقائهم، وإخضاعهم للتدريب الشاق، والانضباط الصارم؛ بل إن الخط البياني لنموّها، طالما مال إلى تراجع عددهم.

                زودت الجبهة مقاتليها بالأسلحة الفردية الخفيفة، التي كانت تحصل عليها من سورية، حتى أوائل السبعينيات؛ ومن التنظيمات الأخرى، والسوق الحرة. وبعد الخروج من الأردن، حصلت على أسلحة من العراق، ودول أوروبا الشرقية، وكذلك ليبيا. وكانت تدرب عناصرها، في بادئ الأمر، في معسكرات، في سورية، وفّرها لها الجيش السوري، حتى عام 1968. ثم أنشأت معسكراتها الخاصة في الأردن، حتى عام 1971. وبعد ذلك، خرجت من الأردن، وانتقلت إلى لبنان وسورية، حيث استمرت من عام 1971 إلى 1973. ثم تمركزت بعد عام 1973، في جنوبي لبنان، وتحديداً في القطاع الشرقي؛ وأنشأت في هذا البلد معسكرات تدريب خاصة. وقد اشترك الجبهة في الدورات الفلسطينية الجماعية، في الاتحاد السوفيتي، وبعض الدول الاشتراكية. واتصفوا بسمات بارزة، مثل الكفاءة الفنية المرتفعة، وتحديداً في مجال الهندسة القتالية؛ حتى إن بعض التنظيمات الفدائية الأخرى، كانت تستعين بهم على المهام الهندسية، المتعلقة بالعمليات العسكرية. كما امتازوا "بالاحتراف العسكري"؛ ما جعل الجبهة تنجح في تنفيذ العديد من العمليات العسكرية، التي استهدفت الطائرات الإسرائيلية المدنية، والمؤسسات والمكاتب التجارية، في البلدان الغربية؛ فضلاً عن نجاح عملياتها الانتحارية، مثل "عملية اقتحام مستوطنة كريات شمونا، شمال فلسطين"، في أبريل 1969، والتي تجاوزت، بين عامَي 1967 و1969، 400 عملية قتالية، شملت كلَّ الأراضي العربية المحتلة. وقدرت خسائر العدوّ، في العمليات، بنحو 3500 إصابة، بين قتيل وجريح؛ وتدمير ما لا يقل عن 280 آلية مختلفة. في حين بلغ عدد شهداء الجبهة 52 شهيداً و30 أسيراً ومفقوداً.

                عقدت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة"، مؤتمرها الأول، في نهاية عام 1968. وأقرت فيه برنامجها السياسي، المسمَّى "الميثاق"؛ أكدت فيه أن "الثورة المسلحة على العدوان والاستعمار، هي الطريق الوحيد، والحق المقدس لكلِّ الفلسطينيين. وأن القضية الفلسطينية قضية قومية. وأن الثورة الفلسطينية مرتبطة ارتباطاً، عضوياً ومصيرياً، بالثورة العربية، وهي أحد عناصرها. وأن إسرائيل، هي المخلب والرأس، الذي يشكله الاستعمار والإمبريالية، في الوطن العربي".

                عَدَّت الجبهة نفسها تنظيماً، لا ينتمي إلا إلى القضية العربية الفلسطينية، التي تستمد طاقاتها من الجماهير العربية؛ وتنظيماً جماهيرياً مستقلاً، وليس مرتبطاً بأيِّ حزب أو حركة سياسية أخرى. كانت الجبهة تحترم القوانين والأنظمة الموضوعة، في كلِّ بلد عربي تكون فيه، ما دامت تلك القوانين، لا تتعارض ودورها في الكفاح المسلح. وترى أيَّ حكم أو نظام، يحاول الحد من قدرتها أو منعها من أداء مهمتها، يعَد في مصافّ أعداء الثورة.

                وعقدت الجبهة مؤتمرها العام الثاني، في سبتمبر 1969، وتبنت فيه "الاشتراكية العلمية". وأكدت في مؤتمرها العام الثالث، في أبريل 1971، تبنّي تلك الاشتراكية، وبرنامج سياسي منبثق منها. وكان مؤتمرها الرابع في أغسطس 1973.

                انشق من الجبهة تنظيمان: الأول، باسم "جبهة التحرير الفلسطينية"، وهو لا يزال قائماً (جماعة أبو العباس)؛ والثاني، باسم "منظمة فلسطين العربية"، تزعمها أحمد زعرور، في أغسطس 1969؛ تستند إلى الفكر القومي الناصري.

                في أوائل أبريل 1970، أصدرت الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة بيانها الرقم 192، الذي نددت فيه بالمشروعات الاستسلامية لقضية فلسطين، وموافقة بعض الأنظمة العربية على مشروع روجرز الاستسلامي. واتهمت، في بيانها الصادر في فبراير 1971، النظام الأردني، بالعمل على القضاء على المقاومة، بالتواطؤ مع عدد من الدول العربية، التي لزمت الصمت تجاه ما يجري في الأردن؛ واكتفت بالتنديد الكلامي. كما هاجم البيان مشروعات الحلول السلمية.

                لقد شاركت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة"، في اجتماع المجلس الوطني الرابع، الذي انعقد في القاهرة، خلال الفترة من 10 إلى17 يوليه 1967؛ وهو أول اجتماعاته، بعد حرب ذلك العام؛ وأول اجتماع تتلاقى فيه المنظمات الفلسطينية، وتشارك في جميع أعماله، وتوافق على مقرراته، التي تُعَدّ في مجموعها خطة ومنهاجاً للعمل الفلسطيني، في جميع المجالات. وهي تمثّل الأفكار والآراء المشتركة، التي تلاقت عليها، والتزمت بها جميع القوى العاملة، التي تمثّلت في المجلس.

                لم تشارك الجبهة في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني، المنعقدة في القاهرة، خلال الفترة من الأول إلى الرابع من فبراير 1969. وشاركت، بعد ذلك، في جميع جلساته، حتى انضمت إلى الاتجاه المعارض للسياسة المرحلية، والبرنامج السياسي، الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية؛ فشكلت مع بعض التنظيمات، ما سمِّي "جبهة الرفض الفلسطينية"؛ وذلك في عقب حرب أكتوبر1973. ووقفت موقفاً رافضاً لكافة المشروعات السياسية، التي طرحت لحل القضية الفلسطينية؛ بل عّدَّتها مشروعات استسلامية؛ لأنها تمنح الشرعية لوجود إسرائيلي.

                تعليق


                • #9

                  رابعاً: "طلائع حرب التحرير الشعبية" (الصاعقة)


                  تكونت "طلائع حرب التحرير الشعبية" (الصاعقة)، في مايو 1968، بقرار من حزب البعث العربي الاشتراكي، في سورية؛ وكانت تجسيداً عملياً لإستراتيجيته. إلا أنها كانت قد مارست نشاطاً مسلحاً، بعد منتصف عام 1967، ونفذت أولى عملياتها، في 8 يونيه من العام نفسه، تحت اسم "قوات الصاعقة"؛ بل شاركت في حرب الأيام الستة من العام عينه، وهي قليلة العدد، آنذاك، معتمدة على الفلسطينيين البعثيين، في سورية. وبعد المعركة، أخذ اسم "الصاعقة" يبرز، على صعيد الساحة الفلسطينية؛ في وقت تزايدت فيه المنظمات الفلسطينية. كذلك، شاركت الطلائع، "حركة فتح"، في الدعوة إلى مؤتمر، عقد في القاهرة، في أوائل عام 1968، كان أول خطوة نحو وحدة فصائل المقاومة؛ إذ حصرت تلك المنظمات المتعددة كلّ نشاطاتها العسكرية، تحث اسمَين هما: "العاصفة" و"الصاعقة".

                  وسرعان ما انضمت "كتائب النصر" بقيادة العقيد طاهر دبلان، إلى منظمة "طلائع حرب التحرير الشعبية"، عام 1968، حينما شهدت نهاية هذا العام توتراً بين السلطات الأردنية والمنظمات الفدائية الفلسطينية، بدأ باعتقال طاهر دبلان؛ وانتهى ذلك التوتر إلى مذابح أيلول الأسود، وخروج قوات الثورة الفلسطينية من الأردن في يوليه1971.

                  عندما انضمت "كتائب النصر" إلى "الصاعقة"، أصبح العقيد طاهر دبلان قائداً عاماً لهما، ومتحدثاً رسمياً باسمَيهما، يتمتع بكلِّ حقوق القيادة العامة، وله مطلق الصلاحية في إدارة شؤونهما، العسكرية والسياسية والمالية. وفي 4 نوفمبر 1968، اتهمته القيادة العامة لقوات "الصاعقة" بالارتباط بجهات مشبوهة، هي الاستخبارات الأردنية.

                  أعلنت القيادة العامة لقوات "الصاعقة" في 27 ديسمبر 1968، اندماج "جبهة التحرير الفلسطينية" ومنظمة "قوات الجليل" في صفوفها، ليصبح هذا التنظيم العمود الفقري لمنظمة حزب البعث، وثاني التنظيمات في الساحة الفلسطينية بعد "حركة فتح" مباشرة،. ودخلت "الصاعقة" في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، واشتركت في كافة مؤسساتها القيادية. وكان لها دور مباشر في أحداث الأردن، في السبعينيات. وكانت مواقفها موافقة بعامة، للخط السياسي للمنظمة والقوى الممثلة فيها. وكان وجودها الأساسي في الأردن، غير أن مركزها كان في سورية. وخلال أحداث أيلول الأسود، في الأردن، اشتركت "الصاعقة" في اجتماعات اللجنة المركزية لحركة المقاومة ومواقفها، وقاتلت قواتها القوات الأردنية؛ وكان مصيرها كمصير بقية فصائل حركة المقاومة، وهو الخروج من الأردن.

                  حضرت الصاعقة الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني، الذي شاركت فيه، للمرة الأولى منظمتان فدائيتان، هما "فتح" و"الصاعقة"، اللتان شكلتا، مع بعض المستقلين، اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكان لـ"الصاعقة" نصيب وافر في صفوف اللجنة التنفيذية والمجلس معاً. وشاركت الطلائع، فيما بعد، في قيادة الكفاح المسلح، واللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي وفد المنظمة، برئاسة ياسر عرفات، إلى موسكو، بدعوة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي.

                  إن قوات "الصاعقة" هي من المنظمات الفلسطينية الموالية لسورية، والمقيمة بأراضيها. وكانت قد انتشرت في الأردن، بين عامَي 1968 و1970؛ إلا أنها أرغمت على مغادرته، منتصف عام 1971، وتوجهت إلى سورية، ثم إلى مدن لبنان ومخيماته، مع بقاء مراكز الإعداد والتدريب وما شابهها، في سورية. واعتمدت "الصاعقة"، منذ بداية تكوينها، على سورية، لتوفير مختلف الاحتياجات، التسليحية والإمدادية؛ بل تلقى مقاتلوها التدريب العسكري، في البداية، في معسكرات الجيش السوري؛ ثم افتتحت معسكراتها الخاصة، في الأردن، ثم في لبنان، وكذلك في سورية. وقد اشترك مقاتلوها في دورات خاصة، في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي والصين، ضمن بعثات منظمة التحرير الفلسطينية، أو بعثات "الصاعقة" نفسها؛ ولهذا، تولت قوات "الصاعقة"، في فترة من الفترات، مسؤولية الدائرة العسكرية، في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

                  اعتنقت الطلائع عقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي المنطلقة من "الإيمان بالاشتراكية العلمية، لرؤية الحقيقة الواضحة، في أن الصراع الطبقي، في وطننا، هو حقيقة ثابتة؛ لم يتبلور نتيجة انقسام حادّ في المجتمع، بين قِلة من الرأسماليين وطبقة من العمال؛ وإنما برز نتيجة عجز طبقات، إقطاعية وبورجوازية، عن قيادة وحماية ثروات الوطن العربي من الغزو الاستعماري، وعن تطوير المؤسسات المختلفة القديمة، لإنقاذ الجماهير العربية الواسعة، من الجوع والفقر".

                  لقد اعتقدت الطلائع، بأن الإيمان بأيِّ عقيدة، لا يتأتّى من رفع شعارها فقط؛ وإنما تحققه الممارسات الصادقة، والحقيقية، لتلك العقيدة. ومن هذا المنطلق، دأبت على تثقيف كوادرها، ثم عمدت إلى العديد من العمليات العسكرية الناجحة، في الأراضي العربية المحتلة.

                  لقد رفضت الطلائع جميع الحلول والمشروعات، الاستسلامية والتصفوية. وأعلنت تمسكها بموقفها المبدئي الواضح، والمتمثل في العزم على مواصلة النضال بكل وجوهه، وفي مقدمتها الكفاح المسلح؛ إذ رفضت قرار مجلس الأمن، الرقم 242، الصادر في 22 نوفمبر 1967؛ ومشروع روجرز، عام 1969، والذي يثبت الوجود الصهيوني، ويعترف بدولة إسرائيل، في إطار من المشروعية الدولية.

                  وطالما دعت الطلائع إلى تحقيق الوحدة بين الفصائل الفلسطينية، من خلال منظمة التحرير الفلسطينية؛ وإلى توحيد أنشطتها، السياسية والإعلامية والعسكرية والمالية.

                  لقد شاركت قوات "الصاعقة" في حرب 6 أكتوبر 1973؛ إذ نفذت، مع القوات السورية الخاصة، عملية إنزال، بواسطة طائرات عمودية، فوق المواقع الإسرائيلية.

                  كان هدف "الصاعقة" الإستراتيجي، هو تحرير فلسطين، باعتماد الكفاح المسلح، والحرب الشعبية. ومن هذا المنطلق، وجدت أن الوحدة الوطنية أمر يساعد عليه؛ ولذلك، سارعت إلى الانضمام إلى المجلس الوطني والمنظمة؛ وسعت مع "حركة فتح"، إلى ضم العديد من التنظيمات الفلسطينية إلى صفوف منظمة التحرير الفلسطينية. وعندما طرحت تلك المنظمة برنامجها السياسي المرحلي، بعد حرب 6 أكتوبر 1973، أيدتها "الصاعقة"؛ مساندة "حركة فتح" والجبهة الديمقراطية. وأيدت، كذلك، برنامج النقاط العشر، الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الثانية عشرة، المنعقدة في القاهرة، من الأول إلى السابع من يونيه 1974. وكانت الطلائع، ولا تزال ترفض الاقتتال الفلسطيني، وتعمل دائماً على تجنّب الفصائل الفلسطينية الخلافات.



                  خامساً: جبهة التحرير العربية

                  تكونت "جبهة التحرير العربية"، في أواخر عام 1968، بعد وصول البعثيين إلى سدة الحكم في العراق، حيث خُرِّجت دورة المقاتلين والكوادر الأولى، في بغداد، والتي ضمت نحو 100 متخرج. إلاّ أن إعلان تشكيل الجبهة، رسمياً، كان في 31 أغسطس 1969. وقد انبثقت "جبهة التحرير العربية" من الفرع الفلسطيني لحزب البعث العربي الاشتراكي، في العراق؛ وحصلت منه على غالبية إمداداتها، التسليحية والتموينية، في المرحلة الأولى.

                  خَرَّج العراق ثلاث دورات، بين عامَي 1968 و1969؛ ضمت نحو 300 متخرج، انضموا جميعهم إلى جبهة التحرير، وتوجهوا إلى قواعدها، في وسط الأردن وشماليه، عام 1969. وبعد الخروج من الأردن، عام 1971، انتقل جزء منهم إلى العراق، والجزء الآخر إلى لبنان. واتخذت جبهة التحرير بغداد مقراً رئيسياً لها ولقواعدها. واستخدمت معسكرات الجيش العراقي النظامية، لتدريب مقاتليها؛ إضافة إلى معسكراتها الخاصة، في الأردن، حتى عام 1971،. وبعد الخروج من الأردن شكلت قواعد كبيرة لها في لبنان، وأنشأت معسكرات خاصة، لتدريب مقاتليها، منذ بداية السبعينيات.

                  شارك مقاتلو جبهة التحرير في الدورات الخارجية، التي كانت تنظمها منظمة التحرير الفلسطينية، في البلدان، العربية والأجنبية. ولم يكن للجبهة أيُّ قواعد عسكرية في سورية، إلا بعض مكاتب محددة لنشاط، مثل مكاتب التطوع، ومكاتب التموين. وقسمت قواتها في جنوبي لبنان إلى ثلاث كتائب، هي: كتيبة الشهيد كمال ناصر، وكتيبة الشهيد محمد جابر نبهان، وكتيبة الشهيد أبو ذر؛ وشملت كلٌّ منها سَريتَين أو ثلاثاً. وتمركزت أولاها في القطاع الغربي من الجنوب اللبناني، وثانيتها في القطاع الشرقي من لبنان، وثالثتها في القطاع الأوسط (قضاء النبطية).

                  لم تنضوِ الجبهة إلى منظمة التحرير الفلسطينية؛ لأنها رأتها منظمة إقليمية؛ ما يناقض تكوينها وفكرها القومي. ولكنها انضمت إلى المجلس الوطني الفلسطيني، إبّان أحداث سبتمبر 1970؛ لإبراز مشاركة القوى القومية في حماية الثورة الفلسطينية. بيد أنها كانت قد انضمت إلى قيادة الكفاح الفلسطيني المسلح، في أغسطس 1969؛ ما يناقض تماماً مواقفها السياسية؛ لأن قيادة الكفاح المسلح (القيادة السياسية)، هي منظمة التحرير الفلسطينية، التي يعترف بها بعض الدول العربية؛ ولكن الجبهة رفضت الانضمام إلى المنظمة. وعلَّلت جبهة التحرير انضمامها إلى قيادة الكفاح الفلسطيني المسلح، في مؤتمرها الصحفي، في 30 أغسطس 1969، بأنه من أجل فتح حوار ديموقراطي صادق، مع كلّ المنظمات الأخرى.

                  دأبت "جبهة التحرير العربية" على الدعوة إلى توحيد صفوف المقاومة الفلسطينية. وبعثت بمذكرة إلى المجلس الوطني الثامن، المنعقد في القاهرة، بين 28 فبراير و5 مارس 1971، تضمنت مشروعاً، ينص على تكوين "جبهة تحرير فلسطينية"، تضم منظمات المقاومة كافة، وتحقق بينها وحدة، عسكرية وتنظيمية ومالية. وأرسلت بمذكرة إلى المجلس الوطني التاسع، المنعقد في القاهرة بين 7 و13 يوليه 1971، تناشده فيها إنشاء قيادة عسكرية مركزية، تحقق الوحدة بين المنظمات الفلسطينية، وتوحّد ضرائبها وإعلامها. وطالبت في المذكرة "بتثوير المنظمة، وانتزاعها من التبعية والوصاية العربية عليها؛ وبتحقيق تمثيل أوسع في المجالس الوطنية، على اعتبار أن كلَّ المناضلين العرب، بغض النظر عن مكان ولادتهم، فلسطينيون، لهم الحق في التمثيل والمشاركة في أعمال هذه المجالس؛ وذلك تحقيقاً لقومية المعركة ضد إسرائيل".

                  أيدت جبهة التحرير العمل الفدائي، على أن يتكامل مع الجهد العسكري العربي القومي. ونفذَّت العديد من العمليات العسكرية الناجحة، بمفردها، منذ يوليه 1969 حتى أوائل عام 1970، التي ناهزت حوالي 225 عملية. شاركت الجبهة منظمات فلسطينية أخرى، في تنفيذ عمليات عسكرية فدائية، داخل الأرض المحتلة. وكانت العمليات العسكرية الخارجية، جزءاً أساسياً من إستراتيجيتها؛ وإنما رأت أن اختيار الأهداف، وتوقيت العمليات، يجب أن يحظيا بأهمية كبيرة؛ نظراً إلى انعكاساتهما على الرأي العام العالمي، وخاصة المؤيد منه لنضال الأمة العربية العادل، أو المتعاطف مع ذلك النضال.

                  عقدت جبهة التحرير العربية العديد من الندوات، منذ تأسيسها، لتدارس أوضاعها. ولكن مؤتمرها التأسيسي الأول، لم يعقد إلا في أغسطس 1972، حينما انتخبَت لجنة مركزية جديدة، عملت على زيادة قوّتها ووزنها، داخل الساحة الفلسطينية. ولقد شاركت جبهة التحرير القوات السورية، في حرب 6 أكتوبر 1973.

                  لقد رفضت "جبهة التحرير العربية"، جميع الصيغ والأشكال والمؤامرات، التي ترمي إلى استدراج أيِّ قطاع من قطاعات الشعب الفلسطيني، إلى المشاركة في ما عَدَّته حلولاً استسلامية وتصفوية. ورفضت أيَّ حل سياسي، يسفر عن تثبيت الكيان الصهيوني، ووأد النضال العربي؛ ومن ثم، جاء رفضها القرار الرقم 242، ومشروع روجرز، وباقي القرارات، التي تدعو إلى الاعتراف بدولة إسرائيل. وأصدرت بياناً، يحمل الرقم 186، في شأن قبول بعض الأنظمة العربية مقترحات روجرز؛ قالت فيه: "إن قبول الأنظمة العربية، التي هزمت في يونيه 1967، لشروط الاستسلام الأمريكية، المسماة بمقترحات روجرز ـ ما هو إلا محاولة من الأنظمة العربية لتحجيم العمل الفدائي، وفرض الوصاية عليه، في أعقاب مؤتمر طرابلس، في ليبيا".

                  لقد وقفت الجبهة موقفاً رافضاً لكافة المشروعات السياسية، التي طرحت من أجل حل القضية الفلسطينية. وشاركت في رفض البرنامج الفلسطيني السياسي، المرحلي، الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية، بعد حرب أكتوبر 1973. وأسهمت في تشكيل جبهة الرفض الفلسطينية، عام 1974.


                  سادساً: "جبهة النضال الشعبي الفلسطيني"

                  بعد حرب يونيه 1967، أُعلن نشوء العديد من المنظمات الثورية الفلسطينية المسلحة؛ ومنها "جبهة النضال الشعبي الفلسطيني"، بزعامة صبحي غوشة، أحد أبناء الضفة الغربية. وقد أنشئت أولى خلاياها، في منتصف يوليه 1967، في القدس، ومدن الضفة؛ لتمتد، بعد ذلك، إلى باقي فلسطين المحتلة. وكانت أولى عملياتها المسلحة في الضفة الغربية، في 24 ديسمبر 1967. وقد انضمت جبهة النضال، في صيف عام 1971، إلى "حركة فتح"؛ بصورة مؤقتة إلا أنها استعادت كيانها المستقل، بعد بضعة أشهر.

                  اتخذت جبهة النضال إستراتيجية ضرب العدو وملاحقته، في كلّ مكان؛ لتشتيت قواه، وإيقاع أكبر عدد من الخسائر في صفوفه. أن "الحرب الشعبية الطويلة الأمد، هي الإستراتيجية العسكرية المختارة".

                  ظهرت النواة الأولى لجبهة النضال في الضفة الغربية. ثم انتقل مركزها الرئيسي إلى الأردن، بعد أن فشلت في إنشاء قواعد ارتكازية لها في فلسطين المحتلة. وبقي فدائيوها في الأردن، حتى يوليه1971، حينما انتقلوا إلى سورية، ثم إلى لبنان. واعتمدت جبهة النضال، في تدريب مقاتليها، على معسكرات، أنشأتها في الأردن؛ واستعانت بمعسكرات التنظيمات الفلسطينية الأخرى، وخصوصاً "حركة فتح". وأنشأت معسكراتها الخاصة في لبنان، بعد الخروج من الأردن؛ فضلاً عن الدورات الخارجية، التي شارك فيها مقاتلوها. أمّا إمدادتها العسكرية، فتمثّلت في مخلفات ساحات القتال، في حرب يونيه 1967؛ ودعم منظمة التحرير الفلسطينية، والتنظيمات الفدائية الأخرى؛ ومساعدة دولتَي العراق وليبيا.

                  لقد نفذّت الجبهة العديد من العمليات العسكرية الناجحة، في الأراضي المحتلة. وأعلنت، في بيانها، الرقم 197، الصادر في الأول من أبريل 1970 تأييدها ومشاركتها "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في ضرب المصالح الاستعمارية، أينما وجدت.

                  شاركت جبهة النضال في المؤتمر الأول لحركة المقاومة الفلسطينية، المنعقد في القاهرة بين 17 و20 يناير 1968، والذي دعت إليه "حركة فتح"، وأعلنت ترحيبها بإنشاء القيادة الموحدة الفلسطينية. وانضمت إلى قيادة الكفاح المسلح الفلسطيني، في 20 سبتمبر 1969.

                  ودعت "جبهة النضال الشعبي الفلسطيني"، غير مرة، على لسان بهجت أبو غربية، الناطق الرسمي باسمها، إلى توحيد صفوف المقاومة الفلسطينية، وتراصّها مع الحركة الوطنية في الأردن. كما دعت إلى إشراك الجماهير في محاربة العدوّ؛ إذ ترى "أن قوى الشعب العامل، من فلاحين وعمال ومثقفين وثوريين وفقراء، هي الطبقة الثورية التقدمية، وهي مادة الثورة الأساسية، التي تصارع الطبقة البرجوازية الكبيرة، وتصارع معها قوى الاستعمار والصهيونية؛ من أجل إزالة الاستغلال والاحتلال. وهذه الطبقة، هي الطبقة التي تريد التغيير حقاً، وتناضل، بصلابة، في سبيل إحداث التغيير الثوري الاجتماعي السياسي؛ وهي التي تصمد، في الصراع، إذا ما أتيح لها الوعي والتنظيم اللازمان".

                  أكدت جبهة النضال التمسك الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني، وعدم التفريط في أيّ شبر من أرض فلسطين. وقاومت كلّ الحلول والمشروعات التصفوية الاستسلامية. وكان لها أهداف ومهمات، تضمنتها منطلقاتها، النظرية والسياسية والتنظيمية. وهي:

                  1. لشعب فلسطين الحق المطلق في تقرير مصيره ومصير وطنه. وواجبه أن يكون في طليعة الأمة العربية، في الكفاح المسلح من أجل تحرير فلسطين. ولذلك، فإن على الثورة الفلسطينية، أن تمتلك زمام المبادرة، في التخطيط والقتال.

                  2. العمل على إبراز الشخصية الفلسطينية، واستقلال الثورة الفلسطينية؛ والسعي إلى توحيدها، في إطار جبهوي؛ لأن ذلك ضرورة أساسية لنجاح الثورة.

                  3. الإيمان بأن الإمبريالية والصهيونية، والرجعية، هي العدوّ الحقيقي لشعب فلسطين، والشعب العربي، وجميع شعوب العالم المكافحة من أجل التحرر والتقدم والسلام؛ وبأن ما يسمى " دولة إسرائيل "، هو التجسيد العملي للصهيونية العالمية، بكل ما تملكه هذه الحركة الاستعمارية، الاستيطانية، العدوانية، بصفتها شريكاً للإمبريالية وشُرطيّها الأمامي.

                  4. التغلب على جميع المشكلات المعقدة، التي تواجهها الثورة الفلسطينية، لا يتأتَّى إلا بحلول نظرية علمية، بعيدة عن الارتجال والعفوية، تعتمد التخطيط المدروس لتحقيق النتائج والأهداف المرجوة.

                  5. الثورة المسلحة، ضرورة لا بدّ منها لتدمير قوة الخصم. ولا يمكن حسم التناقض مع العدوّ، سلماً، بل بثورة مسلحة، وحرب شعبية طويلة الأمد.

                  انضمت جبهة النضال إلى صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، منذ الدورة السادسة للمجلس الوطني الفلسطيني، المنعقد في القاهرة، بين الأول والسادس من سبتمبر 1969، والذي قرر، أن بهجت أبو غربية، عضو المجلس، هو ممثل جبهة النضال الشعبي؛ وكلف اللجنة التنفيذية مواصلة الحوار مع التنظيم.

                  كما اشتركت الجبهة في اللجنة المركزية، واللجنة التنفيذية للمنظمة؛ إلا أنها نصرت، عام 1974، جبهة الرفض الفلسطينية، على البرنامج السياسي المرحلي (برنامج النقاط العشر) الذي وافق عليه المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته الثانية عشرة، في القاهرة، بين الأول والتاسع من يونيه 1974؛ ووافقت عليه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. وإمعاناً في معارضتها لهذا البرنامج، تركت جبهة النضال صفوف منظمة التحرير الفلسطينية؛ لتعود إليها عام 1979.


                  سابعاً: "جبهة التحرير الفلسطينية"

                  انشقت من الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة، عام 1976، في إثر الحرب في لبنان. وصدر بيان في 23 أبريل 1977، عن القيادة الفلسطينية، برئاسة ياسر عرفات؛ أعلن فيه التوصل إلى حل للخلافات بين الجبهتَين، واحتفاظ كلٍّ منهما باسمها. وعقدت الجبهة مؤتمرها الأول في أغسطس 1977، والثاني في سبتمبر 1979. ومع انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، في دورته السابعة عشرة انشق من الجبهة جناحان، عام 1984، كلٌ منهما، يحمل اسمها نفسه؛ وهما: جماعة أبو العباس، وجماعة طلعت يعقوب. والأخيرة معارضة لنهج رئيس منظمة التحرير، ولم تلبث أن انشقت إلى جماعتَين: إحداهما برئاسة طلعت يعقوب، والثانية برئاسة عبدالفتاح غانم. وسرعان ما انحلت الأخيرة، وانضم معظم كوادرها إلى جماعة طلعت يعقوب؛ وانضم آخرون، منهم رئيسها، إلى "فتح الانتفاضة"، بقيادة أبو موسى. وللجبهة مراكز للتدريب المهني والطبي، وأنشطة رياضية.

                  ثامناً: "حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني" (فدا)

                  تزعم ياسر عبدربه، أمين عام مساعد "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، انشقاقاً من الجبهة، عام 1989. واتهم أنصار نايف حواتمة المنشقين، بالعمل على استغلال موقف الجبهة في مصلحة استثمار الانتفاضة في مشروعات التسوية الأمريكية، وخاصة أن عبدربه، هو ممثِّل الجبهة الديمقراطية في اللجنة التنفيذية، وتولى رئاسة وفد المنظمة، في الحوار الأمريكي ـ الفلسطيني، ودافع عن الاتجاهات السلمية لدى عرفات. بينما يرى أنصار عبدربه، أن الخلافات بينهما تنظيمية ومالية؛ متهمين حواتمة، بالعمل على توظيف السلطات الممنوحة له، وكلّ الهيئات، لإشغال الجبهة عن مهماتها، الوطنية والجماهيرية، في تطوير الانتفاضة. وأصبح يمثل الجبهة الديمقراطية تيسير خالد، في اللجنة التنفيذية، التي أصبح ياسر عبدربه، يمثل فيها "فدا".


                  تاسعاً: حركة فتح ـ المجلس الثوري (أبو نضال)

                  انشقت هذه الحركة عن "حركة فتح"، عام 1973؛ واتخذت اسم المجلس الثوري، عام 1977. ويرجع الانشقاق إلى الخلاف في الخط، السياسي والتنظيمي؛ إذ رأت الحركة الجديدة، أن قيادة فتح، خرجت عن برنامج الحركة، السياسي والتنظيمي. ولم تعلن الحركة المنشقة برنامجاً سياسياً، ولا نظاماً داخلياً، مثل سائر الفصائل. كما أنها ليست ممثلة في مؤسسات المنظمة. وقد تمتعت الحركة بدعم العراق، بين عامَي 1974 و1983. وارتبط اسمها بعمليات اختطاف الطائرات، واغتيال عدد من القادة الفلسطينيين.



                  عاشراً: "الهيئة العاملة لتحرير فلسطين"

                  بعد حرب يونيه 1967، وهزيمة الدول العربية، تكونت الهيئة العاملة؛ ردّاً على تلك الهزيمة واحتلال أراضٍ عربية جديدة. وأطلقت على نفسها اسم "الهيئة العاملة لدعم الثورة". وأكدت أنها ليست بديلة من أيّ تنظيم؛ وإنما تنظيم جديد، يضاف إلى التنظيمات الفلسطينية.

                  شاركت الهيئة العاملة في أول مؤتمر للمنظمات الفدائية، عقد في القاهرة، بين 17 و20 يناير 1968. وأوضح ممثلّها فيه، "أن منظمة التحرير الفلسطينية، لا تملك جناحاً عسكرياً، بالمفهوم المتعارف عليه؛ فإمكانياتها العسكرية... لم تتجاوز أعضاءها الراغبين في شرف القتال". وقدر المؤتمرون الموقف المشرف، العظيم، للهيئة العاملة لتحرير فلسطين، مع كافة التنظيمات الأخرى.

                  كانت الهيئة العاملة، منذ نشأتها، على صلة وثيقة بـ"حركة فتح". وقد وضعت كافة إمكانياتها، بعد مؤتمر حركة المقاومة الفلسطينية، في القاهرة، في تصرف القيادة العامة لقوات "العاصفة" والمجلس العسكري للمنظمات؛ ولكنها انفصلت عن الحركة، بتاريخ 8 نوفمبر 1968.

                  رفضت "الهيئة العاملة لتحرير فلسطين"، الاشتراك في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني، التي عُقدت في القاهرة، بين الأول والرابع من فبراير 1969؛ لأنها رأت أن ذلك المجلس، ما هو إلا "تجسيد للتبعية، ولممارسة سياسة التصفية والاحتواء".

                  ولقد شاركت الهيئة في القيادة الموحدة، التي تشكلت من عشرة تنظيمات فلسطينية، في فبراير 1970؛ وذلك من أجل الإسهام في تحقيق وحدة وطنية سليمة، تقوم على أُسُس علمية واضحة، وتكون قوةً دافعةً إلى تحرير فلسطين، والأراضي العربية المحتلة.

                  لقد رأت الهيئة العاملة، أن حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه وممتلكاته، هو حق، لا نقاش فيه، ولا يخضع لأيّ معايير، مهما كانت. وأن حل المشكلة اليهودية، يكمن في تقديم التسهيلات الكافية لترحيل اليهود، الذين جاءوا إلى فلسطين، من مختلف دول العالم، بعد انتهاء الانتداب، إلى مواطنهم الأصلية، أو أيّ بلاد أخرى يفضلونها. ويمنح اليهود، الذين استوطنوا فلسطين، قبل انتهاء الانتداب، بطرائق مشروعة، حقوق المواطنين كاملة؛ على أن يستثنى مَن ذلك من يثبت عليهم ارتكاب جرائم الحرب.

                  كانت أهداف الهيئة العاملة، هي القضاء على الكيان الإسرائيلي، وتأسيس دولة فلسطينية على أنقاضها، يحدد مصيرها ونظامها الاجتماعي الشعب الفلسطيني، بملء إرادته. وترفض رفضاً قاطعاً، وأكيداً، مشروع الديموقراطية العلمانية؛ بل تَعُدّه وتعتبره مناقضاً لشعار التحرير، وتفريطاً واضحاً في الحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني. وأيدت العمليات العسكرية الخارجية، التي كان ينفّذها بعض المنظمات الفلسطينية؛ ولم تفرق بينها وبين أيّ عمل عسكري آخر. ولم تستمر الهيئة العاملة منفردة، بصفتها منظمة مستقلة في الساحة الفلسطينية؛ إذ أعلنت حل نفسها، واندماجها في "حركة فتح"، إبّان انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني التاسع، في القاهرة بين 7 و13 يوليه 1971، قبيل مذابح جرش وعجلون، وخروج المقاومة نهائياً من الأردن.

                  تعليق


                  • #10

                    المبحث الثالث
                    الأحـــــزاب الفلسطينية

                    أولاً: "الحزب الشيوعي الفلسطيني"
                    (حزب الشعب الفلسطيني حالياً)


                    كان لانتصار الثورة الاشتراكية العالمية، عام 1917، في روسيا، أثره في انطلاقة الأحزاب الشيوعية في كلِّ بلدان العالم، بما فيها فلسطين، حيث اعترفت الأممية الشيوعية، عام 1924، بـ"الحزب الشيوعي الفلسطيني"، الذي ضم ثوريين من اليهود والعرب؛ لتمثيل طليعة النضال العمالي، العربي واليهودي، في فلسطين، ولتقديم كافة أشكال الدعم للسكان العرب، في مناضلتهم الاحتلال البريطاني ـ الصهيوني (البرجوازية اليهودية).

                    يقول أمنون كوهين: "إن أول ظهور علني للشيوعيين الفلسطينيين، كان في نهاية الأربعينيات، بعد النكبة، عام 1948؛ وذلك في صفوف اللاجئين". وسعى الحزب إلى استغلال ظاهرة البطالة بين صفوف العمال اليهود، وإقناعهم بأن مشروع الصهيونية، لم يحقق طموحاتهم؛ وأن ذلك يتطلب البحث عن مخرج آخر، للتحرر من نير الاضطهاد، القومي والاجتماعي. كما حاول الحزب الاستفادة من تشجيع، الحكومة السوفيتية اليهود على استيطان مناطق زراعية، في الاتحاد السوفيتي، أُعِدَّت لسكناهم وعملهم؛ فنشط في إقناع الموجودين منهم في فلسطين بأن ما حققه إخوانهم في المناطق السوفيتية، خلال عامَين، لم تستطع الحركة الصهيونية تحقيقه لهم، خلال خمسين عاماً؛ ما حمل كثيراً منهم على العودة إلى الاتحاد السوفيتي.

                    لقد عمدت السلطات البريطانية، عام 1931، إلى اعتقال العديد من أعضاء الحزب وقيادييه، وإبعاد سبعة عشر منهم إلى خارج البلاد.

                    شارك الحزب في ثورة 1936، ودافع عن فلسطين، وتعرض أبناؤه للاعتقال والتعذيب. غير أنه انقسم، في أواخر سبتمبر1943، قسمَين يهودي وعربي. فأنشأ العرب "عصبة التحرر الوطني في فلسطين"، لتكون تنظيماً وطنياً، تحررياً، يسارياً؛ اقتصرت عضويته عليهم، وفي طليعتهم الشيوعيون العرب الفلسطينيون. وقد أكدت العصبة "بأنها جزء لا يتجزأ من الحركة الوطنية العربية الفلسطينية. كما أكدت دورها التحرري، المعادي للإمبريالية والصهيونية".

                    وافق الحزب على قرار هيئة الأمم المتحدة، عام 1947، الداعي إلى تقسيم فلسطين إلى دولتَين. ولم يستجب للحكومات العربية رغبتها في مغادرة الفلسطينيين بيوتهم وأرضهم، وعارض قرارات مؤتمر أريحا، القاضية بضم القسم العربي من فلسطين، إلى شرقي الأردن، وتوحيدهما في المملكة الأردنية الهاشمية تحت تاج الملك عبدالله.

                    تعرض الحزب الشيوعي الفلسطيني لِمدّ وجزْر، حددتهما الأوضاع، السياسية والاجتماعية، الناجمة عن ضم الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية) إلى الأردن، ووضع قطاع غزة تحت الإدارة المصرية. ففي الأردن، واجه الشيوعيون شتى أساليب الملاحقة والمطاردة والاعتقال والتعذيب، من قبل السلطات الأردنية آنذاك. ولكنهم اضطروا في منتصف الخمسينيات، إلى الموافقة على ضم الضفة الغربية إلى إمارة شرقي الأردن؛ إذ اتهمهم نظامها بالخيانة، لموافقتهم على قرار التقسيم، ودعوتهم إلى سلام مع اليهود.

                    أُعلن تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني، في أغسطس 1953، في قطاع غزة، حيث عقد اجتماع في بيارة خالد شراب، حضره كلٌّ من سمير البرقوني، ومعين بسيسو، وخالد شراب، ومحمد نصر؛ وعُرِف بالمؤتمر الأول للحزب الشيوعي الفلسطيني. وفي هذا الاجتماع، كُوِّنت اللجنة المركزية الأولى، من الأعضاء الحاضرين؛ وانتُخب معين بسيسو سكرتيراً عاماً لها.

                    وعقد الحزب مؤتمره الثاني، في 10 نوفمبر1954، في بيارة فايز الوحيدي. وحضره معين بسيسو، وسمير البرقوني، ومحمود علي نصر، وعبدالرحمن عوض الله، وأحمد خليل الحاج، وفايز الوحيدي، وأحمد حسن فليونه، وإبراهيم محمد الدغمة، وزهير الريس، وعبدالمجيد كحيل. وقد انتخب معين بسيسو، للمرة الثانية، سكرتيراً عاماً للجنة المركزية.

                    ولم يكن الشيوعيون، في قطاع غزة بأحظ من إخوانهم في الأردن، وخاصة في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات؛ بيد أن معاناتهم، كانت أقلّ حدة. وعلى الرغم ممّا لاقاه الشيوعيون الفلسطينيون، في قطاع غزة، من اعتقال، فإنهم لم يندمجوا في الشيوعيين المصريين، كما اندمج رفاقهم الفلسطينيون في الشيوعيين الأردنيين، والذين غيروا اسم حزبهم إلى "الحزب الشيوعي الأردني"، الذي ناهز عدد أعضائه، في الضفة الغربية، المائتَين وقارب عددهم المائة، في الضفة الشرقية، ومعظمهم من الفلسطينيين.

                    طالب الحزب الشيوعي بانسحاب القوات، الإسرائيلية والعربية، من المنطقة التي خص بها الفلسطينيين قرار التقسيم، الصادر عن الأمم المتحدة؛ وإتاحة الفرصة لإنشاء دولة عربية فلسطينية مستقلة، وديموقراطية، تجمع اللاجئين الفلسطينيين من منفاهم.

                    جابت أول مظاهرة في الضفة الغربية، مدينة نابلس، في 31 مايو 1950، بتحريض من الشيوعيين؛ احتجاجاً على انتخابات الملك عبدالله. وقد اعتقل جميع المشاركين فيها، وكان عددهم خمسين شخصاً؛ وأجبروا على السير على أقدامهم إلى عمّان، فمات أحدهم، وأُودع الآخرون السجن، مدة شهرَين.

                    وقاوم الحزب الشيوعي، في قطاع غزة، مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين بسيناء، وفق مخطط أمريكي لإنهاء قضيتهم، فضحته صديقة الحزب، سميرة سابا، التي كانت تعمل في قسم الشؤون الاجتماعية، في وكالة الغوث؛ إذ أعطت الشيوعيين نسخة من ذلك المخطط.

                    مساء 28 فبراير 1955، ارتكبت القوات الإسرائيلية مذبحة، في قطاع غزة، حيث قتلت أكثر من سبعين شخصاً من الحرس الوطني. وعلى أثرها، انطلقت المظاهرات والمسيرات في القطاع، وخاصة في شارع عمر المختار، مناهضة مشروع التوطين بسيناء؛ ومطالبة بتكوين جيش فلسطيني وطني، لحماية الحدود؛ وبإطلاق الحريات العامة للجماهير. واستشهد في هذه المظاهرات الشهيد حسيني بلال، أحد أعضاء الحزب الشيوعي، في الأول من مارس 1955. وعلى أثر استشهاده، فرضت القوات المصرية منع التجول على القطاع. إلا أن المظاهرات استمرت، فأعلنت الحكومة المصرية معارضتها، بل رفضها لمشروع التوطين. وكذلك شارك الحزب في إفشال مؤامرة إلحاق قطاع غزة بالنظام الأردني. وأسهم مع باقي القوي، الوطنية والحزبية، في إفشال مشروع التدويل، عام 1957.

                    رحّب الشيوعيون الفلسطينيون، في الأردن وقطاع غزة والشتات، بقرار إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، عام 1964؛ مع وجود تحفّظ، وأحياناً عدم رضى عن ظروف إنشائها وكيفيته. فقد رأى الحزب أن منظمة التحرير، هي نتيجة منطقية، معبرة عن الخصوصية الفلسطينية، عام 1964؛ على الرغم من الهيمنة العربية عليها، في ذلك الوقت؛ وطبيعة الزعامة الفلسطينية، التي كانت تتولى قيادتها، متمثلة في أحمد الشقيري، الذي حاول أن يضفي عليها طابعاً عربياً، بدلاً من تعزيز خصوصيتها الفلسطينية.

                    بيد أن الحزب الشيوعي، نصر منظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة عندما شنت السلطات الأردنية حملة إرهابية واسعة، على أعضائها، أعقاب الانتفاضة الشعبية، التي اندلعت في الضفة الغربية، بعد الاعتداء الإسرائيلي على قرية السموع، قضاء الخليل، في نوفمبر 1966. ودعا إلى الاعتراف بالمنظمة، ووقف التنكيل بأعضائها.

                    كما دعا الحزب قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وكلَّ المخلصين إلى تبنِّي موقف ثوري، واقعي؛ مشيراً إلى افتقاد شعار تحرير كامل فلسطين الواقعية، في ظل الظروف الصعبة, التي يمر بها العالم العربي. ودعا، كذلك؛ إلى ضرورة أن تكون حركة المقاومة الفلسطينية، وثيقة الصلة بالحركة الثورية العالمية، وقوّتها الأساسية الاتحاد السوفيتي.

                    لقد استطاع الحزب أن ينشئ جناحاً عسكرياً، في قطاع غزة، بقيادة الشهيد عمر أحمد عوض الله؛ شن العديد من العمليات العسكرية الناجحة على العدوّ الصهيوني، والتي فاقت 554 عملية عسكرية، كانت ذروتها في مارس 1970.

                    دأب الحزب الشيوعي الأردني على معارضة العمل الفدائي الفلسطيني؛ إذ رأى أنه يحول دون التوصل إلى التسوية السلمية. وإزاء استمرار هذا العمل، انقسم الحزب إلى قسمَين: أحدهما يؤيده، والآخر يعارضه؛ ما أسفر عن انعزال الحزب وفقدانه معظم قواعده ومؤيديه. ولكنه سرعان ما انتهج، في مارس 1969، سياسة جديدة قوامها الدعوة إلى حماية المقاومة المسلحة الناشئة، وتنميتها، وتنظيمها، وتوحيدها؛ فعُدَّت انتصاراً للجناح المؤيد، المنادي بضرورة الكفاح المسلح.

                    وعقد الحزب الشيوعي الأردني مؤتمراً، في ربيع 1970، دان فيه خطه السياسي، وصدّق على خطه الجديد، الداعي إلى الكفاح المسلح. وفي 3 مارس 1975، صدر البيان الأول لقوات الأنصار، التنظيم المسلح الجديد، الذي انبثق من الحزب، وأطلق عليه اسم "قوات الأنصار الفدائية". وكان الهدف من تكوينه، هو تقوية علاقة الحزب النضالية بالفصائل الفلسطينية، ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا التنظيم، قدم نفسه بصفته جناحاً عسكرياً للحزب، وطلب عضوية القيادة الموحدة للثورة الفلسطينية؛ غير أن طلبه رفض، بحجة أنه موالٍ للسوفيت، الذين يعترفون بالقرار الرقم 242، الذي كانت ترفضه التنظيمات الفلسطينية، في ذلك الوقت.

                    أوضحت قوات الأنصار، في بيانها الأول، منطلقاتها وأهدافها، وحصرتها في خمس نقاط، هي:

                    1. تطوير الكفاح المسلح وتعميقه، بالأساليب المختلفة؛ لأنه واجب وطني.

                    2. لا بدّ من تلاحم النضال الفلسطيني وترابطه، مع نضال الجماهير الشعبية الكادحة، والحركة الوطنية في الأردن.

                    3. تلاحم النضال، الفلسطيني والأردني، وترابطه مع مصالح حركة التحرر والتقدم، في البلدان العربية.

                    4. النضال العربي، يجب عليه أن يترابط، في النطاق العالمي، مع النضال، الذي تخوضه قوى الحرية والتقدم والسلام والاشتراكية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي، في مواجهة قوى الإمبريالية الرجعية الدولية، والصهيونية العالمية.

                    5. إن الوحدة الوطنية وتحقيقها وترسيخها، بين جميع منظمات المقاومة، والحركة الوطنية والشعبية ـ شرط أساسي، وضروري، ومهم، للنجاح والانتصار، وإقامة الدولة الفلسطينية، وتحقيق الأهداف الوطنية المشتركة.


                    ظل هذا التنظيم معزولاً عن القيادة الموحدة للمقاومة الفلسطينية؛ ولكنه حاز عضوية المجلس الوطني، في الدورة الثامنة، المنعقدة في القاهرة، في بداية عام 1971، بعضو واحد، هو فايق عواد؛ وإنما بصفة شخصية. وشارك التنظيم في الدفاع عن مخيم جرش، عام 1971. وخرج، مع المقاومة الفلسطينية، من الأردن إلى لبنان، في يوليه من العام نفسه. وفي بداية عام 1972، التحقت قواته بـ"حركة فتح".

                    اعترف الحزب الشيوعي الأردني، عام 1973، بأن منظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي، والوحيد، للشعب الفلسطيني. كما وافق، عام 1974 على برنامجها المرحلي، وعَدَّه مقبولاً إلى حدٍّ ما؛ إلا أنه في حاجة إلى وضوح أكثر.

                    يمكن القول إن الحزب الشيوعي الفلسطيني، هو التنظيم الوحيد، حتى عام 1974، الذي اعترف بقرار التقسيم، الصادر عام 1947؛ ومن ثم، بالقرارين الرقمَين 224 و338، والقرارات الصادرة عن الأمم المتحدة كافة. وكان يطالب بضرورة اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية، والتنظيمات الفلسطينية الأخرى، بتلك القرارات الدولية؛ لاعتقاده أن ذلك سيوفر لها دعماً، وقبولاً، ومساندة، عالمية وعربية.


                    ثانياً: الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري

                    انشقت جماعة من الحزب الشيوعي، نتيجة خلافات، أثناء تكوينه. وحملت الاسم نفسه. وأعلنت، عام 1983 خطوطها الرئيسية. وعقدت مؤتمرها الأول، في سبتمبر 1987. وأضافت إلى اسمها نعت "الثوري"، ليصبح "الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري". ويؤيد الحزب البرنامج السياسي المرحلي لمنظمة التحرير، والكفاح المسلح الوطني، لكونه أرقى أشكال النضال. ولكنه لم يشارك في أي دورة من دورات المجلس الوطني، أو مؤسسات المنظمة.

                    تعليق


                    • #11

                      ثالثاً: "حركة المقاومة الإسلامية" (حماس)


                      تأسست في غزة والضفة الغربية، بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. وهي، طبقاً للمادة الثانية من ميثاقها، الصادر في 18 أغسطس 1987، تُعَدّ جناحاً من أجنحة الإخوان المسلمين في فلسطين؛ وتؤكد ذلك مادته الثامنة، بتبنّيها شعار الإخوان نفسه: "الله غايتها. والرسول قدوتها. والقرآن دستورها. والجهاد سبيلها. والموت في سبيل الله، أسمى أمانيها".

                      انطلقت حماس من بنْية تنظيمية، مطابقة لبنْية تنظيمات الإخوان المسلمين، من حيث التسلسل القيادي والجماعات أو الوحدات التنظيمية الابتدائية، والمعروفة لدى الإخوان باسم الأُسَر.

                      ويرتكز الطرح، السياسي والأيديولوجي، لحركة حماس، على فكرة التحرير "من البحر إلى النهر" أي كلّ فلسطين المحتلة. وكان لنشاطها الفدائي أثره في لفت الانتباه إليها، والالتفاف الشعبي حولها. وكذلك ملاحقتها لعملاء سلطات الاحتلال، واضطلاعها بالمقاومة السلمية، من إضرابات ومسيرات ومهرجانات واعتصامات.

                      حركة حماس ومنظمة التحرير
                      يشير ميثاق حماس بالتقدير، إلى المنظمة، في مادته السابعة: "منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية". إلا أنه ينتقد فكرة "الدولة العلمانية"، بل يرفضها: ويوم تتبنى منظمة التحرير الفلسطينية الإسلام، منهج حياة، فنحن جنودها ووقود نارها، التي تحرق الأعداء". وطالبت الحركة، في أحد بياناتها، بتعديل الميثاق الوطني، بما يوافق عقيدة الشعب الفلسطيني المسلم وتراثه الأصيل.

                      ويشير أحد بيانات حماس إلى أن المنظمة "حافظت على بنْية كيان الشعب الفلسطيني"؛ وأنها استطاعت، بمقاومتها الباسلة للعدوّ الصهيوني، تحويل الشعب الفلسطيني، من شعب لاجئ، مشرَّد، إلى شعب متمرس بالقتال والمواجهة؛ ما أكسبها تعاطفاً عالمياً كبيراً، أوجد مناخاً جهادياً، تفاعلت من خلاله كلّ الفصائل الفلسطينية.

                      وأجرت المنظمة حوارات مع حماس، كان أبرزها قبيل انعقاد الدورة العشرين للمجلس الوطني، عام 1991، بهدف مشاركتها في الدورة. وحدد إبراهيم غوشة، الناطق الرسمي باسم الحركة، مواقفها من المجلس الوطني، بثلاثة خيارات، هي:

                      1. تشكيل المجلس الوطني، بالانتخاب الحر، لجميع الشعب الفلسطيني، وفي كلّ أماكن انتشاره، والالتزام الكامل بإرادته في اختيار ممثليه في المجلس.

                      2. تمسُّك الحركة، إذا تعذر إجراء الانتخابات، بتقديرها لثقلها وحجمها، في الساحة الفلسطينية؛ ولهذا، فهي تطالب بتمثيلها بنسبة 40 %، على الأقل، من المجموع الكلي لأعضاء المجلس الوطني (480 عضواً، في آخر دورة).

                      3. استعداد الحركة للاتفاق مع المنظمة، على برنامج، سياسي "وجهادى"، محدد؛ يحكم التحرك الفلسطيني، المرحلي والإستراتيجي؛ ويراعي رفْض القرارات الأرقام 181 و242 و338، الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، ورفْض الاعتراف بدولة الاحتلال، مع التمسك بالجهاد، لتحرير كامل التراب الفلسطيني؛ حتى يمكن إعادة النظر في النسبة المذكورة. واتفق الجانبان على إبقاء الباب مفتوحاً، لاستكمال الحوار والتشاور.

                      وترتكز رؤية حماس تجاه المنظمة، على رفْض مسألة الحصص في المجلس الوطني، والمطالبة بتعديلها، ورفض مشاريع التسوية السلمية للقضية الفلسطينية. ولم تشارك حماس في الدورة العشرين للمجلس الوطني، ولا في أيّ دورة أخرى.


                      رابعاً: "حركة الجهاد الإسلامي"

                      يُعَدّ عام 1980، هو التاريخ الرسمي لتأسيس هذه الحركة، في فلسطين، انطلاقاً من قطاع غزة، على أيدي شباب من صفوف الإخوان المسلمين، بعد اختلافهم معهم. وتؤمن الحركة بالكفاح المسلح، ولا سيما العمليات الجهادية، إستراتيجيةً للعمل السياسي. وتتمتع بالسرِّية، في تشكيلاتها وعملياتها؛ وتلجأ إلى استخدام اسم "سرايا الجهاد"، للإشارة إلى خلاياها العسكرية، في قطاع غزة والضفة الغربية.

                      حركة الجهاد ومنظمة التحرير
                      لم تكن هناك علاقات تنسيق وتعاون مباشرَين، بين الحركة وفصائل المنظمة، عدا "حركة فتح"، حتى قيام الانتفاضة. وهي تَعُدّ إنشاء دولة ديموقراطية، علمانية، في فلسطين، منافياً للنظرة الإسلامية إلى التاريخ. إلا أنه قد نشأ، بينها وبين فتح، بعض التعاون، وخاصة بعد أن أصبح الاتجاه الإسلامي قوة مؤثرة في الأرض المحتلة. ويرتكز فكرها على "أن جبهة النضال، تتسع للجميع".

                      وبرز التعارض بين مواقف حركة الجهاد والمنظمة، أثناء انعقاد الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني، حين أصدرت الحركة بياناً، اعترضت فيه على الخطط السياسية، المطروحة أمام المجلس. وعندما عقد دورته العشرين، لإقرار المشاركة في مؤتمر مدريد، وافقت أقلية من حركة الجهاد على المشاركة في تلك الدورة؛ وكان على رأسها الشيخ أسعد التميمة؛ إلا أن الحركة أعلنت عدم تمثيله لها.


                      خامساً: "حركة الجهاد الإسلامي ـ بيت المقدس"

                      نشأت هذه الحركة خلال المرحلة التفاوضية، في مؤتمر مدريد. وتولّى إمرتها الشيخ أسعد التميمة؛ ما خوّلها تأثيراً معنوياً، في مجال السياسة الفلسطينية، على محدوديتها العددية والفعلية. وقد أقنع ياسر عرفات الشيخ أسعد التميمة، بحضور اجتماع المجلس الوطني، في دورته العشرين، مع خمسة من حركته. كما احتفظ الشيخ بثلاثة مقاعد في المجلس المركزي للمنظمة؛ إلا أنه لم يلبث أن انسحب من المنظمة؛ واستقال ممثلو الحركة في المجلسَين: الوطني والمركزي، في إثر إعلان اتفاق أوسلو، في سبتمبر 1993.


                      سادساً: "حزب التحرير الإسلامي"

                      نشأ هذا الحزب عام 1953، من بين صفوف الإخوان المسلمين. ثم جمد نشاطه السياسي في الأرض المحتلة، في أعقاب حرب 1967. وأواخر الثمانينيات، عاد لمزاولة بعض النشاط السياسي المحدود، لعرض وجهة نظره في القضايا العامة.



                      سابعاً: "منظمة فلسطين العربية"

                      تأسست "منظمة فلسطين العربية"، في أوائل أغسطس 1969، بعد انشقاق من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة"، بزعامة أحمد زعرور؛ مشكلة تنظيماً جديداً، قوامه الإيمان بالخط العربي الوحدوي الاشتراكي، وبالتنسيق مع الأنظمة العربية، التي تؤمن بهذا الخط، ولا سيما جمهورية مصر العربية.

                      لم تتكون هذه المنظمة لكي تضيف عدداً، أو كماً جديداً إلى المقاومة الفلسطينية؛ وإنما لتقدم أسلوباً جديداً من العمل، يلائم المرحلة، التي يخوضها الكفاح الفلسطيني المسلح، مستنيرة بالفكر التقدمي الاشتراكي، مع السلاح، لمواجهة العدوّ.

                      كان من أهداف هذه المنظمة عدم إغراق الجماهير بالأمل. وكانت ترى أن للمعركة مع العدوّ أبعاداً، تتجاوز حمْل السلاح، كالدعوة للقضية، في خارج البلاد العربية، ومشاركة كلّ فلسطيني، في الداخل والخارج؛ وكذلك كلّ مقاتل في القواعد. ولم تنشغل إلا بقضية تحرير فلسطين، وقضايا الثورة والتحرير، والتقدم العربي. وكانت مرتكزة، في مسيرتها، على الآتي:

                      1. كونها تنظيماً مستقل الإرادة، مُشْرَعاً لكلّ القوى العربية الشريفة، والمناضلة؛ وليس تنظيماً إقليمياً، متقوقعاً على نفسه؛ بل المواطنون، عرباً وفلسطينيين، في عضويتها، هم سواء، على كافة مستويات المسؤولية.

                      2. جماعية القيادة، وديموقراطية ا لتنظيم، هما صمام سلامة المسيرة وعلمية نهجها، واستمرارها المتجدد، ورفْضها للنزعات الفردية.

                      3. التنسيق والتعاون العميقان، مع القوى العربية الشريفة، ومع أي نظام حكم في الوطن العربي، يعتمدان الخط الثوري الوحدوي، التقدمي، منهاجاً لهما، ويترجمانه بسلوكهما العملي، مستهدفَين تحرير الأرض المحتلة. وتضع المنظمة في صفوف الثورة المضادة، كلّ نظام حكم في الوطن العربي، لا تماشي مسيرته أماني الجماهير وتلبية أهدافها، في الحرية والاشتراكية والوحدة.

                      4. الوعي الثوري، القائم على اقتناع علمي، نابع من فكر مستنير، وناتج من المناقشة الحرة.

                      5. الوضوح في رؤية الأهداف ومتابعتها، باستمرار؛ والانفتاح الواضح على الجماهير، وتجنّب الانسياق الانفعالي إلى الدروب الفرعية، وإلى الغموض والارتجال، الذي يبعد الثورة عن طريقها.

                      6. رفضت "منظمة فلسطين العربية" شعار الدولة الفلسطينية الديموقراطية، العلمانية، وعَدَّته مساومةً في الحق العربي في فلسطين، وخذلاناً له؛ وأسلوباً، يرمي إلى استمالة الرأي العام العالمي ومداهنته؛ بل رأته معارضاً لأهداف المقاتلين الثوريين، في جميع أرجاء الأمة العربية، الذين لا شعار لهم غير التحرير الكامل للأرض العربية المحتلة.


                      شاركت "منظمة فلسطين العربية" في القيادة الموحدة لحركة المقاومة الفلسطينية، التي تشكلت في عقب أحداث 10 فبراير 1970، في الأردن. وكذلك، دافعت عن الثورة الفلسطينية. وما لبثت أن انضمت إلى "حركة فتح"، مع شقيقتها الهيئة العاملة؛ واندمجت فيها أثناء الدورة التاسعة للمجلس الوطني الفلسطيني، في 8 يوليه 1971.



                      ثامناً: تنظيمات فلسطينية أخرى

                      1. "جبهة التحرير الفلسطينية - طريق العودة"

                      أسسها، عام 1964، شفيق الحوت، في لبنان. ومهد لها بنشرة، باسم "طريق العودة". وعقدت مؤتمرها العام، في أغسطس 1964. وحملت اسم "جبهة التحرير الفلسطينية - طريق العودة". وأصبح الحوت ممثلاً لها في المنظمة، ومديراً لمكتب المنظمة في بيروت، عام 1965، وعضواً في اللجنة التنفيذية. وانضمت إليها، عام 1966، "جبهة التحرير الوطنية الفلسطينية"، التي كانت تضم أحمد السعدوى، وبهجت أبوغربية. وقد حُلَّت وتوقفت نشرتها، بعد خمسة أعوام من الصدور، وتشكل على أنقاض الجبهتَين "منظمة فلسطين العربية"، التي اندمجت في فتح، بعد ذلك.


                      2. "انشقاقات حركة فتح"

                      تتميز "حركة فتح"، دون باقي الفصائل، باستقرارها؛ فلم تتعرض لانشقاقات مثل ما تعرضت له الفصائل الأخرى، من انشقاقات جذرية؛ بل متتالية في بعض الفصائل. إلا أن الحركة تعرضت لثلاثة انشقاقات، وإنْ لم ينشأ عنها تنظيمات ذات كيان تنظيمي معلن واضح. وقد سبقت الإشارة إلى الانشقاق الأول، الذي تزعمه صبري البنا (أبو نضال)، والمعروف باسم "حركة فتح ـ المجلس الثوري". أمّا الانشقاقان الآخران، فهُما:

                      أ. "حركة فتح الانتفاضة"

                      أقصت اللجنة المركزية لـ"حركة فتح"، في اجتماعها، في الكويت، في يناير1983، أحد أعضائها، نمر صالح (أبو صالح)، وجمدت أوضاعه فيها، وفي هرم قيادة قوات "العاصفة"، وذلك على أثر إصداره بيانات، من دمشق، منتقداً على قادة فتح سياساتهم، في أعقاب الخروج من بيروت 1982. أمّا أبو موسى، عضو المجلس الثوري لـ"حركة فتح"، ومدير غرفة العمليات، فقد دعا، في اجتماع المجلس، في عدن، في 27 يناير 1983، إلى أهمية التزام القيادة بالبرنامج السياسي، والنظام الداخلي للحركة. ثم صدرت نشرة، في دمشق، في 9 مايو 1983، باسم "التعميم"؛ حمل عددها الأول مطالبة التيار الجديد، المعارض، في فتح، بإلغاء قرارات رئيس المنظمة، في شأن نقل بعض العسكريين الفلسطينيين من مواقعهم؛ ورفْض مشروعات التسوية، والكونفدرالية مع الأردن. وقاد هذا التيار أبو صالح، وأبو موسى، وأبو خالد العملة. واجتمع المجلس المركزي للمنظمة، وشكل لجنة من أعضائه، للإشراف على وقف الاقتتال بين الفصائل، في البقاع اللبناني. وأعد الأعضاء مذكرة، استهدفت استعادة وحدة فتح، والوحدة الوطنية الفلسطينية، وإصلاح العلاقات الفلسطينية ـ السورية؛ إلا أن الجهود لم تنجح. واندلع القتال بين عناصر فتح والمنشقين، في طرابلس والمخيمات، في أكتوبر ونوفمبر 1983. وقصفت القوات، الجوية والبحرية، الإسرائيلية قوات فتح؛ لمنع مغادراتها طرابلس. وتوقف القتال، بناء على خطة سورية ـ سعودية مشتركة، وجهود فرنسية ومصرية. وغادر عرفات وقواته طرابلس، بحراً، في 19 ديسمبر 1983، على متن سفن، تحمل أعلام الأمم المتحدة.

                      وتعد هذه المرحلة من أصعب المراحل، التي مرت بها الثورة الفلسطينية؛ إذ تتولّى الحصار، كما يصفه عرفات، "العرب، براً؛ والإسرائيليون، بحراً وجواً".

                      وترتكز مطالب الجماعة المنشقة على تنفيذ البرنامج السياسي للحركة، وإعادة الدور لأطُرها الشرعية، وعدم التبعية لأيّ دولة عربية، وإجراء إصلاحات ديموقراطية في فتح والمنظمة، وتطهير الجهاز البيروقراطي. إلا أن لجوءها إلى الأساليب المسلحة، لحل النزاعات ومخالفة ذلك للتقاليد المستقرة لحركة المقاومة الفلسطينية ـ جعل تأييدها، في فتح، محدوداً.

                      الحركة والمنظمة
                      لم تشارك الحركة في أيٍّ من مؤسسات المنظمة. وقرر المجلس الوطني، في الدورة السابعة عشرة، التي عقدت بعد انشقاقها، عدم شرعية أيّ منظمة شعبية فلسطينية، لا تعترف بها المنظمة، عبر دوائر التنظيم الشعبي، والمجلس المركزي للتنظيمات الشعبية؛ وعدم الاعتراف بازدواجية فرعَين لأيّ منظمة شعبية فلسطينية، في أيّ قطْر من الأقطار العربية وغيرها؛ وذلك للتصدي لمحاولات الحركة المنشقة إنشاء اتحادات شعبية أخرى موازية، كالكتاب والصحفيين.

                      ب. الحركة التصحيحية (أبو الزعيم)

                      تزعم أحد قادة جيش التحرير، في الأردن، تمرداً، في أعقاب تجميد ذلك البلد لاتفاق عمّان مع المنظمة، في 19 فبراير 1986. ووصف، حركته بأنها حركة تصحيحية، للإصلاح داخل فتح. واتهم قيادة المنظمة بالديكتاتورية. ودعا إلى حوار بين أهل الأرض المحتلة والحكومات العربية، لحل القضية الفلسطينية. وحاول المتمردون الاستيلاء على مكاتب المنظمة في الأردن، ومعسكر الكرامة. غير أن التمرد كان مفتقداً التأييد الحقيقي، داخل فتح؛ ومتمتعاً بدعم الأردن، الراغب في شق أنصار عرفات فيه، ولا سيما أفراد لواء جيش التحرير.

                      وصدق عرفات، في 24 أبريل 1986، بصفته رئيساً للجنة التنفيذية، والقائد العام لقوات الثورة، على قرار المجلس العسكري الأعلى، والقاضي بفصل الضابط عطاالله محمد عطا الله (أبو الزعيم)؛ لتحريضه على الفتنة، وبث الإشاعات الكاذبة، والعصيان، والتمرد، ونكثه بعهد الشعب والثورة، والتآمر، والإساءة إلى سمعة الثورة الفلسطينية، والمنظمة.



                      تاسعاً: روافد الفصائل وانشقاقاتها


                      1. روافد "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وانشقاقاتها <a href=http://forums.palvoice.com/attachment.php?attachmentid=4934&stc=1 target=_blank> (الشكل الرقم 2) </a>
                      كانت انشقاقات "حركة فتح"، مدعومة من بعض الدول العربية. أمّا الجبهة الشعبية، فلانشقاقاتها أسباب، لأسباب مختلفة، منها: الصراع الفكري، الخلاف في السياسات تجاه بعض الدول العربية.

                      وتبيِّن دراسة، تناولت قيادات التنظيمَين، أن:

                      أ. قادة فتح، هم فلسطينيو المولد؛ بينما قادة الجبهتَين: الشعبية والديمقراطية، ليسوا كذلك، أو هم غير فلسطينيين.

                      ب. قادة فتح، ينحدرون من عائلات إسلامية، سُنية؛ بينما العديد من قادة الجبهتَين ليسوا بمسلمين.

                      ج. قادة فتح، عدا خالد الحسن، تلقّوا تعليمهم في مصر، وشاركوا في اتحاد طلبة فلسطين فيها؛ بينما تلقّى قادة الجبهتَين تعليمهم في بيروت، أو عمّان.

                      2. روافد خمس من الفصائل الفلسطينية وانشقاقاتها <a href=http://forums.palvoice.com/attachment.php?attachmentid=4935&stc=1 target=_blank> (الشكل الرقم 3) </a>

                      أ. لم تتعرض "الصاعقة"، ولا "جبهة التحرير العربية" لأيّ انشقاقات؛ لأنهما تنظيمان، يخضعان لحزب حاكم في دولتَين عربيتَين.

                      ب. لم تتعرض "جبهة النضال الشعبي" أو (حماس) لأيّ انشقاقات.

                      ج. تعرض الحزب الشيوعي لانشقاق وحيد.

                      د. انشق من الإخوان المسلمين: "حزب التحرير الإسلامي"، و"حركة الجهاد الإسلامي"، التي انشق منها كذلك، "حركة الجهاد الإسلامي ـ بيت المقدس".


                      ويعزو خالد الحسن تعددية بعض التنظيمات، إلى سعي بعض حكومات الدول العربية، من خلال أجهزتها أو أحزابها الحاكمة، إلى إنشاء منظمات، بأسماء فلسطينية، هي امتداد لها.

                      ويرى نايف حواتمة، أن المشكلة، لا تكمن في التعددية؛ وإنما في التكوين والبرنامج السياسيَّين لحركة المقاومة؛ وهو ما يعكس تجانسهما، وينطبق على حماس وجبهة النضال والحزب الشيوعي، وكذلك "حركة فتح"، لولا التدخلات العربية المناهضة لها.

                      وشكلت مرحلة ما بعد 1968، على أثر انضمام منظمات المقاومة إلى المنظمة، مرحلة العصبية التنظيمية، التي حلت محل العصبية القبلية؛ وأصبح التنظيم هو الهدف، بدلاً من أن يكون الأداة لتحقيق هدف الانتماء إلى فلسطين. وهو ما عانته منظمات المقاومة، وكان أحد أسباب الخلافات والانشقاقات. وتمكنت الفصائل، في عقب الدورة السادسة للمجلس الوطني، في سبتمبر 1969، من صياغة اتفاق على أُسُس تعاونها؛ مؤكدة أن المنظمة، هي الإطار العريض للوحدة الوطنية؛ وأنها تعتزم الالتزام بالقضايا المتفق عليها، أما تلك التي لم يتفق عليها، فيمارسها كلٌّ منها ضمن رؤيته لها، عدا القضايا، التي تمس أمن الثورة، فيكون الالتزام بها إجماعياً.

                      وكانت "حركة فتح"، بوصفها كبرى الفصائل، وأكثرها نفوذاً، هي المحددة للاتجاه العام، الوطني والسياسي، للحركة الوطنية، والفصائل الأخرى. ولم يحل بروز حركة حماس دون استمرار قدرة الحركة على تحديد المسار السياسي العام، في الساحة الفلسطينية.

                      ولم ينعكس على الفصائل حرصها على عقد المجلس الوطني عشرين دورة، في غضون ثلاثين عاماً، لمناقشة الأوضاع الفلسطينية وتطوراتها؛ إذ لم يعقد بعضها أبداً مؤتمرات عامة؛ بل إن المؤتمر العام لفتح، لم يعقد سوى خمس مرات؛ ولم تعقد في الجبهة الشعبية مؤتمرها، إلا ثلاث مرات؛ واقتصر عقد كلٍّ من الجبهة الديموقراطية، والحزب الشيوعي، لمؤتمرَيهما العامَّين، على مرتَين فقط؛ ما ينعكس سلباً على ديموقراطية تلك التنظيمات.

                      يمثل النظام السياسي الفلسطيني، إذاً، نظاماً تعددياً، ذا سمات وممارسات ديموقراطية، لا تشكل نظاماً ديموقراطياً متكاملاً؛ إذ يفتقد مستوى معيناً من التطور، الاقتصادي والاجتماعي، ووجود تراث ديموقراطي، وقيادة ديموقراطية، تجعله نمطاً سياسياً قائماً.

                      ويرجع ذلك إلى لخصوصية الأوضاع الفلسطينية، وتشتت الشعب، وتعدد المتغيرات والتدخلات المختلفة المناوئة للقيادة؛ ما صعب عملية التوازن بين المصالح، والتعامل مع متغيرات الواقع نحو تحقيق الهدف، وهو إنشاء الدولة الفلسطينية؛ إضافة إلى أن زخم حركة الكفاح المسلح، بنجاحاتها وإخفاقاتها، قاد إلى إعادة صياغة مستمرة للأهداف وللإستراتيجية والتكتيك كذلك، من جانب القادة الفلسطينيين، والمثقفين.

                      تعليق


                      • #12

                        الفصل الــــرابـع
                        الاتحادات والتنطيمات الشعبية
                        وزعماء منظمة التحرير

                        المبحث الأول
                        الاتحادات والتنظيمات الشعبية



                        مــقــدمــة الفصـل الـرابـع

                        أكدت المنظمة، منذ إنشائها، أهمية التنظيم. وحاولت، بقيادة الشقيري، تطبيق خطة للتنظيم الشعبي، تُفتح بموجبها مكاتب سياسية، في المدن ذات الكثافة السكانية الفلسطينية، في مختلف أنحاء العالم العربي. وأقر المجلس الوطني، في دورته الثانية، المنعقدة في القاهرة، من 31 مايو إلى 4 يونيه 1965، قانوناً لتنظيم شعبي، يشكل الأداة القادرة على حشد الفلسطينيين، بكلّ طاقاتهم وكفاءاتهم، لتحرير فلسطين. وهو ليس بحزب؛ وإنما وعاء، يضم قوى الشعب الفلسطيني العاملة، ليكون المنطلق الصحيح، للعمل الجاد في سبيل تحرير فلسطين. ودعا القانون إلى تشجيع الاتحادات المختلفة، ضمن إطار التنظيم الشعبي، والعمل الفلسطيني الشامل. كما أوصى المجلس الوطني، في دورته الثالثة، دائرة التنظيم الشعبي، بمزيد من الدراسة لموضوع علاقات الاتحادات، بأنواعها، بمنظمة التحرير، والتشكيلات الشعبية التابعة لها.

                        ولم تنجح فكرة الشقيري، لافتقارها إلى أيّ دعم من الدول العربية المضيفة، التي سيكون فيها، حتماً، مراكز للاقتراع، حينما ستجري المنظمة إحصاء للفلسطينيين. فبدا التنظيم القطاعي، هو البديل الواقعي الوحيد، وخاصة أن في كثير من الدول العربية تنظيمات قطاعية وطنية، للمرأة والطلاب والكُتاب وغيرهم. ولم تنجح المحاولات الأولى لتأسيس تنظيمات فلسطينية مماثلة، قبل عام 1968، لدى التجمعات الفلسطينية، وخاصة بعد إغلاق مكاتب المنظمة الرئيسية، في القدس، عام 1966، وهزيمة 1967.

                        وكان لتَولِّي منظمات المقاومة قيادة المنظمة، أثره في تدعيم تلك التنظيمات، وخاصة أنه لم يكن هناك اتحادات عامة، قبل إنشاء المنظمة، سوى اتحادَي الطلاب والعمال. فأقرت الدورة الرابعة للمجلس الوطني، أن يُستبدَل النظام السابق للتنظيم الشعبي، نظام آخر، قائم على تنظيم القطاعات الشعبية، نقابياً ومهنياً؛ وتكوين دائرة مختصة، باسم دائرة التنظيم الشعبي، تتابع تنفيذ خطط الاتحادات والتنظيمات والهيئات الشعبية. وتنظِّم صفوف المهنة الواحدة. وتؤلِّف اللجان، التي تعبِّئ جهود خدمة الثورة الفلسطينية. وتعتني بالأمور، الثقافية والاجتماعية، وتنظِّم الفلسطينيين، في أماكن تجمعاتهم، لخدمة الثورة الفلسطينية. كما أقر النظام الجديد مجلساً أعلى من الاتحادات، يرسم السياسة العامة لنشاطاتها، وينسِّق جهودها، ويعاون دائرة التنظيم الشعبي. وأوصى المجلس الوطني، كذلك، اللجنة التنفيذية، بدعم هذه الاتحادات، مادياً، بكافة التسهيلات الكفيلة بتأدية رسالتها؛ بوضع جميع اللوائح التنظيمية، الخاصة بالعلاقة بينها وبين الاتحادات والمجلس الأعلى.

                        ويستهدف المجلس المركزي الأعلى لهذه الاتحادات، طبقاً لنظامه الأساسي، تحقيق جملة أهداف، أبرزها تعزيز وحدة المنظمات، الشعبية والنقابية، ودعم عملها، في الداخل والخارج. كما أن استحداث تنظيم شعبي جديد، يتطلب موافقة الدائرة المختصة بالتنسيق مع المجلس الأعلى. ويمثل كلَّ منظمة شعبية أمينها العام، وعضو واحد، في الاجتماعات الدورية للمجلس.

                        واهتمت الدورة الحادية عشرة للمجلس الوطني، المنعقدة في القاهرة، من 6 إلى 12 يناير 1973، بالتنظيمات الشعبية. وأكدت عدة توصيات في شأنها، أهمها تعريف تلك التنظيمات بأنها أُطُر لتعبئة قطاعات الشعب الفلسطيني وتنظيمها، وربطها بالمجرى العام لحركة النضال الوطني، المتمثل في الثورة الفلسطينية المسلحة. وتلتزم التنظيمات بالميثاق الوطني، وبالخط السياسي العام للثورة الفلسطينية. وتُشكَّل بطريقة ديموقراطية، من القاعدة. ويكون لها مؤتمرات وأُطُر تنظيمية. وهي تمثل قوى مراقبة وضاغطة على القيادة السياسية للثورة الفلسطينية. ولها تسمية ممثليها في المؤتمرات، والهيئات القيادية في منظمة التحرير. وعليها أن تقدِّم تقارير دورية إلى رئيس الدائرة المختصة بالأنشطة. وتكون المعونات المالية، التي تقرر لها، ثابتة، ودورية، من دون ربطها، مسبقاً، بقرارات من اللجنة التنفيذية.

                        نشأة الاتحادات وتطورها
                        عَدَّت الاتحادات الشعبية الفلسطينية نفسها تابعة لمنظمة التحرير، وقاعدة من قواعدها. والتزمت بالميثاق الوطني الفلسطيني، على أساس أن يعمل كلٌّ منها في قطاع معين، في الساحة الفلسطينية، ضمن استراتيجية موحدة لتحرير فلسطين. كما شاركت في المؤتمرات الدولية، بتشجيع وتنسيق من منظمة التحرير.

                        وأسهمت الاتحادات في توعية الفلسطينيين بشؤون قضيتهم، وإنْ تأثر بعض فروعها، في بعض البلاد العربية، بمواقف تلك الدول من المنظمة.

                        أهـــداف الاتـــحادات الأساسية:
                        الهدف الأول: إنشاء مؤسسات نقابية، لمجتمع الدولة الفلسطينية المقبلة.
                        الهدف الثاني: رعاية مصالح أعضائها، الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين أوضاعهم المعيشية، وتأمين العمل لهم، وفق الظروف المتاحة، من خلال اتفاقيات واضحة مع بعض الدول العربية، أو بوسائل أخرى، غير مباشرة.

                        وارتكزت مهام الاتحادات على:
                        1: التعبئة السياسية للجماهير عامة، وعناصر الاتحاد خاصة.
                        2: تدريب كوادر سياسية، وإعدادها للعمل القيادي.
                        3: ممارسة الديموقراطية، في أُطُر تنظيمية جماهيرية تقليدية.
                        4: المساهمة في معرفة المشاكل الجماهيرية، والعمل على حلها.
                        5: تمثيل الجماهير في المجلس الوطني، للمشاركة الفعالة في توجيه العمل الوطني.
                        واستندت الاتحادات، في تمويلها، إلى اشتراكات الأعضاء، ودعم المنظمة المخصص به كلٌّ اتحاد.

                        ويتكون الشكل التنظيمي للاتحادات، من عدة مستويات:
                        1. مستوى محلي.
                        2. لجان إدارية.
                        3.مؤتمر الفروع.
                        4. مجلس إداري.
                        5. هيئة مكتب الاتحادات.

                        ويكون اختيار الممثلين في المستوى الأعلى، بالانتخاب من المستوى السابق له. وينتخِب مؤتمر الفروع، الذي يضم كلَّ فروع الاتحاد، في مختلف البلدان، الممثلين في المجلس الوطني. وينتخَب أمين عام المكتب، ولجنة قيادية، تعاونه، تسمى الأمانة العامة، وهي المسؤولة أمام المؤتمر العام للنقابة.

                        وتضم هيئة المكتب أعضاء من تنظيمات المقاومة المختلفة، طبقاً لنظام الحصص؛ ما يعكس إجماعاً في الرأي، من شأنه زيادة التجانس في داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. وتتولى دائرة التنظيم الشعبي، طبقاً لقرارات الدورة الثالثة عشرة للمجلس الوطني، الذي عُقد في القاهرة، من 12 إلى 22 مارس 1977، آخذة في الحسبان قاعدة التمثيل الجبهوي مسؤولية وضع الخطط العامة لعمل التنظيمات الجماهيرية، على أساس قاعدة التمثيل النسبي، الذي يضمن التنافس الديموقراطي، ويعزز دورها في النضال الوطني للشعب الفلسطيني.

                        الاتحادات والتنظيمات الشعبية، اثنَي عشر تنظيماً؛ إضافة إلى المجلس الأعلى للشباب والرياضة. وهي:

                        1. "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية"
                        بدأت المحاولات الأولى لإنشاء "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية" في نهاية عام 1962؛ غير أنها لم تنجح إلا في نهاية عام 1968. ويهدف الاتحاد إلى تنظيم النساء الفلسطينيات، ضمن إطار المنظمة، لتمثيل المرأة في كلّ مؤسساتها، وفي الحركة الوطنية الفلسطينية؛ والعمل على رفع مكانة النساء الفلسطينيات وتوعيتهن.

                        ويدير الاتحاد أكثر من تسعين مركزاً نسائياً، في مخيمات اللاجئين، لتعليم النساء وإكسابهن مهارات، مهنية وفنية. كما يقدّم الاتحاد خدمات للمرأة الفلسطينية، من خلال الصليب الأحمر الدولي، وخدمات وإعانات اجتماعية لأُسُر المعتقلين؛ فضلاً عن إنشائه "بيت الصمود"، في بيروت، عام 1976، والذي يوفر فرص التعليم والتدريب والرعاية الصحية لهم لأيتام مخيم تل الزعتر وأطفاله.

                        ويضم الاتحاد، في أُطُره التنظيمية وممارساتها الديموقراطية، ممثلات لكل فصائل الثورة الفلسطينية. وللاتحاد ممثلاته في المجلس الوطني، بنسبة تصل إلى 10 % من إجمالي أعضائه. كما يضم المجلس المركزي الفلسطيني، خمساً من القيادات النسائية. وكذلك، تشارك المرأة في عضوية المجالس المختصة، باتخاذ القرارات، في فصائل الثورة الفلسطينية، من خلال المجلس الثوري لـ"حركة فتح"، واللجنة المركزية للجبهة الشعبية، واللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية. كما تسهم في الاتحادات المهنية، بحكم انتمائها المهني.

                        2. "الاتحاد العام لعمال فلسطين"
                        تأسس في عام 1963، بجهود فردية لقيادات عمالية فلسطينية؛ أبرزها حسني صالح الخفشي. وقد أبلغ الاتحاد اللجنة التنفيذية للمنظمة، عام 1964، فور تأسيسها، أنه قاعدة من قواعدها؛ وحدد ذلك في نظامه الأساسي، وشكل لجنة، في كلّ فروعه في الأقطار العربية، مع مكاتب المنظمة فيها.

                        ويهدف الاتحاد إلى تنظيم عمال فلسطين، والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، وتمثيلهم في مختلف المجالات العمالية.

                        وكان فرع الاتحاد في القاهرة، هو المكتب الوحيد من مكاتب المنظمة في مصر، الذي استمر نشاطه، في أعقاب زيارة الرئيس السادات إلى القدس. وقد أحصى الفلسطينيين فيها. وكان له نشاط ملحوظ، في كافة المناسبات الوطنية؛ إذ عقد الندوات الجماهيرية؛ وعرض الأفلام السينمائي، التي تتناول الثورة الفلسطينية؛ وشارك في البرامج الإذاعية الخاصة، المخصص بها العمال، في إذاعتَي صوت العرب، وصوت الثورة الفلسطينية؛ وزوّد وسائل الإعلام بأخبار عمال فلسطين.

                        وتمارس فروعه في الدول المختلفة، أنشطة مهمة في رعاية المعارض، وإحياء المناسبات الوطنية، وتنظيم المسيرات. وقد نجح فرع الاتحاد في النرويج، في بثّ برنامج إذاعي، شهري، باللغتَين: العربية والنرويجية، باسم "صوت فلسطين من أوسلو".

                        ويمثل الاتحاد العام المجلس الوطني 18 عضواً، وممثل واحد، في المجلس المركزي. كما أن للاتحاد علاقات ومشاركة في كافة المؤتمرات والمنظمات، المعنية بالعمال، على المستويَين: العربي والدولي.

                        3. "الاتحاد العام لطلبة فلسطين"
                        أُنشئ في القاهرة، عام 1952؛ وانتُخب ياسر عرفات رئيساً له. وقد دأب في انتقاد منظمة التحرير، عند تأسيسها، إلى أن حُدِّدت العلاقة بينهما، في أكتوبر 1964. ووافقت هي على دعمه، من دون التدخل في شؤونه. والتحق العديد من أعضائه بحركة المقاومة؛ ما انعكس على قيادته وسياسته، في مؤازرة الكفاح المسلح. وارتفع عدد فروعه من 42 فرعاً، بين عامَي 1959 و1962، إلى 81 فرعاً، بين عامَي 1965 و1968؛ وكان لفرع القاهرة دور مهم، إذ كان يمثل اثنَي عشر ألف طالب فلسطيني، في الجامعات المصرية، عام 1979.

                        وفي عام 1977، انتقل مقر الاتحاد من القاهرة إلى بيروت. وفي عام 1982، انتقل، مرة ثانية، إلى تونس. وفي عام 1978، قرر الاتحاد العام، في مؤتمره، الالتزام بالميثاق الوطني الفلسطيني؛ ما أسفر عن اختلاف المؤتمرين، وانسحاب فرع الطلاب الفلسطينيين في الكويت، تحت ضغط المؤيدين منهم للتيار الإسلامي، المعارض للميثاق، ومبادرتهم إلى إنشاء رابطة منفصلة، باسم "رابطة الطلبة المسلمين الفلسطينيين"؛ إلا أن نشاطها لم يتعدَّ الجانب الإعلامي، ولم تكن ذات نشاط طلابي.

                        4. الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين
                        تشكل أول اتحاد، باسم "اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين"، عام 1966، ضمن خطة المنظمة لتكوين اتحادات شعبية، تكون قواعد جماهيرية لها؛ وتولت ذلك دائرة التنظيم الشعبي. ونص نظام الاتحاد على أنه رابطة، تكون جزءاً لا يتجزأ من منظمة التحرير الفلسطينية، ومقرها في القدس؛ وله إنشاء فروع. ويلتزم الاتحاد بالميثاق القومي الفلسطيني، بغرض تعزيز الصلات بين الكتاب الفلسطينيين، والدفاع عن حقوقهم، وتنظيم الاتصالات بالاتحادات، العربية والأجنبية، وتعريف الكتاب الأجانب القضية الفلسطينية.

                        عقد الاتحاد مؤتمره الأول في غزة، في ديسمبر 1966؛ والثاني في القاهرة، في يناير 1969. وانتخب، في الدورتَين، خيري حماد، أميناً عاماً له، ومثله في الدورة الخامسة للمجلس الوطني، الذي عُقد في القاهرة، بين الأول والرابع من فبراير 1969. وانتخب عودة بطرس، أميناً عاماً، في المؤتمر الثالث للاتحاد، الذي عقد في القاهرة، في أغسطس 1972.

                        انشأ الاتحاد عدة فروع، في سورية والأردن و الكويت، على الرغم من حرمانه، دون باقي الاتحادات الفلسطينية، أيَّ عون مالي من المنظمة؛ ذلك أن العلاقة بينه وبين دائرة التنظيم الشعبي، لم تكن إيجابية؛ لأنه لم يكن يمنح المنظمة التأييد، الذي تمنحها إياه الاتحادات الفلسطينية الأخرى؛ بل كان مركزاً لتجمّع المعارضين. وكانت عضويته وأنشطته محدودة.

                        حاولت دائرة التنظيم الشعبي، عام 1970 تشكيل اتحاد جديد؛ ولكنها تخلت عن الفكرة، لتعود إليها، مرة أخرى، عام 1972، حينما قررت، مع دائرة الإعلام في المنظمة، تشكيل لجنة تحضيرية، تُعِد لمؤتمر عام لاتحاد جديد، اُبيحت عضويته للعاملين، من العرب الفلسطينيين، في أجهزة الإعلام الفلسطينية. وعقد المؤتمر الأول لـ"الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين"، في سبتمبر 1972، في بيروت؛ وانتخب ناجي علوش أميناً عاماً. وأقر المؤتمر نظام الاتحاد، ومقره الدائم في القدس، والمؤقت في بيروت؛ بهدف إيجاد منظمة فعالة، من الكتاب والإعلاميين الفلسطينيين، تستطيع أن تؤثر في وسائل الإعلام المختلفة، فلسطينياً وعربياً ودولياً؛ وتضطلع بنشر إنتاج أعضائه وتعميمه، وتحمي حقوقهم. وانعقد المؤتمر الثاني للاتحاد في تونس، في مارس 1977؛ والثالث في بيروت، في أبريل 1980، والذي عكس توازن القوى بين فصائل المنظمة، من دون التزام بقرار اللجنة التحضيرية للمؤتمر، أن تكون الكفاءة، هي المقياس في تشكيل الأمانة العامة للاتحاد. وهو ما سماه شفيق الحوت بالأسلوب التوفيقي، الذي تستخدمه قيادة المنظمة في إدارة كلِّ الاتحادات الفلسطينية؛ ما يجعل من مؤتمراتها مؤتمراً لكوادر الفصائل. ويرى ماجد أبو شرار، مسؤول الإعلام الفلسطيني الموحد، وقتها، أن المعايير السياسية، تحكم اختيار قيادة الاتحاد، بعد أن حُدِّدَت وشُدِّدَت شروط عضويته. وانتخب المؤتمر الثالث عبدالكريم الكرمي رئيساً، ويحيى يخلف أميناً عاماً.

                        وانعكس على المؤتمر الرابع للاتحاد، الذي انعقد في صنعاء، في أبريل 1984، أزمة الانشقاق في "حركة فتح"؛ والخروج من بيروت عام 1982. فعدَّ نظامَيه: الداخلي والأساسي، واستحدث مجلس الاتحاد، وانتخب محمود درويش رئيساً، وأحمد عبدالرحمن أميناً عاماً. وقرر نقل الأمانة العامة من دمشق؛ ما أحدث فيه انشقاقاً، تمثّل في أمانته العامة السابقة، في العاصمة السورية، والتي اعترف بها اتحاد الصحفيين العرب ممثلة شرعية لمقعد فلسطين. وظل هذا الانشقاق، حتى انعقاد المؤتمر العام الخامس، والأخير، ولذي أطلق عليه اسم "المؤتمر التوحيدي"، في الجزائر، في فبراير 1987؛ ما مهد لعقد المجلس الوطني الفلسطيني، ورأب الصدع بين الفصائل، بعد عام 1982.

                        ونجح الاتحاد في توثيق علاقاته بالاتحادات الصحفية العالمية؛ وتعاونهما على الدفاع عن الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، في داخل الأرض المحتلة وخارجها؛ والحصول على منح، علاجية ودراسية، في بعض الدول الاشتراكية، وتبادل الزيارات والخبرات مع صحفييها.

                        5. "الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين"
                        تأسس هذا الاتحاد عام 1978، حينما عقد مؤتمره الأول، والأخير؛ ليضم ما يزيد على مائتَي فنان، من أصل ستمائة فلسطيني، دارس وخريج معاهد وأكاديميات فنية. واستطاع، من خلال تنظيم معارض جماعية، في بلدان عديدة، إنشاء علاقات وطيدة باتحادات التشكيليين، في مختلف دول العالم. وتوزع الفنانون على الدول العربية، بعد تدمير المعرض الدائم للاتحاد، في بيروت، أثناء الغزو الإسرائيلي، عام 1982، وأصبح كل فرع من فروعه، يمارس نشاطه بصورة مستقلة.

                        6. "الاتحاد العام للفنانين التعبيريين الفلسطينيين"
                        أعلن نشوء هذا الاتحاد في المؤتمر التأسيسي الأول، المنعقد بين 16 و20 سبتمبر 1984. وله فروع في داخل الأراضي المحتلة، وفي الدول العربية. وينضوي تحت عضويته ما يقرب من ألفَي عضو. وأدت المبادرات الفردية في الاتحاد، الدور الرئيسي في تدبير بعثات إلى الدول الأوروبية الغربية؛ لتهيئة الكادر الفني المتخصص. واكتفى الاتحاد بعقد مؤتمراته العامة ثلاث مرات، تغير في واحدة منها أمينه العام.

                        7. "الاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين"
                        تشكلت لجنة تحضيرية، عام 1989، لتأسيس هذا الاتحاد، في ضوء جهود دائرة التنظيم الشعبي. وأنشئ فرع في الكويت، انتخب هيئته الإدارية، عام 1990، في مؤتمر عام، قبل الغزو العراقي. ومُهِّد لإنشاء فروع في دول عربية، وفي الأرض المحتلة؛ وأسفرت الجهود عن تأسيس الاتحاد العام؛ إلا أنه لم يتمكن من عقد مؤتمره العام الأول، بسبب حرب الخليج الثانية. وظل الاتحاد يمارس أنشطته وفاعلياته واتصالاته، مع الاتحادات الاقتصادية العربية.

                        8. "الاتحاد العام للمعلمين الفلسطينيين"
                        تأسس عام 1969. وله خمسة عشر فرعاً. ويضم في عضويته نحو ثلاثة وستين ألف معلم فلسطيني، يعملون في مختلف أنحاء العالم. ويهدف الاتحاد إلى تقديم الدعم، المادي والمعنوي والسياسي، لأعضائه؛ والاهتمام بتأمين فرص تعليمية أفضل للأطفال الفلسطينيين؛ والدفاع عن حقوق المعلمين، بتوصله إلى قانون عمل جماعي لهم، في مدارس الأونروا، في الأرض المحتلة، وتدريس مادتَي تاريخ فلسطين وجغرافيتها، في تلك المدارس.

                        وقد عقد الاتحاد مؤتمره العام الأول في مقره، في دمشق، في يوليه 1975؛ والثاني، في يوليه 1977، في تونس.

                        9. "الاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين"
                        تأسس في نوفمبر 1971، في القاهرة، بصفته تنظيماً شعبياً نقابياً، يمثل الحقوقيين الفلسطينيين؛ وقاعدةً من قواعد المنظمة. وعقد مؤتمره العام الأول في العاصمة المصرية، في نوفمبر 1971؛ والثاني، في الجزائر، في مايو 1974؛ والثالث، في تونس، في يوليه 1977. واتخذ القاهرة مقراً له، ثم دمشق، بعد عام 1977. والاتحاد عضو في اتحاد الحقوقيين العرب، ويشارك في اجتماعات المنظمات الدولية المماثلة.

                        10. "الاتحاد العام للأطباء والصيادلة الفلسطينيين"
                        تأسس عام 1968، في القاهرة، وعقد فيها مؤتمره الأول، عام 1970؛ والثالث، في بيروت، عام 1974. ويضم الاتحاد أنواع المهن الطبية، من الطب البشري، وطب الأسنان، والطب البيطري، والصيدلة. وقد سعى إلى ضم كافة الأطباء الفلسطينيين، والبالغ عددهم ثلاثة آلاف طبيب، في مختلف أنحاء العالم. ويشارك الاتحاد في المؤتمرات والمنظمات الطبية الدولية.

                        11. "الاتحاد العام للمهندسين الفلسطينيين"
                        انعقد مؤتمره التأسيسي في بغداد، في ديسمبر 1973. وعقد مؤتمره العام الأول في طرابلس، في ليبيا، في مايو 1977. واتخذ من العاصمة العراقية مقراً له،. وعقد مؤتمره الثاني في دمشق، في يونيه 1979؛ واعتمد بيروت مقراً له.

                        12. "الاتحاد العام للفلاحين التعاونيين الزراعيين الفلسطينيين"
                        عقد مؤتمره التأسيسي عام 1975، في دمشق. وله أنشطة متعددة وتعاون مع الاتحادات العربية المماثلة.

                        13. "المجلس الأعلى للشباب والرياضة"
                        تأسس في بيروت، في يوليه 1974، بصفته هيئة من هيئات المنظمة، عبر دائرة التنظيم الشعبي، التي يعِّن رئيسها أمينه العام. وهو المسؤول عن أنشطة الشباب الفلسطيني كافة، الرياضية والكشفية والاجتماعية. ويدعم الاتحادات الرياضية الفلسطينية. وللمجلس مؤتمر عام، ينتخب فيه رئيساً، وأعضاء المكتب التنفيذي.

                        الجوانب الإيجابية للمنظمات الشعبية
                        يمكن، من خلال العرض السابق للاتحادات والتنظيمات الشعبية، التركيز في بعض جوانبها الإيجابية، على النحو التالي:

                        1. إبراز الشخصية الفلسطينية، وخاصة من خلال انتساب التنظيمات إلى مثيلاتها، على المستويَين: المحلي والدولي؛ ما مثَّل دعماً للثورة الفلسطينية.

                        2. ترسيخ فكرة العمل، الجماهيري والنقابي؛ لاستقطاب اهتمام الجماهير والقيادات، وترسيخ الممارسة الديموقراطية، داخل التنظيمات ونقدها.

                        3. تمثيل المنظمات في المجلس الوطني، ما انعكس إيجاباً على وجود المنظمات ودورها.

                        الصعوبات والمشكلات، التي واجهتها التنظيمات
                        انعكست خصوصية الثورة الفلسطينية على التنظيمات الشعبية؛ إذ نشأت في الشتات، في ظروف سياسية مختلفة من دولة عربية إلى أخرى؛ بل تعرضت لتدخلات في أنشطتها، وعدم السماح بممارستها في بعض تلك الدول. وتعرضت التنظيمات لصعوبات أخرى، أهمها:

                        1. تركُّز مفهوم دور المنظمات الجماهيرية في العمل السياسي، والذي يصفه ماجد أبو شرار، بأنه أصاب معظم الاتحادات الفلسطينية بتقديم القضية السياسية على القضية، النقابية والمهنية؛ لكون تلك هذه الاتحادات قاعدة من قواعد المنظمة، تلتزم التزاماً كاملاً بقيادتها، وبرنامجها السياسي، وميثاقها الوطني.

                        2. أخْذ النظام الانتخابي لهذه التنظيمات بمبدأ الأكثرية؛ فالكتلة النقابية، التي تحظى بأغلبية الأصوات، تحتكر مقاعد الهيئة الإدارية أو القيادية، كافة؛ ما يتيح للقوة السياسية الأكبر، أن تأخذ أكثر من نصف المقاعد، وتوزع الباقي على الفصائل الأخرى، من دون النظر إلى حجمها النقابي؛ وهو ما أطلق عليه نظام "الكوتا". وقد أسفر ذلك عن ارتباط معظم قيادات تلك التنظيمات، بالقيادات السياسية للفصائل المهيمنة؛ ما جعل هرمها القيادي يلتفت عن مصالحها، إلى مصالح الفصائل؛ وحال دون النمو والتطور في حركتها، المطلوبة لاستقطاب الطاقات والإبداعات لأبناء المهنة الواحدة.

                        3. ضعف البنية التنظيمية للاتحادات. وتمثَّل ذلك في:
                        أ. افتقار الاتحادات إلى جمعيات عمومية جادة، في الفروع، تعمل على المراجعة الجدية لأعمال هيئاتها الإدارية ومحاسبتها.
                        ب. ضعف الصلة بين قيادات الاتحادات وفروعها، وإهمال النشاط التنظيمي، بما فيه عدم رفع تقارير دورية، في شأنه.
                        ج. عدم عقد المؤتمرات العامة للاتحادات في مواعيدها.
                        د. القصور في الطابع الجماهيري للاتحادات؛ فبعض فروعها، لا تضم في عضويتها سوى نسب ضئيلة، لا تمثِّل واقع قطاعاتها؛ ومعظم قواعدها، لا تمارس دورها الانتخابي، أو لا تحضر المؤتمرات العامة؛ وهي روح سلبية، تعكس ضعف البنية التنظيمية.
                        هـ. نقص معلومات الاتحادات وإحصاءاتها لقواعدها الشعبية؛ ما أفقدها كثيراً من ضرورات العمل الناجح.
                        و. افتقار التنظيمات إلى الكوادر النقابية المؤهلة، والمتمرسة بالعمل الجماهيري وتقاليده النقابية؛ لحداثة تلك التنظيمات. والافتقار إلى وجود لجان متخصصة، لتنظيم أعمالها وتوجيهها، وإعداد الدراسات الخاصة بأعمال المؤتمرات، التي تشارك فيها.

                        4. فقدان الاستقلالية المالية للاتحادات، وعدم حصولها على موازنات مالية مستقلة، أو كافية، من الصندوق القومي الفلسطيني؛ ما يحول دون تَمَكَّنها من تأدية دورها بفاعلية.

                        5. انعكاس الانشقاقات، في الساحة الفلسطينية، على أوضاع الاتحادات؛ مثلما حدث في أعقاب عام 1974، وطرح الاتجاه نحو التسوية السياسية للقضية الفلسطينية؛ وكذلك في أعقاب الانشقاقات، عام 1983.

                        6. عدم الاستغلال الكامل للإمكانات المتاحة، والأدوار المهمة، التي يمكن أن تؤديها الاتحادات، بصفتها أدوات وقنوات اتصال مع مختلف أنحاء العالم، وتعبئة الرأي العام العالمي، وحشده لمناصرة القضية الفلسطينية.


                        تطوير عمل المنظمات الجماهيرية
                        يختلف العمل النقابي الفلسطيني عن العمل النقابي في أيّ دولة أخرى، فمهامه تصب في العمل النضالي الفلسطيني، وبصورة تعكس كثافة الطاقة، المترتبة على القوى العاملة الفلسطينية وجماهيرها الطلابية؛ ما يتطلب زيادة تأثير تلك المنظمات في صنع القرار الفلسطيني، وليس ممارسة دور الدعم والتأييد فقط. كما أن إعادة النظر في نظام الحصص "(الكوتا)؛ واعتماد الكفاءة والخبرة النقابية أساساً لانتخاب الكوادر القيادية لتلك التنظيمات ـ يكفلان تجنّب إثارة الحساسيات التنظيمية، والمشاكل الداخلية؛ إضافة إلى توسيع قواعدها، والسعي إلى استقطاب الكفاءات المهنية التنظيمية، لخدمة العمل الوطني؛ مع التدريب المستمر للكوادر القيادية، واستثارة اهتمامها بمصالح الفئات التي تمثّلها.

                        ويشكل إيجاد الآلية الملائمة، للتنسيق بين الاتحادات المختلفة والمنظمة، من خلال المجلس المركزي للمنظمات الشعبية، التي كانت تشغل 108 مقاعد في المجلس الوطني، في دورته العشرين زيادة تمثيلها فيه، على نحو يعكس حجمها الفعلي، وأهمية تطويرها.

                        ويمثّل مطلب تطوير هذه التنظيمات، انعكاساً لأهميتها في توسيع نطاق التعبئة الديموقراطية المنظمة، للشعب الفلسطيني؛ وفي أداء وظيفتها، لتنظيمه في النضال، من أجل مصالحه، وحل مشكلاته اليومية، والدفاع عن الثورة الفلسطينية ومنظمتها.

                        تعليق


                        • #13

                          الفصل الــــرابـع

                          المبحث الــثـــاني
                          زعـماء منـظمـة التـحرير الفلسطينية



                          أولاً: المنظمة في ظل أحمد الشقيري

                          ولد أحمد أسعد الشقيري في قلعة تبنين، بالقرب من مدينة عكا، عام 1908. كان والده شيخاً، في عهد السلطان عبدالحميد. وكانت والدته تركية. عاش أحمد الشقيري، في بداية حياته، في مدينة طولكرم، ثم مدينة عكا، حيث كان والده يمتلك البساتين. تلقى تعليمه الأول في مدارس عكاوية، ثم التحق بمدرسة في القدس، حيث أكمل تعليمه. ثم انتقل إلى الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث شارك في المظاهرات، المنددة بإعدام الشهداء، في سورية ولبنان، في مايو 1916؛ فأمرت الحكومة الفرنسية بإبعاده عن جميع البلاد، المشمولة بالانتداب الفرنسي. وكان ذلك في 13 مايو 1927.

                          عاد الشقيري، في نهاية عام 1927، إلى عكا، حيث عمل في جريدة "مرآة الشرق"، لصاحبها بولس شحادة؛ فدخل معترك الصحافة، والسياسة. وبدأ يشارك في الندوات والمؤتمرات، التي تعقد في فلسطين، ولا سيما مؤتمر يافا، عام 1928. وأسهم في إنشاء جمعيات الشبان المسلمين، على غرار ما عرفته مصر، من جمعيات إسلامية. وكان عضواً في مؤتمر مدينة القدس، الذي تقرر فيه تأسيس جمعيات الشبان المسلمين، في كل أنحاء البلاد، العربية والإسلامية .

                          ثم درس الشقيري الحقوق، وأصبح محامياً. وعمل مع الحاج أمين الحسيني، في الحقل الوطني. وشارك في ثورة 1936، في فلسطين. وكان البريطانيون يطاردونه، فاعتقل في مدينة دير البلح، في قطاع غزة، بينما كان متوجهاً إلى القاهرة؛ وأودع سجن القطاع، ثم سجن عكا. وبعد الإفراج عنه، رحل إلى سورية، ثم عاد إلى عكا، عام 1940، بعد أن سمحت له بريطانيا بالعودة .

                          عاصر أحمد الشقيري العهدَين: العثماني والبريطاني، وأحداث فلسطين وحربها، ومولد الجامعة العربية، التي عمل بها سبع سنوات. عاش الحياة العربية العامة، فسار في موكبها، ووقف على أحداثها، وساهم في صنع وقائعها، عبر حقبة حافلة، امتدت ما يقرب من نصف قرن، شهد خلالها المخاض العسير للوحدة العربية. وكانت القضية الفلسطينية، خلال هذه الفترة، هي القنبلة، التي تساقطت شظاياها في عدد من العواصم، العربية والأجنبية، فأحدثت الثورات والانقلابات والانتفاضات. وقد حققت تلك الثورات كثيراً من الإنجازات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ لكنها لم تحقق الإنجاز الكبير للقضية الفلسطينية، التي قامت من أجلها.

                          شغل أحمد الشقيري، عام 1951، منصب الأمين العام المساعد للجامعة العربية، المكلف بالشؤون الفلسطينية. وعمل رئيساً للوفد السوري، والوفد السعودي، إلى هيئة الأمم المتحدة، مدة خمسة عشر عاماً. وانتهى عمله في الهيئة الدولية، عام 1962. دافع، خلال هذه المدة، عن القضايا العربية، وفي مقدمتها قضية فلسطين؛ وتصدى للاستعمار ورجاله، أمثال: الملك جورج السادس، والرؤساء: ترومان، وأيزنهاور، وكنيدي، وديجول، ووزرائهم وسفرائهم. وفي عقب وفاة أحمد حلمي عبدالباقي، عام 1963، ممثل فلسطين في الجامعة العربية، اختِير أحمد الشقيري خلفاً له؛ طبقاً لملحق ميثاق الجامعة العربية المتعلق بفلسطين، والذي ينص "على أن يتولى مجلس الجامعة أمر اختيار مندوب عربي من فلسطين، للاشتراك في أعماله، إلى أن يتمكن الشعب الفلسطيني من اختيار ممثليه". وتضمنت الفترة الأولى من قرار مجلس الجامعة، الرقم 1909، الصادر في 19 سبتمبر 1963، اختيار أحمد الشقيري مندوباً لفلسطين في الجامعة العربية .

                          بعد هذا التكليف، عمد أحمد الشقيري إلى الاتصال بالشعب الفلسطيني، والدول العربية؛ من أجل التحضير للمؤتمر الفلسطيني الأول، الذي انبثقت منه منظمة التحرير الفلسطينية ونظامها الأساسي وميثاقها. وانتُخب الشقيري رئيساً لها، ومنذئذٍ، أخذ يجوب بقاع الأرض، من أجل تحرير فلسطين؛ داعياً إلى وحدة الشعب الفلسطيني؛ فضلاً عن دعوته إلى الوحدة العربية، التي رآها طريقاً إلى تحرير فلسطين .

                          كان يؤمن بأن قضية فلسطين، هي ملك شعبها، صاحب الكلمة الأولى، والأخيرة، في شأنها؛ وعليه أن يبنى كيانه بعقله، وإرادته، وعزيمته، ولا تبنيه الدول العربية، لا مجتمعة، ولا منفردة؛ وإنما يقتصر دورها على دعم كفاح الفلسطينيين. فهو يؤمن، إذاً، أن الكيان الفلسطيني "فلسطيني عربي"؛ فلسطيني البناء، ولكنه عربي الوسائل والإمكانات؛ فإذا كانت الوسائل هزيلة، كان الكيان هزيلاً وإذا كانت قوية، كان قوياً، وثورياً.

                          شرع الشقيري يؤسس الجيش الفلسطيني النظامي، (جيش التحرير)، في قطاع غزة، وبعض البلدان العربية. وتولّى تمثيل فلسطين في مؤتمرات القمة العربية، وفي المؤتمرات الدولية. وكان لا ينظر إلى المنظمة بصفتها عملاً فدائياً فقط؛ بل بادر إلى توجيه سياستها نحو بناء المؤسسات، الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، بهدف تلبية حاجات الشعب الفلسطيني؛ بل جعل منها دولة، توفّر جميع الخدمات للشعب الفلسطيني المشتت؛ وهو ما نصت عليه المادتان الرقمان 11 و28، من ميثاقها القومي.

                          وفي عهد أحمد الشقيري، أُسِّس العديد من المؤسسات المدنية، مثل مؤسسة رعاية أُسَر الشهداء والمسجونين، وهي تناظر دائرة الشؤون الاجتماعية، في منظمة التحرير الفلسطينية. وقد تأسست عام 1965، بغرض رعاية عائلات أولئك الذين يستشهدون في مواجهة العدوّ الإسرائيلي.

                          لقد اضطلع أحمد الشقيري، منذ ولادة المنظمة، بدور سياسي مهم؛ إذ عمل على إبراز دورها، سياسياً، حيث لم يكن للشعب الفلسطيني دور سياسي منفصل عن الأمة العربية؛ وإنما انحصر دوره في ظل النطاق العربي. لقد بذل الشقيري جهداً ضخماً، من أجل توسيع نطاق الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها ممثلاً شرعياً، ووحيداً، للشعب الفلسطيني؛ والاعتراف بحق هذا الشعب في العودة، وتقرير المصير، وإنشاء دولته المستقلة على أرض وطنه. ولذلك سعى إلى توطيد علاقة المنظمة بدول العالم، ولا سيما الدول الاشتراكية، وفي طليعتها الاتحاد السوفيتي، والصين الشعبية، التي سمحت بتدريب جيش التحرير الفلسطيني على أراضيها؛ وزارها وفد من منظمة التحرير الفلسطينية، عام 1965.

                          إن علاقات المنظمة، خلال تلك الفترة، بدول العالم الثالث، والكتلة الاشتراكية، والتنظيمات الثورية في العالم ـ أسهمت في دعم منظمة التحرير الفلسطينية، عسكرياً ومالياً وسياسياً؛ إذ أصبحت القضية الفلسطينية، تحتل مكانة مرموقة، على الصعيد الدولي؛ واطّرد اكتسابها مزيداً من الأصدقاء والمؤيدين. فانطلقت تدافع عن قضيتها، سياسياً وعسكرياً؛ مبرزة الدور، السياسي والعسكري، لشعب فلسطين. ولم يكفّ الشقيري عن التنقل بين الدول العربية، من أجـل كسب الدعم والتأييد، وتحقيق مكاسب، سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادية.

                          قبل تكوين المنظمة، كانت هناك تطلعات إلى إعادة صياغة الهوية الفلسطينية الوطنية، في إطار نضالي، يتيح للشعب الفلسطيني الاضطلاع بدوره، السياسي والعسكري، في تحرير وطنه. وقد تجسدت في تكوين تنظيمات، كان لبعضها طابع فلسطيني محض، مثل حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وانبثق بعضها الآخر من إطار قومي عربي، مثل حركة القوميين العرب، وحزب البعث الاشتراكي. ولكن هذه التنظيمات لم تستطع تجسيد الهوية الفلسطينية، وإنشاء كيان، مثل منظمة التحرير الفلسطينية، يمثل الشعب الفلسطيني، في المحافل كافة، العربية والإسلامية والعالمية.

                          منذ تكوين المنظمة، لم يحدث بينها وبين التنظيمات لقاء حقيقي، يجمعهما تحت راية المنظمة. ولذا، تفجر الصراع بينهما، وتمثّل في الانتقاد الشديد للمنظمة ورئيسها، الذي تفاقمت أمامه الصعاب؛ إضافة إلى تحديات الأنظمة العربية، وخاصة الأردن؛ فأصبح عاجزاً عن توسيع مظلة المنظمة، لتستوعب، في أطرها وأنشطتها، كلّ الشعب الفلسطيني وأدواره النضالية، من خلال التنظيمات. ففي يناير 1967، اعتقلت السلطات الأردنية عدداً من المسؤولين في المنظمة، متذرعة بالانفجارات، التي وقعت في القدس، وتسببت بإغلاق المكتب الأردني فيها؛ ما أثار غضب أحمد الشقيري، وجعله يوجه الانتقـاد إلى الملك حسين.

                          أثار بعض القرارات، التي أصدرها أحمد الشقيري، في مطلع فبراير 1967، والمضادة لجيش التحرير؛ ونقل شفيق الحوت، مدير مكتب المنظمة في بيروت، إلى الهند، سخط ذلك الجيش، وبخاصة كبار الضباط؛ ومعارضة الحوت، واستنكار بعض قادة المنظمة لنقله، واعتراضهم على تصرفات رئيس المنظمة.

                          في الوقت نفسه، حدث خلاف، بين رئيس المنظمة ومندوب الحكومة الأردنية، في اجتماعات الدورة العادية السابعة والأربعين، لمجلس جامعة الدول العربية، التي عقدت في القاهرة، من 14 إلى18 مارس 1967؛ وذلك في أعقاب اتهام الشقيري، للحكومتَين: الأردنية والسعودية، بالخروج عن مقررات الجامعة العربية، ومطالبته بطرد الأردن منها. وقد انتهى الخلاف إلى انسحاب المندوب الأردني من الاجتماعات. أمّا الحكومة السعودية، فأعلنت، في مذكرة، رفعتها إلى الأمانـة العامة للجامعة، في 16 مـارس 1967، عدم قدرة رئيس المنظمة على تمثيل الكيان الفلسطيني .

                          لقد تأزم الموقف، حينما طلب الشقيري، طرد الأردن من الجامعة العربية؛ وهو مطلب ليس من السهل تحقيقه. بل هو مأخذ عليه؛ إذ لم يستطع أن يدرك أن الجامعة، لم تكن قد قررت، حينذاك، الاعتراف بالمنظمة ممثلاً شرعياً، ووحيداً، للشعب الفلسطيني؛ وأن صلاحياتها تساوي صلاحيات بقية الدول العربية، الأعضاء في الجامعة.

                          وخلاف الشقيري مع كلٍّ من الأردن والمملكة العربية السعودية، وبعض أعضاء قادة المنظمة، استمر حتى عشية حرب 5 يونيه 1967. وبعد هزيمة الجيوش العربية، فقدت المنظمة والتنظيمات الفلسطينية ثقتها بها؛ وانبثقت الإرادة الفلسطينية، معتمدة على العمل الفدائي. وأصبح على الشعب الفلسطيني، أن يتولى زمام المبادرة بنفسه، في شؤون قضيته، العسكرية والسياسية. وقد شجع ذلك التنظيمات على أن تبرز في الساحة الفلسطينية، وخاصة في المناطق المحتلة، وأن تقف في وجه أحمد الشقيري، وتكتسب التأييد الجماهيري الفلسطيني، المناهض للمنظمة وبعض الأنظمة العربية؛ ما جعل الشقيري في وضع الحائر، بين موقعه من المنظمة، التي لم يشتد ساعدها، وبين الأنظمة العربية والتنظيمات الفلسطينية.

                          وجد الشعب الفلسطيني نفسه في الأرض المحتلة، بعد حرب يونيه 1967، أنه قد وقع تحت ظلم الاحتلال، مضطراً إلى المواجهة، بمعزل عن الدعم العربي. وأدت هذه المواجهة اتساع نطاق التفاعل ما بين الجماهير الفلسطينية والتنظيمات الفدائية؛ ما أضعف من موقف أحمد الشقيري.

                          ويمكن القول إن العمل الفدائي الفلسطيني، قد أصبح بعد يونيه 1967، بلا منازع، ممثلاً للإرادة الوطنية النضالية للشعب الفلسطيني. كذلك، تقلصت قوة تأثير الأنظمة العربية في الشعـب الفلسطيني، وبدأ بعض التنظيمات، مثل فتح، تظهر بشكل واضح على مسرح الأحداث.

                          في ظل هذه الظروف، لم يستطع أحمد الشقيري، أن يكون في مستوى العمل على تحقيق متطلبات الشعب الفلسطيني. ولا هو تمكن من نقل المنظمة إلى دورها الطبيعي، المطلوب منها في هذه الفترة، وهو أن تعبِّر عن إرادة الشعب الفلسطيني، قولاً وعملاً. وكان الرجل متسرعاً في أمور كثيرة، ولا يراعى الكثير من المتغيرات، العربية والدولية بصفة عامة، والمتغيّرات الفلسطينية بصفة خاصة. فقد ترك، مثلاً، مؤتمر القمة العربي، المنعقد في الخرطوم، في 27 أغسطس 1967، وانسحب، ولم يوقع قرارات المؤتمر؛ لأنه لم يستجب طلباته، المتمثلة في عدم انفراد أيّ بلد عربي بقبول أيّ حل للقضية الفلسطينية . وكان المفترض أن يراعى موقف وملوك الدول العربية رؤسائها، وما يتعرضون له من ضغوط عالمية.

                          كذلك، عارض، بل رفض قرار مجلس الأمن، الرقم 242، الصادر في 22 نوفمبر 1967، والذي ينص على إقرار مبادئ السلام العادل، والدائم، في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن هذا القرار، لا يعطى الشعب الفلسطيني كلَّ حقوقه؛ فقد كان على الشقيري، أن يتفاهم مع الملوك والرؤساء العرب، على هذا القرار، قبل الرفض جملة وتفصيلاً .

                          وفي نهاية عام 1967، تعرضت المنظمة، من جديد، لبعض التطورات الداخلية. وتفاقمت متاعب أحمد الشقيري. وازداد نشاط تنظيمات الشعب الفلسطيني، بل كُوِّنت تنظيمات جديدة، تساير الظروف الطارئة، وكان لا بدّ أن تهبّ رياح التغيير، بعد الخلاف بين المنظمة و"حركة فتح"، التي وجّهت مذكرة إلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب، أعربت فيها عن قلقها الشديد، إزاء التصريحات المضلِّلة، التي يطلقها الشقيري؛ موضحاً للرأي العام، العربي والعالمي، أن المنظمة تضطلع بواجبها الوطني، في الأرض المحتلة ؛ بينما كلّ العمليات العسكرية، في الأرض المحتلة، تضطلع بها "حركة فتح"، والتنظيمات الفلسطينية الأخرى. وطالبت الحركة، بسد أبواب أجهزة الإعلام العربية في وجهه؛ حتى لا يتخذ منها وسيلة لخدمة أغراضه الشخصية، في تضليل الجماهير.

                          وفي هذه الفترة، رفع سبعة من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة، في 14 ديسمبر 1967، مذكرة إلى رئيس المنظمة؛ مطالبينه بالتنحي عن الرئاسة، بسبب أساليبه، التي لا تحترم مصلحة الشعب الفلسطيني. وأيدتهم مجلة "الحرية" اللبنانية، الناطقة بلسان "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وذلك في عددها الصادر في 18 ديسمبر 1967. ووجّه "الاتحاد العام لطلبة فلسطين" برقية إلى عبدالخالق حسونة، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في 19 ديسمبر، مؤيداً تنحية الشقيري.

                          ويمكن القول إنه في هذه الفترة، تقاربت في وجهات النظر بين كافة الفصائل الفلسطينية، بهدف تنحية الشقيري، الذي غضب، وأقدم على فصل السبعة، المطالبين بتنحيته؛ فأصبح عدد أعضاء اللجنة التنفيذية سبعة أعضاء، بدلاً من أربعة عشر عضواً.

                          إزاء الضغوط على الشقيري، بادر إلى دعوة اللجنة التنفيذية، بكامل أعضائهـا، إلى جلسة، عقدت برئاسته، في مقر المنظمة، في القاهرة، بتاريخ 24 ديسمبر 1967؛ وأعلن فيها بإيجاز شديد، وبحضور ممثلي وسائل الإعلام المختلفة، تنحِّيه عن رئاسة المنظمة.

                          وبعث الشقيري بكتاب استقالته إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، الذي سلمته إياه المنظمة، كذلك، مع كتاب آخـر باعتماد يحيى حمودة، ممثلاً لفلسطين لدى الجامعة.

                          كذلك، وجهت المنظمة رسالة إلى مجلس الجامعة العربية في خصوص الاستقالة، جاء فيها: "إن منظمة التحرير الفلسطينية، تعتبر أن استقالة رئيسها السابق أمر داخلي. وهو لا يؤثر في تمثيل المنظمة للشعب العربي الفلسطيني، ولا في قرارات مجلس جامعة الدول العربية؛ ومنها ما أقره المجلس، على مستوى الملوك والرؤساء".

                          قبلت اللجنة التنفيذية تنحّي الشقيري. وأعربت، في رسالتها إليه، في اليوم نفسه، عن تقديرها وشكرها العميقَين، للجهود التي بذلها منذ قيام المنظمة. كما اتخذت قراراً، بموافقة جميع أعضائها، يعهد إلى يحيى حمودة، أحد أعضائها، رئاسة المنظمة، بالوكالة؛ وتمثيل فلسطين لدى الجامعة العربية، إلى حين انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني .

                          وفي اليوم التالي أصدرت اللجنة التنفيذية بياناً، تعهدت فيه تشكيل مجلس، تتمثل فيه إرادة الشعب الفلسطيني، وتنبثق منه قيادة جماعية مسؤولة، تسعى إلى توحيد النضال المسلح وإسعاره، وتحقيق الوحدة الوطنية، وتعبئة الجهود القومية، وتطوير أجهزة المنظمة.

                          وافقت الوفود العربية، المشاركة في دورة انعقاد مجلس جامعة الدول العربية، العادية، الثامنة والأربعين، يوم الاثنين، 8 فبراير 1968، على تنحّي أحمد الشقيري، واختيار يحيى حمودة خلفاً له، بالوكالة، ومفوضاً إليه ممارسة كافة اختصاصاته.

                          بعد الشقيري، بدأت مرحلة من مراحل تطور منظمة التحرير، بضمها المنظمات الفدائية، التي قادت العمل الفلسطيني المسلح، في السنوات التالية. وكان عام 1968، مرحلة انتقال المنظمة من العمل السياسي إلى العمل العسكري، وهو العام الذي شهد، كذلك، محاولة المنظمات الفدائية تطوير المنظمة، وجعلها "منظمة ثورية" عسكرية، تعمل من أجل توحيد جميع فصائل المقاومة، في تنظيم واحد، لحرب تحرير شعبية طويلة الأمد .

                          لقد كان الشقيري من المؤمنين بفكرة الوحدة العربية الشاملة. ونجح، إلى حد كبير، في جعل هذا الشعار هدفاً قومياً، أجمع عليه كلّ الشعب الفلسطيني؛ إذ دعا، في أواسط أكتوبر 1967، إلى مشروع إقامة "الدولة العربية المتحدة". وكان الرجل مناضلاً فلسطينياً شريفاً، قضى عمره في مواقع السياسة. وظل يناضل من أجل فلسطين، وتوج هذا النضال بترؤسه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؛ وعلى الرغم من أنها جاءت بقرار عربي، فقد أكد الشخصية الفلسطينية، ولو في إطارها السياسي.

                          ولم ينقطع نضال أحمد الشقيري، حتى فارق الحياة، في الأول من مارس 1980. وكان أبو مازن ـ رحمه الله ـ الابن البار بشعبه وأمته، عروبي الانتماء، وقومي الجذور، بقدر ما كان فلسطيني الهوية، إنساني النزعة .


                          ثانياً: المنظمة في ظل يحيى حمودة
                          وُلد يحيى حمودة في قرية لفتة. وهو محامٍ وطني، يميل إلى اليسار. ولا يتمتع بصفات الزعامة، ولذلك، قال عندما أسندت إليه مهمة القائم بأعمال رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم رئيس اللجنة: "أنا لا أستطيع أن أستمر في هذه المهمة. ولا بدّ أن يأتي أحد يتولاها". وبالفعل، تولّى أبو عمار رئاسة اللجنة التنفيذية، وقدم يحيى حمودة استقالته، في مطلع فبراير 1969، في بداية انعقاد الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني، في القاهرة. ولكنه انتُخب رئيساً للمجلس الوطني الفلسطيني، بعد أن استقال من رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

                          وهو أحد أعضاء اللجنة التنفيذية، التي عيّنها أحمد الشقيري، في الدورة الثالثـة للمجلـس الوطني الفلسطيني، الذي عقـد في مدينـة غـزة من 20 إلى 24 مايو 1966.

                          منذ أن تسلم يحيى حمودة، رئاسة اللجنة التنفيذية، بالوكالة، في 24 ديسمبر 1967، أعلن أن منظمة التحرير الفلسطينية، ستبذل قصارى جهدها في توحيد مختلف الحركات الفلسطينية؛ وستعمل على إنشاء مجلس وطني للمنظمة، تتمثل فيه إرادة الشعب، وتنبثق منه قيادة جماعية مسؤولة، تعمل على زيادة النضال المسلح، وتحقيق الوحدة الوطنية، وتعبئة الجهود القومية، وتطوير أجهزة المنظمة، بما تتطلبه المرحلة الراهنة، وخاصة بعد حرب 1967. كما أعلن، أمام الوفود العربية، المشاركة في دورة انعقاد مجلس جامعة الدول العربية، العادية، الثامنة والأربعين، "أن المنظمة أداة للتحرير. وليس من أهدافها محاربة الحكم في الضفة الغربية، أو أيّ جزء من فلسطين. وهي لا تؤمن بوحدة الضفَتين فحسب، وإنما تؤمن بوحدة الوطن العربي كله. كما تؤكد المنظمة تمسّكها بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره" .

                          إن الذي دعا يحيى حمودة، وأعضاء منظمة التحرير الفلسطينية، إلى التفكير في الوحدة، هو تعدد المنظمات الفلسطينية. فقد نشط الرجل، منذ مطلع عام 1968، في جهود حثيثة؛ واتصل بالحركات والأحزاب الفلسطينية، من أجل صياغة العلاقات الفلسطينية الداخلية، بما يلائم متطلبات المرحلة؛ وإعادة بناء المنظمة ومؤسساتها، ومحاولة إيجاد تنسيق بينها وبين التنظيمات الفدائية الفلسطينية، من أجل تحقيق الوحدة الوطنية؛ تمهيداً لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الرابع، الذي كان مفترضاً انعقاده، وفقاً للنظام الأساسي للمنظمة، في أواخر مايو وأوائل يونيه 1967؛ لكن حرب يونيه 1967، حالت دون ذلك .

                          كان لحرب يونيه أثر كبير في منظمة التحرير الفلسطينية؛ إذ أصبح شعب فلسطين كله تحت الاحتلال الصهيوني. كذلك، فقدت المنظمة رصيدها بين الجماهير الفلسطينية. ومنعت السلطات الإسرائيلية أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، الموجودين في فلسطين المحتلـة، من مغادرة ديارهم لحضور جلسات انعقاده الرابع. وفي الوقت نفسه، استعرت المقاومة الفلسطينية للاحتلال، ونشأت منظمات فلسطينية جديدة، وأصبح العمل الفدائي أملاً لأبناء فلسطين، والأمة العربية، جميعاً.

                          وفضلاً عن ذلك، نادى أبناء الشعب الفلسطيني، بضرورة إعادة النظر في بناء أجهزة المنظمة، ولا سيما العسكرية والسياسية؛ لتمكينها من مواجهة متطلبات المرحلة الجديدة. فدعت "حركة فتح" إلى عقد مؤتمر في القاهرة، في مطلع عام 1968، يبحث إمكانية توحيد المنظمات الفدائية، وتحقيق وحدة وطنية، وتدعيم الكفاح المسلح وإسعاره؛ وتشكيل لجنة تحضيرية لمؤتمر وطني، تضم جميع حركات المقاومة، والشخصيات الوطنية المستقلة .

                          وقد لبت الدعوة ثماني منظمات. ورفضت منظمة التحرير الفلسطينية الحضور، على أساس أنها هي إطار الوحدة الوطنية. وكذلك، رفضت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" الحضور؛ لأنها كانت تَعُدّ المنظمة هي الإطار، الذي يمكن أن يجمَع التنظيمات، وليس طرفاً من الأطراف الفلسطينية. وعقد المؤتمر، بين 17 و19 يناير 1968، في القاهرة، من دون أن يحقق الأهداف، التي دعت إليها "حركة فتح". وقد استطاعت التنظيمات الثمانية، المُشاركة في المؤتمر، أن تشكل فيما بينها مجلساً عسكرياً، يهتم بتنسيق أنشطتها.

                          ودفع الحركة فشل التجربة الأولى للوحدة الوطنية، في ذلك المؤتمر، إلى اعتماد منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً ممكناً للوحدة الوطنية .

                          وفي اليوم نفسه، الذي عقدت فيه المؤتمر، نشرت جريدة "الأهرام" في عددها الصادر في 17 يناير 1968، حديثاً ليحيى حمودة، قال فيه: "يجب أن تباشر الجماهير دورها القيادي، في مواجهة قوى الإمبريالية والصهيونية، بالسلاح، الذي أثبت التاريخ أنه أمضى الأسلحة". وتابع يقول إن المنظمة ليست طرفاً من أطراف العمل الوطني الفلسطيني، أو إحدى فصائله فحسب؛ ولكنها الممثلة الرسمية، لكل الشعب الفلسطيني، في جميع المجالات، العربية والدولية، وكلّ المؤتمرات والمحافل الرسمية. وإن الخلاف بين المنظمة وبقية التنظيمات الفلسطينية، هو في الأسلوب، ولا خلاف في الهدف.

                          في اليوم التالي لانعقاد ذلك المؤتمر، استقبل الملك حسين رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بالوكالة، يحيى حمودة، وفي رفقته عبدالخالق يغمور، وبهجت أبو غربية، عضوَا اللجنة التنفيذية. وجرى البحث بينهما في استئناف المنظمة أنشطتها، في الأردن، بعد التغيرات التي طرأت عليها، وأدت تنحّي أحمد الشقيري .

                          في عهد يحيى حمودة، استعرت حركة المقاومة الفلسطينية، وازداد وتأثيرها، وخاصة بعد حرب الكرامة؛ واتحاد بعضها في تنظيمات جديدة، مثل" "منظمة أبطال العودة"، و"منظمة جبهة التحرير الفلسطينية"، و"منظمة شباب الثأر" التي كونت مجتمعة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". واتفق بعضها الآخر على مناهج مشتركة، ومواقف موحدة، إزاء الملاحظات المتعلقة بالمجلس الوطني الفلسطيني؛ إذ التقت منظمة التحرير و"حركة فتح"، التي اشترطت تعديل الميثاق القومي للمنظمة ونظامها الأساسي؛ مع تأكيد استقلاليتها، وتحرير إرادة جيش التحرير من التبعية للدول العربية.

                          والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن تحرير الجيش الفلسطيني من التبعية العربية؟ وهو ضمن الجيوش العربية المضيفة له، ويتدرب على أراضيها! وفي ظل هذه الظروف الصعبة، وبالتحديد في النصف الثاني من عام 1968، أرسلت المنظمة بعض أعضاء اللجنة التنفيذية إلى عمّان، وبعضهم إلى دمشق؛ حيث سيبحثون أفضل السبل إلى تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني الرابع، تمهيداً لتشكيل القيادة الجماعية، وتوحيد النضال.

                          عقد المجلس الوطني دورته الرابعة، في القاهرة، بين 10 و17 يوليه 1968. وحضرها مائة عضو. وكانت موزعة كالتالي: 50 مقعداً لمنظمة التحرير الفلسطينية، والصندوق القومي، والتنظيمات الطلابية والعمالية الفلسطينية؛ و38 مقعداً للمكتب الدائم، وهو التجمع، الذي كانت تتزعمه فتح؛ و10 مقاعد لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"؛ ومقعدان للمستقلين. واتخذ المجلس سلسلة قرارات، أهمها: حرية العمل الفدائي، من جميع الأراضي العربية المجاورة لإسرائيل. وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة، لقوات المنظمات الفدائية. وتكون منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولة عن توضيح الموقف للمقاتلين. ورفض قرار مجلس الأمن، الرقم 242. وتدعيم جيش التحرير وتطويره وزيادة حجمه، على أن يكون "حر الإرادة والقيادة". والموافقة على مبدأ توحيد الضرائب المالية. والاتفاق على أن تصدر البيانات العسكرية عن جهة واحدة، مع ذكر الجهة التي اضطلعت بالعمل.

                          قرر المجلس الوطني تشكيل مكتب لشؤون الأراضي المحتلة، من ذوي الاختصاص في دائرة التنظيم الشعبي والمجلس العسكري؛ ويُمنح الإمكانات، التي تمكنه من خدمة أهداف الثورة الفلسطينية. وتعديل المادة الرقم 14 من النظام الأساسي، لتنص على أن اللجنة التنفيذية، تؤلَّف من أحد عشر عضواً، بمن فيهم رئيس مجلس إدارة الصندوق القومي الفلسطيني. وتعديل المادة الرقم 3 من النظام الأساسي، بما يسمح للمجلس الوطني بانتخاب جميع أعضاء اللجنة التنفيذية، الذين ينتخبون رئيسها؛ وكذلك، أقر المجتمعون انتخاب اللجنة التنفيذية من داخل المجلس الوطني. وتعديل المادة الرقم 22 من النظام الأساسي، بما يسمح بإنشاء جيش من أبناء فلسطين، يعرف بجيش التحرير الفلسطيني؛ تكون له قيادة مستقلة، تعمل تحت إشراف اللجنة التنفيذية، وتنفذ تعليماتها وقراراتها، الخاصة والعامة .

                          وقرر المجلس الوطني تغيير اسم الميثاق القومي الفلسطيني، ليصبح الميثاق الوطني الفلسطيني؛ لأن كلمة الوطني، تنصرف إلى الشعب العربي الفلسطيني؛ في حين أن كلمة القومي، تنصرف إلى الأمة العربية؛ والميثاق هو للشعب الفلسطيني، وليس لجميع الأمة العربيـة؛ وإن كانت فلسطين جزءاً من الأمة العربية .

                          قرر أعضاء المجلس الوطني، إزالة النص على أن المنظمة، لن تمارس سيادتها على الضفة الغربية، وقطاع غزة ومنطقة الحمة من الميثاق القومي. ونص الميثاق الوطني المعدل، على أن الشعب العربي الفلسطيني، هو صاحب الحق الأول، والأساس، في تحرير وطنه؛ وهو يؤكد أصالة ثورته الوطنية واستقلاليتها؛ ويرفض كلّ أنواع التدخل والوصاية والتبعية. كما ينص على أن منظمة التحرير، الممثلة لقوى الثورة الفلسطينية، مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني، في نضاله من أجل استرداد وطنه وتحريره، والعودة إليه، وممارسة حق تقرير مصيره، في جميع الميادين، العسكرية والسياسية والمالية، وسائر ما تطلبه قضية فلسطين، على الصعيدَين: العربي والدولي .

                          كما أجمع المؤتمر على رفض كلّ الحلول البديلة من تحرير فلسطين تحريراً كاملاً. ورفض كلّ المشروعات الرامية إلى القضاء على القضية الفلسطينية أو تدويلها. وعُدِّلت المادة المتعلقة باليهود الفلسطينيين، وهم "اليهود، الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين، حتى بدء الغزو الصهيوني لها، يعتبرون فلسطينيين" .

                          حث المجلس الوطني على العمل الفدائي، في المادة الرقم 10 في الميثاق الوطني الفلسطيني المعـدّل. وأكد إسعاره وشموله، وحمايته؛ وتعبئة كافة الطاقات، الجماهيرية والعلمية، الفلسطينية وتنظيمها، وإشراكها في الثورة الفلسطينية المسلحة؛ وتحقيق التلاحم النضالي الوطني، بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني، وبينها وبين الجماهير العربية؛ ضماناً لاستمرار الثورة استِعارها وانتصارها.

                          ولئن كانت الفترة، التي تسلّم فيها يحيى حمودة، رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، قصيرة جداً؛ فإنها كانت غنية بأحداثها المهمة، وتطوراتها السريعة، التي أسفرت عن تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية تشكيلاً ثورياً، بعد تعديل بعض مواد الميثاق الفلسطيني والنظام الأساسي فيه. ولكن سرعان ما سيطرت التنظيمات الفدائية على المنظمة، وتولت "حركة فتح" رئاستها؛ وانتُخب ياسر عرفات، في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني، المنعقد في القاهرة، من الأول إلى الرابع من فبراير 1969، رئيساً للجنتها التنفيذية، وقائداً عاماً لقوات الثورة الفلسطينية. فانتهت، بذلك، رئاسة يحيى حمودة للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بعد فترة قصيرة؛ بذل فيـها قصارى جهده، من أجل الوحدة الفلسطينية.

                          تعليق


                          • #14
                            ثالثاً: المنظمة في ظل الشهيد ياسر عرفات

                            مهما اختُلف في مكان مولد الشهيد المغفور له باذن الله تعالى الزعيم الشهيد ياسر عرفات، فإنه ولد في مدينـة القدس، في 5 أغسطس 1929، لأب تاجر، اسمه عبدالرؤوف عرفات القدوة. وأمه هي زهوة أبو السعود، من منطقة القدس؛ وتربطها صلة قرابة بمفتي القدس الراحل، الحاج أمين الحسيني. قضى عرفات طفولته، على بعد خطوات من حائط البراق، حيث كان يتابع الانتفاضات الدموية، إبّان الانتداب البريطاني. وعاش وسط عائلة الحسيني، التي تنتمي إليها أمه .

                            الشهيد ياسر عرفات واحد من سبعة أشقاء وشقيقات. انتقل والده إلى القاهرة؛ ولكن لا أحد يعرف أسباب انتقاله، وإن كان هناك من يعتقد، أن الإنجليز نفوه إليها؛ وثمة من يقول إنه رحل لأسباب تجارية. وأيّاً كانت أسباب انتقاله إلى القاهرة، فإنه واصل عمله في تجارة المواد الغذائية، بالجملة؛ وافتتح مصنعاً للأجبان التي كانت تباع في العالم العربي.

                            ويصعب القول إن الشهيد ياسر عرفات، عاش مراهقة، كسائر أقرانه وزملائه. فقد كانت اهتماماته، منذ الطفولة، منصبة على أشياء، تتجاوز سنّه، وتختلف عن تلك التي يهتم بها الشباب، عادة، في سن المراهقة. كان مولعاً بالسياسة، والشؤون العسكرية؛ يشغله احتلال الاستعمار للعالم العربي.

                            وشارك في المظاهرات، المعادية للاستعمار الإنجليزي في مصر. وحضر كثيراً من الندوات السياسية، التي كانت تعقد فيها وقتئذ. وانضم، في شبابه، إلى الحركة الوطنية الفلسطينية، من خلال الانضمام إلى "اتحاد طلاب فلسطين"، عام 1944، الذي ترأسه، بين عامَي 1953 و1968. وشارك في تهريب الأسلحة والذخيرة، من مصر إلى الثوار في فلسطين. وأسهم في حرب 1948، وخاصة حصار مستوطنة كفار داروم، في غزة.

                            واسم ياسر، ليس هو اسمه الحقيقي؛ وإنما أطلق عليه، منذ طفولته المبكرة، لسماحة وجْهه، كما تقول شقيقته الكبرى. أمّا اسمه الحقيقي، فهو محمد عبدالرؤوف عرفات القدوة، حسب قول أحد رفاقه في "حركة فتح"، أمّا الموسوعة البريطانية، فتسميه عبدالرحمن رؤوف القدوة. وأبو عمار، هو اسمـه الحركي، الذي أطلقه على نفسـه؛ تيمناً بالصحابي عمار بن ياسر .

                            عاش الشهيد ياسر عرفات متفرغاً للقضية الفلسطينية، عازفاً عن كثير من ملذات الحياة. وعندما سألته أخته: " لماذا لم تتزوج؟"، أجابها: "أتريدين أن أتهم بتعدد الزوجات؟ ألا يكفى امرأتي الأولى، الثورة الفلسطينية‍".

                            خلال حرب 1948، كان عرفات إلى جانب عبدالقادر الحسيني، ابن عم المفتي، الحاج أمين الحسيني. وبعد النكبة، انتقل، مع عائلته، إلى غزة، التي كانت تحت الإدارة المصرية؛ ما ساعد على الوصول إلى القاهرة، ومتابعة دروسه في كلية الهندسة، جامعة الملك فؤاد الأول ـ جامعة القاهرة، الآن.

                            انضم الشهيد ياسر عرفات، إلى مجموعة المناضلين المصريين، محارباً معهم الإنجليز في منطقة قناة السويس، بين عامَي 1951 و1952، حيث تعرّف إلى بعض قادة الثورة المصرية؛ ومنهـم كمال الدين حسين، وخالد محيي الدين، ومجدي حسنين، وعدد آخر من أعضاء مجلس قيادة الثورة المصرية؛ وأقنعهم أن يقبلوا أول دفعة من الضباط الفلسطينيين، من أبناء قطاع غزة. في الكلية الحربية المصرية وكان هؤلاء هم دعائم جيش التحرير؛ ومنهم قائد قوات عين جالوت، منصور الشريف؛ ومساعد رئيس الأركان، عبدالرازق المجايدة؛ وفخري شقورة.

                            وفي عام 1952، انتخب الشهيد ياسر عرفات رئيساً لاتحاد الطلاب الفلسطينيين، بأغلبية ساحقة. وظل محتفظاً بهذا المنصب إلى أن أكمل دراسته الجامعية، عام 1956. ويقول البعض: "إن الشهيد ياسر عرفات، في أوائل الخمسينيات، لم يلتحق بأيّ حزب سياسي؛ ولكنه كان يعلم، على الأقل، ما هو مضرّ بالقضية الفلسطينية". وإذا صح هذا القول، فعرفات كان عنده حب الانتماء، القومي والقطْري، إلى الأمة العربية، والشعب الفلسطيني. وكان على قناعة بأن الأحزاب السياسية القائمة، والأنظمة العربية، الموجودة في تلك الفترة، لا تستطيع عمل شيء للقضية الفلسطينية؛ ما دفعه إلى إنشاء معسكر لتدريب طلاب الهندسة، الراغبين في الاشتراك في الأعمال الفدائية، المتصدية للبريطانيين، في منطقة السويس؛ ثم إنشاء "حركة فتح"، فيما بعد.

                            وأثبت عرفات، من خلال قيادته لاتحاد الطلبة، أنه يمتلك جميع مقومات القائد ومواهبه، وقدرته على فرض هيمنته على الآخرين. كما أثبت قدرة فائقة على العمل؛ ونجح، من خلال اتصالاته، أن يصل إلى اللواء محمد نجيب، قائد ثورة يوليه 1952، على رأس وفد من طلبة فلسطين؛ وقدم إليه عريضة مكتوبة بالدم، باسم شهداء فلسطين ومصر، الذين ضحوا بحياتهم من أجل فلسطين. وفي هذا اللقاء، التقى عرفات، للمرة الأولى، عبدالناصر.

                            سافر الشهيد ياسر عرفات، عام 1954، على رأس وفد إلى صوفيا، لحضور مهرجان، رعاه الاتحاد الدولي للطلاب الفلسطينيين في جامعة القاهرة. وفي هذه الفترة، أدرك فشل الحكومات العربية، وضعف الدول العربية وتشتتها؛ وغياب تنظيم، يجسد الشرعيّة الفلسطينية تجسيداً حقيقياً وفعالاً؛ وأهمية الاتصال بمختلف القيادات الفلسطينية، في أماكن وجودها، في غضون الأنشطة الطلابية للشباب الفلسطيني. وتشكلت أول نواة فلسطينية، عام 1954، في غزة، لمحاربة العدوّ الإسرائيلي؛ فيها الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد)، وكذلك أبو يوسف محمـد النجار، وصلاح خلف (أبو أياد).

                            وعندما أكمل الشهيد ياسر عرفات دراسته الجامعية، وتخرَّج مهندساً مدنياً، فقد قيادته لاتحاد الطلبة، الذي كان غطاء لعمله السياسي. ولكنه سرعان ما وجد غطاء جديداً، إذ أنشأ ما أسماه "جمعية اتحاد الخريجين الفلسطينية"، التي كانت سبيله إلى الاتصال بخريجي فلسطين، في خارج مصر. وقبيل العدوان الثلاثي على مصر، عام 1956، كان الشهيد ياسر عرفات ضابطاً احتياطياً، أرسل إلى بورسعيد؛ ليشارك، في إطار سلاح المهندسين المصري، في عمليات نزع الألغام.

                            لقد حضر خليل الوزير (أبو جهاد) إلى القاهرة، عام 1956، لإكمال تعليمه. وبدأ التحـرك، مع الشهيد ياسر عرفات، في اتجاه تشكيل حركة فلسطينية مستقلة. ووضعا معاً، في القاهرة، المبادئ الأولية، التي انطلقت منها "حركة فتح".

                            عمل الشهيد ياسر عرفات، بعد تخرُّجه في جامعة القاهرة، مدة سنتَين، في المحلة الكبرى، في مصر. وبعد ذلك، سافر إلى الكويت، للعمل فيها، في أوائل عام 1957. وكان مهندساً، يتمتع بكثير من التقدير والاحتـرام في وزارة الأشغال العامة، في الكويت. وامتلك ثروة هائلة، كان ينفقها على تحركاته، وتحركات رفاقه، التي مهدت لإعلان "حركة فتح".

                            والتقى عرفات كلاًّ من خليل الوزير، وفاروق القدومي، وعادل عبدالكريم، ويوسف عميرة، في الكويت، حيث شُكِّلت أول خلية لـ"حركة فتح"، توسعت، فيما بعد، لتكون أول لجنة مركزية على الأرض الكويتية، حيث كان يصرف عليها من شركته الخاصة. والتف حوله عدد قليل، في سِّرية تامة. واجتمع مؤسسو "حركة فتح"، في الكويت، في 10 أكتوبر 1959؛ فكان اجتماعهم، هو النواة الأولى لِما سيصبح، في أقلّ من عشر سنوات، أقوى منظمة تحرير وطني عرفتها فلسطين؛ إذ أمكن إعداد عدة وثائق، والموافقـة عليها، في شأن بنـاء الحركة ونظامهـا الداخلي، وإستراتيجيتهـا، ووسائـل عملها، وتمويلها.

                            حضر الشهيد ياسر عرفات المؤتمر الفلسطيني الأول، في مدينة القدس، عام 1964، هو وبعض رفاقه من "حركة فتح"؛ على الرغم من اقتناعهم بأن المنظمة، لن تفي بمتطلبات الشعب الفلسطيني؛ بسبب سيطرة بعض الدول العربية عليها. كذلك، زار عرفات بكين، مرتَين، قبل أن يصبح رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية: الأولى عام 1964؛ والثانية عام 1966، وأسفرت عن وعود بالمعونة، تجسدت بعد حرب يونيه 1967 إذ تلقّى العديد من الجماعات الفدائية التدريب العسكري، منذ عام 1968، المعسكرات في الصين.

                            كان الشهيد ياسر عرفات، هو صاحب الرصاصة الأولى للثورة الفلسطينية، ليلة رأس السنة من عام 1965؛ ولم يكن قد تجاوز عمره 35 عاماً. وبعد نجاح العملية، راح بنفسه يوزع البيانات على الجرائد، في بيروت، حيث ظهر، أول مرة، اسم فتح، واسم أبو عمار. ولعل البيان الأول، كان على درجة من الأهمية؛ وقد جاء فيه "بسم الله الرحمن الرحيم. مؤمنين بحق شعبنا في النضال من أجل استعادة وطنه المغتصب؛ وبالثورة العربية، من المحيط إلى الخليج؛ وبدعم قوى التحرر في العالم، قامت وحدات من قواتنا المقاتلة، ليلة 31 ديسمبر 1964، بعمليات ناجحة، أوكلت إليها، داخل الأراضي المحتلـة. وعادت إلى قواعدها سالمة" (الملحقان الرقمان 10 و 11 ).

                            كان أبو عمار يشرف على العمليات الفدائية، ويتقدم الشباب في العمل الفدائي، ويفتح المجال أمامهم، لكي يأخذوا دورهم. وكان يمارس قيادة حازمة في اتخاذ القرار، ويتفقد أُسَر الشهداء في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، في بداية تكوينها. وتعرّض للسجن، فقد أوقفته السلطات البعثية، في سورية، عام 1965؛ لاشتباهها باشتراكه في تخريب خط أنابيب التابلاين؛ ثم أفرجت عنه، بعد بضعة أيام، لعدم وجود أدلة تدينه. كما أودعته السلطات البعثية، في سورية، سجن المزة، مع بعض قادة فتح، الذين كانوا في دمشق، حينها؛ ومنهم خليل الوزير، ووليد أحمد نمر (أبو على أياد)، وممدوح صيدم (أبو صبري). ووجهت إليهم تهم اغتيال اثنَين من أعضاء فتح، في نهاية فبراير 1966، كانا يعملان في مصلحة النظام السوري؛ وهما: يوسف الأعرابي، ومحمد حشمت، وكلاهما فلسطيني، تطوع في صفوف "العاصفة". ولكنها أفرجت عنهم، بعد جدال عنيف، على أثر اتصالات صلاح خلف، وفاروق القومي، ومحمد يوسف النجار، مع وزير الدفاع السوري، في تلك الفترة، حافظ الأسد؛ وبعد أن طرحت عليهم العديد من الأسئلة عن فتح، وأيديولوجيتها وأهدافها، وعن عرفات، بخاصة، الذي كان يعرف، حينها، باسمه القتالي: رؤوف.

                            قاد أبو عمار، أثناء حرب يونيه 1967، عمليات تسلل، خلف خطوط العدوّ؛ الهدف منها تعويقه. وحينما تأكدت الهزيمة، صمم الشهيد ياسر عرفات على مواصلة النضال حتى تحرير فلسطين. وكان أول من دخل إلى الأراضي المحتلة، لتنفيذ أعمال عسكرية، غايتها رفع الروح المعنوية للسكان؛ بينما كان العالم العربي كلّه غارقـاً في الهزيمة.

                            كان أبو عمار ينفذ عمليات عسكرية ناجحة، تقلق أجهزة الأمن الإسرائيلي. وبلغ حرصه على سرّية العمل الفدائي، أنه مر أمام البيت، الذي عاش فيه طفولته، في القدس نفسها؛ وكان أخوه واقفاً ببابه، فمرّ صامتاً، حتى إنه لم يلق التحية عليه، حتى لا ينكشف أمره.

                            بدأت فتح، بقيادة الشهيد ياسر عرفات، تبني مواقعها الارتكازية، على طول نهر الأردن، بعد هزيمة عام 1967. وحينما اشتد العمل الفدائي، في مطلع عام 1968، شنت إسرائيل هجوماً على مدينة الكرامة؛ فطلبت السلطات الأردنية من عرفات الانسحاب منها؛ ولكنه رفض ذلك وقال: "نطعـم لحومنا لجنازيـر الدبابات، ولا ننسحب". وخاض معركة من أعظم المعارك الفدائية وأعجبها؛ ومعه عدة مئات من الفدائيين، كبّد فيها إسرائيل خسائر بشرية ومادية، وأجبر قواتها على الانسحاب، بعد أن عجزت عن تحقيق أي تقدم، وأرهقها أسلوب حرب العصابات. وسجلت معركة "إثبات الذات الفلسطينية" أشرف نصر للمقاتل الفلسطيني، الذي طاول سلاحه، أول مرة، الجيش الإسرائيلي، الذي قيل إنه لا يُقهر؛ حتى إن بعض المؤرخين، يرون أن الانطلاقة الفلسطينية، بدأت يوم الكرامة. بعـد هذا النصر العظيم، الذي حققه الفدائي الفلسطيني، بصموده في وجه الأعداء، بقيادة أبو عمار، استمر عرفات في قيادة العمل الفلسطيني، على الجبهات؛ واستمر التأييد يصل إلى الثورة الفلسطينية، وخاصة من جمهورية مصر العربية، ورئيسها جمال عبدالناصر، الذي أعلن، في بداية عام 1968، أنه يؤيد العمل الفدائي، ويمده بكل إمكاناته، المادية والمعنوية

                            أعقب ذلك تعيين الشهيد ياسر عرفات، في 15 أبريل 1968، ناطقاً رسمياً باسم "حركة فتح"؛ واستطراداً، باسم "العاصفة". وهكذا، حمل أبو عمار الأمانة، وبدأ يتحمل متاعب الشعب الفلسطيني، وتجشَّم مسؤولية نجاح الثورة الفلسطينية. وبدأت الاتصالات بين المنظمة و"حركة فتح" من أجل انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الرابع، الذي انعقد في أكتوبر 1968، في القاهرة، حيث اتُّفِق علـى وضع الأسس، اللازمة لإعادة تكوين منظمة التحرير الفلسطينية. كما أرسى الشهيد ياسر عرفات، الأسس، الفكرية والسياسية والتنظيمية، للمنظمة، بما يتفق وتطورات الأحداث، خلال تلك الفترة؛ إذ مَسَّت الحاجة إلى تعديل الميثاق القومي، والنظام الأساسي، تعديلاً جوهرياً؛ وهو ما طالبت به "حركة فتح"، برئاسة أبو عمار.

                            لقد أصبحت الوحدة الوطنية الفلسطينية هدفاً كبيراً؛ ولكن وفقاً لمقولة عرفات: "لا نريد وحدة مكاتب، ولا وحدة مناورات سياسية؛ ولكننا نريدها وحدة حقيقية، تستمد نبضها من ميدان النضال". وأسفر جهده من أجل الوحدة، عن تنسيق قوات "العاصفة" وقوات التحرير الشعبية، عملياتهما في داخل إسرائيل.

                            وفي الأول من فبراير 1969، انعقدت الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني، بحضور جميع المنظمات الفدائية، باستثناء "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، و"جيش التحرير الفلسطيني"، اللذَين عارضا سيطرة فتح على معظم مقاعده. وانتهت الدورة إلى انتخاب الشهيد ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية؛ وبذلك، تكون "حركة فتح"، قد انضمت المنظمة، بل تولت رئاستها؛ فأصبح الناطق الرسمي باسمها رئيساً للجنتها التنفيذية.

                            منذ تلك اللحظة، بدأت المنظمة تزداد أهمية، على المستويات: السياسي والعسكري والاقتصادي والاجتماعي، في الساحتَين: العربية والدولية، حيث بدأ نشاطها يزداد، في ضوء خطة العمل، التي أقرها المجلس الوطني الفلسطيني، وخصوصاً توحيد الكفاح المسلح الفلسطيني؛ إذ سعى عرفات إلى حل الخلافات الداخلية بين فصائل المقاومة الفلسطينية، فعقدت اللجنة التنفيذية اجتماعاً، في عمّان، في 16 و17 فبراير 1969، وقررت تشكيل هيئة، باسم "قيادة الكفاح المسلح الفلسطيني"، بمشاركة تلك الفصائل كافة. كما اتخذت قراراً، يقضي بتطوير "جيش التحرير الفلسطيني"، وزيادة عديده وقدرته، وتطوير أسلحته. كذلك، اتخذت قراراً، يضمن رعاية المرضى، والمصابين، والشهداء، والأسْرى، من ذلك الجيش، ومن قوات التحرير الشعبية، والمدنيين الفلسطينيين، في داخل فلسطين وخارجها. وتلك التطورات والإصلاحات، هي أول الثمار، في ظل رئاسة عرفات لمنظمة التحرير الفلسطينية.

                            بعد أن تسلُّم الشهيد ياسر عرفات رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، بادر إلى تدعيم موقف المنظمة، عالمياً؛ فزار الاتحاد السوفيتي، على رأس وفد منها، في فبراير 1970، تلبية لدعوة من اللجنة السوفيتية لتضامن بلدان آسيا وإفريقيا. وفي خلال الزيارة، اجتمع عرفات مع ممثلي الأوساط الاجتماعية السوفيتية، والشخصيات الحزبية والرسمية. وعلى أثرها بدأت عملية تطوير التعاون، بنجاح، بين المنظمات، السوفيتية والفلسطينية، الاجتماعية والثقافية والشبابية والنسائية، والاتحادات.

                            وفي السبعينيات، اشتد العمل الفدائي المسلح، في الأراضي المحتلة. وواجهت منظمة التحرير أشد مشاكلها خطراً، وهي مشكلة الخلاف بينها وبين النظام الأردني، الذي أصدرت حكومته بياناً، في 10 فبراير 1970، تضمن 11 نقطة، استهدفت التشدد مع حركـة المقاومـة، والسيطـرة عليها، والحـد من حركتها وفاعليتها.

                            لم يتوانَ عرفات في إنقاذ المنظمة؛ ولكن إصرار الأردن على خطته، أرغم الفلسطينيين على الدفاع عن أنفسهم. فكانت مذابح عامَي 1970 و1971، ولا سيما "أيلول الأسود" (سبتمبر) ـ إيذاناً بنهاية الوجود الفلسطيني المتنامي في الأردن. وكانت تلك الضربة من أقسى الضربات، التي تلقتها قوات المقاومة الفلسطينية، منذ تكوينها. غير أن عرفات، استطاع أن يحافظ على كيان منظمة التحرير الفلسطينية، وقوى الثورة الفلسطينية؛ فخرج بقواته من الأردن إلى لبنان.

                            كان عرفات يشارك من حوله في صنع القرار واتخاذه. وهو رجل عسكري، وسياسي، واجتماعي؛ عنيد في بعض المواقف؛ ومقاتل شرس. إنه يتمتع بإرادة حديدية، تنقذه من أيّ أزمة، مهما اشتدت؛ وبدأ في مواصلة المسيرة، خلافاً لظن خصومه، أنهم تمكنوا من السيطرة عليه، ودفعه إلى خارج مسرح الأحداث. والدليل على ذلك ثباته، على الرغم من خروجه من الأردن ولبنان.

                            كان عرفات يطلِع الزعماء والملوك والرؤساء العرب، على أوضاع الشعب الفلسطيني. فعشية مذابح "أيلول الأسود"، بعث إليهم ببرقية، يطلِعهم فيها على الأوضاع في الأردن؛ وقال لهم: "اللهم، فاشهد أني بلغت".

                            لقد استطاع أن يضع منظمة التحرير الفلسطينية، في معظم المحافل الدولية، في مكانة، سياسية ودبلوماسية، ربما لم تحرزها أيّ حركة من حركات التحرير. فالمنظمة عضو مراقب في الأمم المتحدة، ودول عدم الانحياز، والدول الإسلامية، وجامعة الدول العربية، وعضو مراقب في منظمة الوحدة الإفريقية. وقد أنشأت في أكثر من مائة وسبع عشرة دولة، سفارات، وممثليات، ومكاتب؛ إضافة إلى الدعم السياسي، الذي تلقاه من جميـع حركـات التحـرر، والأحـزاب، والهيئـات التقدمية والعمالية.

                            لقد استطاع عرفات أن يبنى علاقات سياسية بالدول، العربية والعالمية؛ وكذلك علاقات اقتصادية. ووقّع اتفاقيات اقتصادية، وخاصة مع الدول الاشتراكية؛ والمعروف، دولياً، أن اتفاقيات التعاون، لا توقَّع إلا بين الدول؛ ولذا، كانت المنظمة هي أول حركة تحرير وطني، في التاريخ، توقّعها. فقد أبرمت، مثلاً، اتفاقية اقتصادية، مع ألمانيا الديموقراطية؛ وفي أثناء التوقيع، قال وزير التجارة الألماني: "إننا نعرف مع من نوقِّع هذه الاتفاقية ولماذا؟. نحن نوقِّع اتفاقية مع منظمة التحرير؛ وهي حركة تحرير وطني، ولكننا نوقِّعها، لكي ننقل اعترافنا بكم، من الاعتراف السياسي إلى الاعتراف بحق تقرير المصير على الأرض الفلسطينية نفسها".

                            عندما خرج عرفات من الأردن، وأخذ يبنى قواته، من جديد، في لبنان، كان هدفاً للهجمات الإسرائيلية، بدءاً بتلك التي وقعت في الأيام الأربعة الأخيرة من فبراير 1972، وانتهاءً إلى حصار بيروت، عام 1982.

                            أمّا حرب 6 أكتوبر 1973، فقد كانت خيراً لمصر، والأمة العربية، والقضية الفلسطينية؛ إذ شرعت، أمام عرفات، أبواباً جديدة سوى باب الحرب؛ منها باب السلام، واعتراف الدول العربية، عام 1974، بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياًن وحيداً، للشعب الفلسطيني. واعتراف الأمم المتحدة بها، في 22 نوفمبر 1974، عضواً مراقباً فيها.

                            لقد أعيد انتخاب عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، غير مرة. وحصل على عدة أوسمة وجوائز للسلام. ففي عام 1979، حصل على وسام جوليت نوري الذهبي، من مجلس السلم العالمي. وحصل، عام 1981، على الدكتوراه الفخرية، من الجامعة الإسلامية، في حيدر آباد، في الهند؛ ومن جامعة جوبا، في السودان.

                            تكلَّل نضال الشهيد ياسر عرفات من أجل فلسطين، بعملية السلام، وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية على الأرض الفلسطينية، ومرجعيتها منظمة التحرير الفلسطينية؛ فهو القائل: "عندما نبحث عن السلام، وننادى به، فليس هذا جديداً علينا، كثورة فلسطينية، وكشعب فلسطيني؛ فنحن لا نقاتل من أجل القتال، ولسنا مرتزقة، ولا باحثين عن الحروب. ولكننا حملنا السلاح لمواجهة الظلم، والاضطهاد، والاحتلال، الذي واجه شعبنا، والاعتداء الذي حدث على أرضنا ومقدساتنا. والعالم كله يعلم ذلك، وكان معظمهم شهوداً على المأساة الفلسطينية".

                            وطالما تعرّض عرفات لعمليات اغتيال، في مناطق مختلفة. وكان من أشهرها عملية حمام الشط، في تونس، حيث هدمت الطائرات الإسرائيلية، في أكتوبر 1985، مبنى منظمة التحرير؛ ولكنه نجا؛ وإنما استشهد العديد من أبناء فلسطين في هذه العملية.

                            تعليق


                            • #15
                              المــــلاحق الخاصة بالبحث


                              الملحق الرقم (1)

                              البيان الصادر عن المؤتمر الوطني الفلسطيني يوم 28 مايو1964

                              بسم الله الرحمن الرحيم
                              منظمة التحرير الفلسطينية




                              إيماناً منا بحق الشعب العربي الفلسطيني في وطنه المقدس، فلسطين؛ وتأكيداً لحتمية معركة تحرير الجزء المغتصب منه؛ وغرضه وإصراره على إبراز كيانه الثوري الفعال، وتعبئة طاقاته وإمكانياته وقواه، المادية والعسكرية والروحية.

                              وتحقيقاً لإرادة شعبنا وتصميمه على خوض معركة تحرير وطنه، بقوة وصلابة، طليعة مقاتلة فعالة للزحف المقدس؛ وتحقيقاً لأمنية أصيلة عزيزة، من أماني الأمة العربية، ممثلة في قرارات جامعة الدول العربية، ومؤتمر القمة العربي الأول.

                              أعلن، بعد الاتكال على الله، باسم المؤتمر العربي الفلسطيني الأول، المنعقد بمدينة القدس، في هذا اليوم، السادس عشر من المحرم عام 1384 هـ، الموافق الثامن والعشرين من أيار 1964، قيام منظمة التحرير الفلسطينية، قيادة معبئة لقوى الشعب العربي الفلسطيني، لخوض معركة التحرير، ودرعاً لحقوق شعب فلسطين وأمانيه، وطريقاً للنصر.


                              16 المحرم 1384 هـ 28 أيار 1964

                              رئيس المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول
                              أحمد الشقيري








                              الملحق الرقم (2)

                              الميثاق الوطني الفلسطيني

                              بنود ومواد الميثاق


                              المادة 1: فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني. وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير. والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية.

                              المادة 2: فلسطين، بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني، وحدة إقليمية، لا تتجــزأ.

                              المادة 3: الشعب العربي الفلسطيني، هو صاحب الحق الشرعي في وطنه. ويقرر مصيره، بعد أن يتم تحرير وطنه، وفق مشيئته، وبمحض إرادته واختياره.

                              المادة 4: الشخصية الفلسطينية، وتشتيت الشعب العربي الفلسطيني، نتيجة النكبات، التي حلت به، لا يفقدانه شخصيته وانتماءه الفلسطيني، ولا ينفيانهما.

                              المادة 5: الفلسطينيون هم المواطنون العرب، الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين، حتى عام 1947، سواء من أخرج منها أو بقى فيها. وكلُّ من ولد لأب عربي فلسطيني، بعد هذا التاريخ، داخل فلسطين أو خارجها، هو فلسطيني.

                              المادة 6: اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين، حتى بدء الغزو الصهيوني لها، يعتبرون فلسطينيين.

                              المادة 7: الانتماء الفلسطيني، والارتباط المادي والروحي والتاريخي بفلسطين، حقائق ثابتة. وإن تنشئة الفرد الفلسطيني تنشئة عربية ثورية؛ واتخاذ كافة وسائل التوعية والتثقيف، لتعريف الفلسطيني بوطنه تعريفاً، روحياً ومادياً عميقاً؛ وتأهيله للنضال والكفاح المسلح والتضحية بماله وحياته، لاسترداد وطنه، حتى التحرير ـ واجب قومي.

                              المادة 8: المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، هي رحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين. ولذلك، فإن التناقضات بين القوى الوطنية الفلسطينية، هي من نوع التناقضات الثانوية، التي يجب أن تتوق لصالح التناقض الأساسي، فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة، وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس، فإن الجماهير الفلسطينية، سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر، تشكل، منظمات وأفراداً، جبهة وطنية واحدة، تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها، بالكفاح المسلح.

                              المادة9: الكفاح المسلح، هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين؛ وهو، بذلك، استراتيجية، وليس تكتيكاً. ويؤكد الشعب الفلسطيني تصميمه المطلق، وعزمه الثابت على متابعة الكفاح المسلح، والسير قدُماً نحو الثورة الشعبية المسلحة، لتحرير وطنه، والعودة إليه؛ وعلى حقه في الحياة الطبيعية فيه، وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه.

                              المادة 10: العمل الفدائي، يشكل نواة حرب التحرير الشعبية الفلسطينية. وهذا يقتضي تصعيده وشموله وحمايته، وتعبئة كافة الطاقات، الجماهيرية والعلمية، الفلسطينية وتنظيمها وإشراكها في الثورة الفلسطينية المسلحة؛ وتحقيق التلاحم النضالي الوطني، بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني، وبينها وبين الجماهير العربية؛ ضماناً لاستمرار الثورة وتصاعدها وانتصارها.

                              المادة 11: يكون للفلسطينيين ثلاثة شعارات: الوحدة الوطنية، والتعبئة القومية، والتحرير.

                              المادة 12: الشعب العربي الفلسطيني، يؤمن بالوحدة العربية. ولكي يؤدي دوره في تحقيقها، يجب عليه، في هذه المرحلة من كفاحه الوطني، أن يحافظ على شخصيته الفلسطينية ومقوماتها؛ وأن ينمي الوعي بوجودها؛ وأن يناهض أيّاً من المشروعات، التي من شأنها إذابتها أو إضعافها.

                              المادة 13: الوحدة العربية، وتحرير فلسطين، هدفان متكاملان، يهيِّئ الواحد منهما تحقيق الآخر؛ فالوحدة العربية، تؤدى إلى تحرير فلسطين؛ وتحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية. والعمل لهما، يسير جنباً إلى جنب.

                              المادة 14: مصير الأمة العربية، بل الوجود العربي بذاته، رهن بمصير القضية الفلسطينية. ومن هذا الترابط، ينطلق سعي الأمة العربية وجهدها لتحرير فلسطين؛ ويقوم شعب فلسطين بدوره الطليعي، لتحقيق هذا الهدف القومي المقدس.

                              المادة 15: تحرير فلسطين، من ناحية عربية، هو واجب قومي، لرد الغزوة، الصهيونية والإمبريالية، عن الوطن العربي الكبير؛ ولتصفية الوجود الصهيوني في فلسطين. تقع مسؤولياته كاملة على الأمة العربية، شعوباً وحكومات، وفي طليعتها الشعب العربي الفلسطيني. ومن أجل ذلك، فإن على الأمة العربية، أن تعبِّئ جميع طاقاتها، العسكرية والبشرية والمادية والروحية، للمساهمة مساهمة فعالة، مع الشعب الفلسطيني، في تحرير فلسطين. وعليها، بصورة خاصة، في مرحلة الثورة الفلسطينية المسلحة، القائمة الآن، أن تبذل وتقدم للشعب الفلسطيني كلَّ العون، وكلّ التأييد، المادي والبشري؛ وتوفر له كلّ الوسائل والفرص، الكفيلة بتمكينه من الاستمرار، للقيام بدوره الطليعي، في متابعة ثورته المسلحة حتى تحرير وطنه.

                              المادة 16: تحرير فلسطين، من ناحية روحية، يهيِّئ للبلاد المقدسة جواً من الطمأنينة والسكينة؛ تصان في ظلاله جميع المقدسات الدينية، وتكفل حرية العبادة والزيارة للجميع، من غير تفريق، ولا تمييز، سواء على أساس العنصر أو اللون أو اللغة أو الدين. ومن أجل ذلك، فإن أهل فلسطين، يتطلعون إلى نصرة جميع القوى الروحية في العالم.

                              المادة 17: تحرير فلسطين، من ناحية إنسانية، يعيد إلى الإنسان الفلسطيني كرامته وعزته وحريته. لذلك، فإن الشعب العربي الفلسطيني، يتطلع إلى دعم المؤمنين بكرامة الإنسان وحريته في العالم.

                              المادة 18: تحرير فلسطين، من ناحية دولية، هو عمل دفاعي، تقتضيه ضرورات الدفاع عن النفس. من أجل ذلك، فإن الشعب الفلسطيني، الراغب في مصادقة جميع الشعوب، يتطلع إلى تأييد الدول المحبة للحرية والعدل والسلام، لإعادة الأوضاع الشرعية إلى فلسطين، وإقرار الأمن والسلام في ربوعهـا، وتمكين أهلهـا من ممارسـة السـيادة الوطنيـة والحرية القومية.

                              المادة 19: تقسيم فلسطين، الذي جرى عام 1947، وقيام إسرائيل، باطل من أساسه، مهما طال عليه الزمن؛ لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه، ومناقضته للمبادئ، التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.

                              المادة 20: يعتبر باطلاً كلٌّ من تصريح بلفور، وصك الانتداب، وما ترتب عليهما. وإن دعوى الروابط، التاريخية أو الروحية، بين اليهود وفلسطين، لا تتفق مع حقائق التاريخ، ولا مع مقومات الدولة في مفهومها الصحيح. وإن اليهودية، بوصفها ديناً سماوياً، وليست قومية، ذات وجود مستقل. وكذلك، فإن اليهود، ليسوا شعباً واحداً، له شخصيته المستقلة؛ وإنما هم مواطنون في الدول، التي ينتمون إليها.

                              المادة 21: الشعب العربي الفلسطيني، معبراً عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة، يرفض كلَّ الحلول البديلة عن تحرير فلسطين تحريراً كاملاً. ويرفض كلَّ المشاريع، الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها.

                              المادة 22: الصهيونية حركة سياسية، مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالإمبريالية العالمية، ومعادية لجميع حركات التحرر والتقدم في العالم. وهي حركة عنصرية، تعصبية في تكوينها، عدوانية توسعية استيطانية في أهدافها، وفاشية نازية في وسائلها. وإن إسرائيل هي أداة الحركة الصهيونية، وقاعدة بشرية جغرافية للإمبريالية العالمية، ونقطة ارتكاز ووثوب لها، في قلب الوطن العربي؛ لضرب أماني الأمة العربية في التحرر والوحدة والتقدم. إن إسرائيل مصدر دائم لتهديد السلام، في الشرق الأوسط والعالم أجمع. ولما كان تحرير فلسطين يقضي على الوجود، الصهيوني والإمبريالي، فيها؛ ويؤدي إلى استتباب السلام في الشرق الأوسط؛ لذلك فإن الشعب الفلسطيني، يتطلع إلى نصرة جميع أحرار العالم وقوى الخير والتقدم والسلام فيه، ويناشدهم جميعاً، على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم، تقديم كلِّ عون وتأييد له، في نضاله العادل المشروع لتحرير وطنه.

                              المادة 23: دواعي الأمن والسلم، ومقتضيات الحق والعدل، تتطلب من الدول جميعها، حفظاً لعلاقات الصداقة بين الشعوب، واستبقاء لهؤلاء المواطنين لأوطانهم، أن تعتبر الصهيونية حركة غير مشروعة، وتحرّم وجودها ونشاطها.

                              المادة 24: يؤمن الشعب العربي الفلسطيني، بمبادئ العدل والحرية والسيادة، وتقرير المصير، والكرامة الإنسانية، وحق الشعوب في ممارستها.

                              المادة 25: تحقيقاً لأهداف هذا الميثاق ومبادئه، تقوم منظمة التحرير الفلسطينية بدورها الكامل في تحرير فلسطين.

                              المادة 26: منظمة التحرير الفلسطينية، الممثلة لقوى الثورة الفلسطينية، مسؤولة عن حركة الشعب العربي الفلسطيني، في نضاله من أجل استرداد وطنه وتحريره، والعودة إليه، وممارسة حق تقرير مصيره فيه، في جميع الميادين: العسكرية والسياسية والمالية، وسائر ما تتطلبه قضية فلسطين، على الصعيدَين: العربي والدولي.

                              المادة 27: تتعاون منظمة التحرير الفلسطينية مع جميع الدول العربية، كلٌّ حسب إمكانياتها. وتلتزم بالحياد فيما بينها، في ضوء مستلزمات معركة التحرير، وعلى أساس ذلك؛ ولا تتدخل في الشؤون الداخلية لأية دولة عربية.

                              المادة 28: يؤكد الشعب العربي الفلسطيني أصالة ثورته الوطنية واستقلاليتها، ويرفض كلَّ أنواع التدخل والوصاية والتبعية.

                              المادة 29: الشعب العربي الفلسطيني، هو صاحب الحق الأول، والأصيل، في تحرير واسترداد وطنه. ويحدد موقفه من كافة الدول والقوى، على أساس مواقفها من قضيته، ومدى دعمها له، في ثورته، لتحقيق أهدافه.

                              المادة 30: المقاتلون، وحملة السلاح، في معركة التحرير، هم نواة الجيش الشعبي، الذي سيكون الدرع الواقي لمكتسبات الشعب العربي الفلسطيني.

                              المادة 31: يكون لهذه المنظمة علَم وقسَم ونشيد. ويقر ذلك كلَّه بموجب نظام خاص.

                              المادة 32: يلحق بهذا الميثاق نظام، يعرف بالنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. تحدد فيه كيفية تشكيل المنظمة وهيئاتها ومؤسساتها، واختصاصات كلٍّ منها، وجميع ما تقتضيه الواجبات، الملقاة عليها بموجب هذا الميثاق.

                              المادة 33: : لا يعَّدل هذا الميثاق، إلا بأكثرية ثلثَي مجموع أعضاء المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، في جلسة خاصة، يدعي إليها من أجل هذا الغرض.




                              الملحق الرقم (4)

                              النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية


                              1. يشكل الفلسطينيون فيما بينهم، وفقاً لأحكام هذا النظام، منظمة، تعرف باسم منظمة التحرير الفلسطينية.

                              2. تباشر منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولياتها، وفق مبادئ الميثاق الوطني، وأحكام هذا النظام الأساسي، وما يصدر استناداً إليهما، من لوائح وأحكام وقرارات.

                              3. تقوم العلاقات داخل المنظمة، على أساس الالتزام بالنضال والعمل الوطني، في ترابط وثيق بين المستويات المختلفة، من قاعدة المنظمة إلى قيادتها الجماعية؛ وعلى أساس احترام الأقلية لإرادة الأغلبية، وكسب ثقة الشعب، عن طريق الإقناع، ومتابعة الحركة النضالية الفلسطينية، ودعم الثورة الفلسطينية المسلحة، والعمل على استمرارها وتصعيدها؛ بما يحقق الدفع التحريري لدى الجماهير حتى النصر.
                              وتطبيقاً وتنفيذاً لهذا المبدأ، فإن على اللجنة التنفيذية، أن تضع نظاماً خاصاً بتشكيلات المنظمة، مراعية في ذلك ظروف الفلسطينيين في مختلف أماكن تجمعهم، وظروف الثورة الفلسطينية، وتحقيق أهداف الميثاق والنظام.

                              4. الفلسطينيون جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير الفلسطينية، يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم، قدر طاقاتهم وكفاءاتهم. والشعب الفلسطيني، هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة.




                              الملحق الرقم (‍5)

                              المجلس الوطني الفلسطيني


                              1. ينتخب أعضاء المجلس الوطني، عن طريق الاقتراع، المباشر من قبل الشعب الفلسطيني، بموجب نظام، تضعه اللجنة التنفيذية لهذه الغاية.

                              2. إذا تعذر إجراء الانتخابات الخاصة للمجلس الوطني، استمر المجلس الوطني قائماً، إلى أن تتهيأ ظروف الانتخابات.

                              3. إذا شغر مقعد أو أكثر في المجلس الوطني، لأي سبب من الأسباب، يعين المجلس العضو أو الأعضاء، لملء المقاعد الشاغرة .

                              4. المجلس الوطني، هو السلطة العليا لمنظمة التحرير. وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها.

                              5. القدس هي مقر المجلس الوطني الفلسطيني.

                              6. مدة المجلس الوطني ثلاث سنوات. ينعقد، دورياً، بدعوة من رئيسه، مرة كلّ سنة، أو في دورات غير عادية، بدعوة من رئيسه، بناء على طلب من اللجنة التنفيذية، أو من ربع عدد أعضاء المجلس. ويكون مكان انعقاده في القدس أو غزة، أو أي مكان آخر، حسب الظروف. فإذا لم يدعُ رئيس المجلس إلى مثل هذا الاجتماع، يعتبر الاجتماع منعقداً، حكماً، في المكان والزمان المحددين في طلب أعضائه، أو طلب اللجنة التنفيذية.

                              7. يكون للمجلس الوطني رئاسة، مؤلفة من الرئيس ونائبَين للرئيس، وأمين سر؛ ينتخبهم المجلس الوطني، في بدء انعقاده.

                              8. ينظر المجلس، في دور انعقاده العادي، في:
                              أ. التقرير السنوي، الذي تقدمه اللجنة التنفيذية، عن إنجازات المنظمة وأجهزتها.
                              ب. التقرير السنوي للصندوق القومي، واعتماد الميزانية.
                              ج. الاقتراحات التي تقدم إليه من اللجنة التنفيذية، وتوصيات لجان المجلس.
                              د. أي مسائل أخرى، تعرض عليه.

                              9. يؤلف المجلس الوطني، تيسيراً لأعماله، اللجان التي يرى ضرورة تشكيلها. وتقدم هذه اللجان تقاريرها وتوصياتها إلى المجلس الوطني، الذي يقوم بدوره بمناقشتها، ويصدر قراراته بشأنها.

                              10. يتكون النصاب القانوني للمجلس، بحضور ثلثَي أعضائه. وتتخذ القرارات بأغلبية أصوات الحاضرين.

                              11. يحل المجلس الوطني، المنعقد في القاهرة، بتاريخ 10/2/1968، محل المجلس الوطني الانتقالي السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية. ويمارس جميع الصلاحيات المنوطة به، بمقتضى هذا النظام.

                              12. تكون مدة المجلس، آنف الذكر، سنتين، تبدأ في 10/7/1968. وإذا لم يتيسر إجراء انتخاب لأعضاء المجلس، الذي سيخلفه، يجتمع ويقرر إما تمديد مدته لفترة أخرى، أو أن يشكل مجلس جديد، بالطريقة التي يقرها.

                              13. يحق للمجلس الوطني، وتعود إليه، وحده، صلاحية ضم أعضاء جدد إليه، من حين لآخر، حسبما يرى ذلك ملائماً، وبحسب ما تمليه متطلبات معركة التحرير، ومقتضيات تعميق الوحدة الوطنية، في ضوء أحكام الميثاق الوطني؛ وذلك وفق نظام، تقدمه اللجنة التنفيذية، في الدورة المقبلة.





                              الملحق الرقم (6)

                              اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية


                              1. عملية الانتخاب والرئاسة
                              أ. يتم انتخاب جميع أعضاء اللجنة التنفيذية من قبل المجلس الوطني.
                              ب. يتم انتخاب رئيس اللجنة التنفيذية من قبل اللجنة.
                              ج. تُنتخب اللجنة التنفيذية من داخل المجلس الوطني.

                              2. تؤلف الجنة التنفيذية من أربعة عشر عضواً، بمن فيهم رئيس مجلس إدارة الصندوق القومي الفلسطيني. وإذا شغرت العضوية في اللجنة التنفيذية، بين فترات انعقاد المجلس الوطني، لأي سبب من الأسباب، تُملأ الحالات الشاغرة كما يلي :

                              أ. إذا كانت الحالات الشاغرة، تقلّ عن الثلث، يؤجل ملؤها إلى أول انعقاد للمجلس الوطني.
                              ب. إذا كانت الحالات الشاغرة، تساوي ثلث أعضاء اللجنة التنفيذية أو أكثر، يتم ملؤها من قبل المجلس الوطني، في جلسة خاصة، يدعى لها، خلال مدة، لا تتجاوز ثلاثين يوماً.
                              ج. في حالة القوة القاهرة، التي يتعذر معها دعوة المجلس الوطني إلى اجتماع غير عادي، يتم ملء الشواغر، لأي من الحالتَين السابقتَين، من قبل الجنة التنفيذية، ومكتب المجلس، ومن يستطيع من أعضاء المجلس؛ وذلك في مجلس مشترك، يتم لهذا الغرض. ويكون اختيار الأعضاء الجدد بأغلبية أصوات الحاضرين.

                              3. اللجنة التنفيذية، هي أعلى سلطة تنفيذية للمنظمة. وتكون دائمة الانعقاد. وأعضاؤها متفرغون للعمل. وتتولى تنفيذ السياسة أو البرامج والمخططات التي يقررها المجلس الوطني. وتكون مسؤولة أمامه مسؤولية، تضامنية وفردية.

                              4. تتولى اللجنة الإشراف على:
                              أ. تمثيل الشعب الفلسطيني.
                              ب. الإشراف على تشكيل المنظمة.
                              ج. إصدار اللوائح والتعليمات، واتخاذ القرارات الخاصة بتنظيم أعمال المنظمة؛ على ألاّ تتعارض مع الميثاق أو النظام الأساسي.
                              د. تنفيذ السياسة الحالية للمنظمة، وإعداد ميزانيتها.
                              وعلى وجه العموم، تباشر اللجنة التنفيذية جميع مسؤوليات منظمة التحرير، وفق الخطط العامة، والقرارات التي يصدرها المجلس الوطني.

                              5. يكون المقر الدائم للجنة التنفيذية في مدينة القدس. ولها أن تعقد اجتماعاتها في أي مكان آخر، تراه مناسباً.

                              6. تنشئ اللجنة التنفيذية الدوائر الآتية:
                              أ. الدائرة العسكرية.
                              ب. دائرة الشؤون السياسية والإعلامية.
                              ج. دائرة الصندوق القومي الفلسطيني.
                              د. دائرة البحوث والمؤسسات المتخصصة.
                              هـ. دائرة الشؤون الإدارية.
                              و. أي دائرة أخرى، ترى اللجنة ضرورة إنشائها.
                              ويكون لكلّ دائرة مدير عام، والعدد اللازم من الموظفين.

                              7. تقوم اللجنة التنفيذية بتوثيق العلاقات، وتنسيق العمل، بين المنظمة وبين جميع المنظمات والاتحادات والمؤسسات، العربية والدولية، التي تتفق معها في الأهداف، وتعينها على تحقيق أغراض المنظمة.

                              8. تستمر اللجنة التنفيذية في ممارسة صلاحياتها، ما دامت متمتعة بثقة المجلس الوطني. وعلى اللجنة التنفيذية، أن تقدم استقالتها للمجلس الوطني الجديد، في أول اجتماع تعقده. ويجوز إعادة انتخابها.

                              9. يتكون النصاب القانوني للجنة التنفيذية، من ثلثَي أعضائها. وتتخذ قراراتها بأغلبية أصوات الأعضاء الحاضرين.





                              الملحق الرقم (7)

                              جيش التحرير الفلسطيني


                              1. تنشئ منظمة التحرير الفلسطينية جيشاً، من أبناء فلسطين؛ يعرف بجيش التحرير الفلسطيني. تكون له قيادة مستقلة، تعمل تحت إشراف اللجنة التنفيذية، وتنفذ تعليماتها وقراراتها، الخاصة والعامة. وواجبه القومي، أن يكون الطليعة في خوض معركة التحرير.

                              2. تعمل اللجنة التنفيذية على إلحاق الفلسطينيين بالكليات والمعاهد الحربية العربية؛ للتدريب العسكري، وتعبئة جميع طاقات الفلسطينيين وإمكاناتهم، وإعدادهم لمعركة التحرير.




                              الملحق الرقم (8)

                              الصندوق القومي الفلسطيني


                              1. ينشأ صندوق، يعرف بالصندوق القومي الفلسطيني؛ لتمويل أعمال المنظمة. يقوم بإدارته مجلس إدارة خاص، يؤلف بموجب نظام خاص بالصندوق، يصدره المجلس الوطني.

                              2. موارد الصندوق، تتألف من:
                              أ . ضريبة ثابتة على الفلسطينيين، تفرض وتجبى، بنظام خاص.
                              ب. المساعدات المالية، التي تقدمها الحكومات والأمة العربية.
                              ج. طابع التحرير، الذي تنشئه الدول العربية، لاستعماله في المعاملات البريدية وغيرها.
                              د. التبرعات والهبات.
                              هـ. القروض والمساعدات، التي تقدمها الشعوب الصديقة.
                              و. أية موارد أخرى، يقرها المجلس الوطني.

                              3. تشكل في البلاد، العربية والصديقة، لجان، تعرف بلجان نصرة فلسطين؛ لجمع التبرعات، ومساندة المنظمة في مساعيها القومية.

                              4. يكون تمثيل الشعب الفلسطيني، ف ي المؤسسات والمؤتمرات العربية، على المستوى الذي تقرره اللجنة التنفيذية. وتسمِّي اللجنة التنفيذية ممثلاً لفلسطين لدى جامعة الدول العربية.

                              5. يحق للجنة التنفيذية، أن تصدر من اللوائح، ما يلزم لتنفيذ أحكام هذا النظام.

                              6. تعديل هذا النظام الأساسي، أو تغييره، أو الإضافة إليه، من سلطة المجلس الوطني للمنظمة، بأغلبية ثلثَي أعضائه.





                              الملحق الرقم (9)

                              اللجنة التنفيذية الأولى لمنظمة التحرير الفلسطينية


                              تم اختيار اللجنة التنفيذية الأولى، من أحمد الشقيري، رئيساً؛ وعضوية السادة: حامد أبو سنة، والدكتور حيد عبدالشافي، وقصى العبادلة، والدكتور قاسم الريماوي، والمحامي عبدالرحمن السكسك، والأستاذ بهجت أبو غربية، والمحامي عبدالخالق يغمور، والمحامي فلاح الماضي، ونقولا الدر، وعبدالمجيد سومان، والذي اختير رئيساً للصندوق القومي الفلسطيني.

                              واختارت اللجنة التنفيذية اللواء وجيه المدني، قائداً لجيش التحرير الفلسطيني.

                              وتقرر أن تكون الكتائب الفلسطينية، التي سبق وتم تشكيلها، كجزء من الجيوش العربية، في كلٍّ من مصر وسورية والعراق ـ نواة لجيش التحرير الفلسطيني. وقد عقدت اللجنة التنفيذية اتفاقات مع الدول العربية ذات الشأن، حول هذا الموضوع. وتمت دعوة الشباب الفلسطيني إلى التطوع في جيش التحرير الفلسطيني.

                              وكان قطاع غزة مركزاً رئيسياً لجيش التحرير الفلسطيني.


                              عـــلــم فلسـطــيــن


                              وقررت اللجنة التنفيذية، أن يتكون العلم الفلسطيني من الألوان: الأحمر والأبيض والأسود والأخضر؛ وهو علم الثورة العربية.






                              الملحق الرقم (10)

                              البلاغ الرقم (1)


                              بسم الله الرحمن الرحيم
                              حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتــح"
                              بلاغ عسكري رقم 1
                              صادر عن القيادة العامة لقوات العاصفة



                              اتكالاً منا على الله؛ وإيماناً منا بحق شعبنا في الكفاح، لاسترداد وطنه المغتصب؛ وإيماناً منا بواجب الجهاد المقدس.. وإيماناً منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج؛ وإيماناً منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم.. لذلك، فقد تحركت أجنحة من القوات الضاربة، في ليلة الجمعة، 31/12/1964، وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة، ضمن الأرض المحتلة؛ وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة. وإننا لنحذر العدو من القيام بأية إجراءات ضد المدنيين الآمنين، أينما كانوا.. لأن قواتنا سترد على الاعتداء باعتداءات مماثلة.. وسنعتبر هذه الإجراءات من جرائم الحرب.. كما وأننا نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو، بأي شكل كان.. لأن قواتنـا سترد على هذا العمل، بتعريض مصالح الدول للدمـار، أينما كانت..


                              عاشت وحدة شعبنا
                              وعاش نضاله لاستعادة كرامته ووطنه
                              القيادة العامة لقوات العاصفة
                              التاريخ 1/1/1965









                              الملحق الرقم (11)

                              البيان السياسي الأول، الذي أذاعته
                              القيادة العامة لقوات "العاصفة"



                              لقد مرت ستة عشر عاماً على شعبنا، وهو يعيش بعيداً عن قضيته، التي قبعت في أدراج الأمم المتحدة، كقضية لاجئين مشردين، بينما العدوّ يخطط، بكل إمكاناته، على الصعيدَين: المحلي والدولي، لإقامة طويلة الأمد في بلادنا؛ متجاهلاً الشعب الفلسطيني البطل. ومن وحي هذا الواقع السيئ؛ ولأن عامل الزمن، يسير في اتجاه مضاد، انطلقت قوات العاصفة، لتؤكد للعدوّ، وللعالم كله، أن هذا الشعب، لم يمت؛ وأن الثورة المسلحة، هي طريق العودة والنصر.

                              إن قوات "العاصفة"، المنبثقة من إرادة الجماهير الفلسطينية الثائرة، لتدرك إدراكاً تاماً أبعاد المعركة، سياسياً وعسكرياً. وهي تعمل متخطية كلَّ الظروف والعقبات؛ معتمدة على قوّتها الذاتية، وطاقات شعبنا العربي.

                              يا جماهير شعبنا المجاهد. هذا طريقنا. وهذه مسيرتنا.. إن الموقف جد، لا هزل. فالشهداء قد تساقطوا، والدماء قد أريقت. فلنرتفع إلى مستوى المسؤولية.. مسؤولية المعركة الشريفة؛ لأن هذه الانطلاقة، ما هي إلا بداية لحرب تحريرية، ذات منهج مخطط ومدروس. ويهمنا، في هذه المرحلة التاريخية الحرجة، أن نعلن، بوضوح تام، أن مخططاتنا، في الميدانَين: العسكري والسياسي، لا تتعارض مع المخطط، الفلسطيني والعربي، الرسميَّين، في المعركة؛ لأن الكفاح من أجل فلسطين، يصب في مجرى واحد، يبتدئ وينتهي باجتثاث الخطر الصهيوني من على أرضنا. وإننا لنناشد الأمة العربية وقادتها، أن يرتفعوا بمسؤولياتهم إلى المستوى القومي الملتزم؛ فمعركتنا مع إسرائيل معركة ضارية، لا بد من الاستعداد والانتصار.

                              أما نحن، فقد تحركنا من منطلق فلسطيني، مرتبط بتربة الوطن. وخير ما يدفعنا إيماننا بأن هذا هو الطريق السليم، لإخراج قضيتنا من الدوامة، التي عاشت فيها؛ معتمدين على أمتنا العربية وكفاحها المشترك، والقوى التحررية في العالم. ولن يوقف هذا الزحف، حتى يرفرف علم فلسطين فوق أرضنا الغالية، مهما كانت التضحيات. وإننا لنعاهد شعبنا على الاستمرار في هذا الطريق، وألاّ نلقي السلاح، حتى يتحقق النصر.

                              وبهذه المناسبة، تتوجه قوات العاصفة بالشكر لجميع وسائل الإعلام العربية، إذاعات وصحافة وأقلاماً حرة شريفة، ممن تفهمت موقفنا، وساندت، بكل إخلاص، انطلاقتنا المباركة. كما نشيد بموقف المنظمات والهيئات، الفلسطينية والعربية، التي قامت بتأييدنا، ووقفت إلى جانبنا.. وإن الشعب العربي مطالب بتأييد هذه الانطلاقة، وبذل المزيد من الدعم، المادي والمعنوي، حتى نحقق أهدافنا في العودة والحرية.


                              عاشت أمتنا العربية البطلة
                              عاشت فلسطين حرة، عربية
                              القيادة العامة لقوات العاصفة

                              تعليق

                              المواضيع ذات الصلة

                              تقليص

                              المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
                              أنشئ بواسطة HaMooooDi, 01-11-2024, 01:45 AM
                              ردود 0
                              25 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة HaMooooDi
                              بواسطة HaMooooDi
                               
                              أنشئ بواسطة HaMooooDi, 10-28-2023, 12:20 AM
                              ردود 0
                              55 مشاهدات
                              1 معجب
                              آخر مشاركة HaMooooDi
                              بواسطة HaMooooDi
                               
                              أنشئ بواسطة HaMooooDi, 10-14-2023, 09:51 PM
                              ردود 0
                              53 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة HaMooooDi
                              بواسطة HaMooooDi
                               
                              أنشئ بواسطة HeaD Master, 12-26-2008, 08:20 PM
                              ردود 30
                              6,251 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة HeaD Master
                              بواسطة HeaD Master
                               
                              أنشئ بواسطة HaMooooDi, 06-21-2008, 04:50 AM
                              ردود 178
                              14,075 مشاهدات
                              0 معجبون
                              آخر مشاركة HeaD Master
                              بواسطة HeaD Master
                               
                              يعمل...
                              X